نحـو التنـوير: 7 خطـوات لأجـل شبـاب عربـي متنـوّر ومُنفتـح علـى العالـم – تقرير

خطوات نحو التنوير للشباب العربي
22

نظرة سريعة على حال الوطن العربي بشكل عام، وحال شبابه بشكل خاص كفيلة بإثارة كم كبير من الأسى والحزن والإحباط… والعديد من المشاعر السلبيّة التي تدفعك لشيء واحد فقط… التوقف عن الحياة في منتصف الطريق، والتعزّر عن اكمال المسير!

فبالرغم من أن الشباب هو المكوّن الرئيس لسكان الوطن العربي، إلا أنه مكوّن شبه مُعطّل… متوقف عن العمل… بلا أي قيمة أو فائدة حقيقيّة!

صحيحٌ أنه في مُقتبل العمر… مُقبل على الحياة… مُفعم بالحيويّة والنشاط، إلا أنه في نفس الوقت، تائه… ضائع… فقير أو يزداد فقراً، لا يعرف ماذا يفعل ويعمل، خصوصاً في ظل انهيار بلدانه أمام عينيه.

هل يسافر؟! هل يهاجر؟! هل يبقى… هل يهرب؟! هل يفعل أي شيء آخر ليتخلص من هذا الوضع المُذري الذي يعيش فيه!

انهارت بلدانه أمام عينيه دون أن يستطيع أن يفعل شيء، عملة بلده قد انهارت… نظام التعليم في جامعته مُنهار… الحياة الاجتماعيّة من حوله أصبحت كمقلب القمامة… الحياة الروحيّة والأخلاقيّة أصبحت في مهب الريح.

كل شيء انهار لديه، فلم يجد سوى التحرش ملجأً… وفي الإباحيّات مكان للاستمتاع… وفي المقاهي والسجائر صديقاً حميماً يُبعده عن كآبة الوضع الذي لا يدفعه إلا باتجاه شيئين لا ثالث لهما… الجنون أو الانتحار.

ولأن الأمل في الشباب – الآن وغداً وفي أي وقت كان – ولأن البكاء والحزن واللطم لا يجدي نفعاً، يبزغ الطريق الوحيد للخروج من هذا الجحيم الذي نعيشه من خلال التنوير الذي لا بد منه.

التنوير الذي سينتشله من مستنقعات الضعف والتخلّف والتيه… إلى الأمل والنور… وإلى التغير نحو الأفضل لا محالة.

ولهذا التنوير خطوات مُركّزة لا بد منها، قد تقل أو تكثر قليلاً… لكنها في المُجمل ستكون هي الخطوات التالية…

1/ تديّن أخلاقيّاً وليس ظاهريّاً

التدين الاخلاقي

ثِق تماماً أن مُعظم ما يتم ممارسته يوميّاً تحت مُسمى التديّن والتقرّب إلى الله ما هو إلا مُجرّد استعراض أمام الناس… بغية استرضاء أعطافهم والظهور بمظهر الإنسان الصالح أمامهم.

وأنّ الأمر برمته لم يتعدى كونه مسرحيّة هزليّة رخيصة لكي يحصلون من خلالها على لقب الإنسان المتديّن والذي تلقائيّاً سيعطيه وصفاً شعبيّاً بالصلاح والاحترام والمكانة العالية.

ولكي تتأكد من ذلك، خُذ هذا المثال بسيط وعمّمه على جميع الحالات وفي جميع الأديان وستندهش لحجم المُفارقة… قدّم صحن فيه لحم خنزير لأي إنسان متديّن وقل له ” كُل ” تلقائيّاً سيقول لك بأنه مُحرّم وأنه ضار، وأنه لا يستطيع أن يأكل منه.

نفس الشخص، خذه لطاولة أخرى وافتح معه نقاشاً عن أحد الأشخاص وابدأ بشتمه والتكلم في سلبيّاته وستجده يُشارك معك بالحديث ويبدأ بالشتم والقذف والسب.

لو عايرنا الموقفان دينيّاً لوجدنا أن حرمة أكل لحم الخنزير أقل بكثير من حرمة شتم وقذف الناس في غيابهم… إلا أن التديّن الأول هو المهم لدى ذلك الشاب لأنه هو التديّن الظاهر للناس، والناس هم الشيء الأهم لديه ولدى الجميع أيضاً!!

الشكلانيّة في التديّن من أشرس الأمراض التي يعانيها الشباب العربي، الجميع يهتم بالشكل… ولا يهتم بالأخلاق، الجميع يهتم بالظاهر… ويترك الداخل… الجميع يهتم بما يرى وينسف بعرض الحائط كل ما يخفى في القلوب!!

باختصار شديد… الناس يعبدون إلهاً آخر، يصلون له… ويصومون له… ويقومون بأفعالهم من أجله… هذا الإله هو الناس… ومع كل هذا يصرّون أنهم لا يعبدونه!

قالها أحمد الشقيري ذات مرة… لا تقل لي أنك إنسان متديّن، بل أرني الدين في تعاملاتك وفي أخلاقك. ولعل هذه العبارة ستكون الأساس لأجل تنوير الشباب العربي، الطريق نحو التنوير يمر بالأخلاق… يمر بالتديّن الأخلاقي… وليس بالتديّن الشكلي فقط… ليس بتديّن لحم الخنزير!!

2/ ابدأ بالتدوين… النصيحة الذهبيّة في القراءة

التدوين

لو كان هناك نصيحة واحدة مُركّزة لأجل أقصى استفادة من أي كتاب تطالعه عينيك أو أي مقال تقرأه أو أي مجال معين أحببت أن تتعمق به وترسّخ أفكاره في عقلك وتزرعها بشكل حديدي في قشرتك المخيّة… فإن النصيحة الذهبيّة القادرة على تحقيق كل هذا – وأكثر – هي التدوين والكتابة!

نعم… فالكتابة ضمن المجال الذي تريده أو التدوين عن كتاب قرأته سيزرع فكرته في رأسك بشكل صلب، لن تنساه بعدها حتى لو أردت ذلك!!

الأمر ليس صعب أبداً… بل سهل ويزداد سهولة أيضاً، خصوصاً في هذا العصر… عصر مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع التدوين المختلفة بكل أشكالها، وإن لم تستطيع استخدامها فهناك العديد من الأماكن الأخرى للتدوين… سواءً على ورقة ضمن أحد دفاترك القديمة المُهملة، أو على حائط منزل جارك العصبي، أو على أي مكان تريد… المهم هو أن تدوّن!

لكن رجاءً إن كانت تدويناتك ستقتصر على تلك التي تتحدث عن فراق الأحبة وغدر الأصحاب، أو عن تلك التي خانها زوجها فتحولت من أنثى إلى ملاك صعب الامتلاك… أو ذلك الرجل الذي عانى من فترة مُراهقة متأخرة ففقد نفسه على رصيف نسيان من تركته خلف قضبان الذاكرة، فرجاءً ألا تدوّن… رجاءً أن تُخرج هذه الفكرة من رأسك حالاً!!

لن ينهض الشباب العربي بالإحباطات السابقة التي ستزيد من جحيم حياته جحيماً آخراً، بل سينهض بشيئين لا ثالث لهما… أولاً الأخلاق – الحقيقيّة وليس الشكليّة – وثانيّاً العلم والقلم!

العلم والقلم… العلم المسطور… الأفكار المكتوبة… الجواهر والقيم المُدوّنة والهادفة نحو التغير هي التي ستفتح الباب على مصرعيه نحو التنوير.

حتماً القراءة مهمة كونها ستنضجك فكريّاً وتزيد من حجم مصطلحاتك اللغوية وفهمك لما يجري من حولك… لكن التدوين سيركّز هذه الأفكار لأقصى حد، بالإضافة لمساهمته بالتأثير ضمن الوسط المحيط بك أيضاً… خصوصاً الوسط الشبابي إن كنتَ كاتباً شاباً وإن كنتِ مدوّنة صغيرة السن!

بعيداً كل البعد عن ما يدوّنه الكتّاب العجزة الذين لا يتوقفون عن الحديث عن ذكرياتهم في الكشّافة أو عن تاريخ تحفة قديمة في مدينتهم لا يعبأ أحد بها… أو أي شيء آخر غير مهم لا يُسمن ولا يُغني من جوع!

من المَحبرة إلى المَقبرة… اِتخذ من هذه العبارة شعاراً رئيسيّاً لك في الحياة، وإن لم تستطع فشعاراً فرعيّاً… لكن إياك أن تخرج من هذه الحياة دون أن يَسمع أحد لك أو يقرأ حتى.

الأخلاق والقلم… والطريق نحو التنوير يبدأ بهما حتماً.

3/ لا تؤذِ من يختلف معك في الرأي

الاختلاف في الرأي

جولة سريعة على القنوات الفضائيّة في تلفازك، أو الصفحة الرئيسيّة لحسابك على الفيسبوك وستجد أن الجميع لديه العديد من الآراء… العديد من القناعات… العديد من التحليلات التي يتبنّاها ويدافع عنها.

وهذا أمر بديع حقاً، فمن جماليّة الحياة التعيسة – حاليّاً – التي نعيشها هو الاختلاف الذي نراه حولنا… فبالرغم من أن هذا الاختلاف قد جلب لنا الويلات… إلا أنه لو كان الجميع يعيشون بنفس النمط، ويملكون نفس التفكير، ونفس الآراء، لكان الأمر مُمل جداً وخطير جداً… كونه سيقود بالنهاية لمجتمع جامد وليس متحرك أو متطور باستمرار قائم على الاختلاف!

لكن بمجرّد أن يتحول هذا الاختلاف، وتنوّع الآراء… إلى سبب للإيذاء أو للتصفية والقتل… أو للموت – على الهوية أحياناً – فالأمر تحوّل حينئذٍ لجحيم حقيقي، أو بمعنى آخر… تحوّل وأصبح وطننا العربي الذي نعيش مآسيه وخيباته بشكل يومي ولحظي!

لا أعرف كيف يُمكن لإنسان أن يُعطي لنفسه الصلاحية بسحق إنسان آخر مثله تماماً لا يختلف عنه بعدد الأصابع أو بعين وأذن زائدة، لمجرّد اختلاف من أجل فكرة أو مبدأ… أو كلمة حتى!!

توقف عن كره البشر لاختلافهم معك بالأفكار والآراء… سواءً كانت دينيّة أم اجتماعيّة أم تربويّة أم أي شيء آخر.

ناهيك عن هذا كله، أن الموت في سبيل رأي مُعيّن يُعززه بشكل أكبر ولا يُلغيه، ففي كثير من الأحيان يُخلّد صاحب الرأي كبطل وإنسان صاحب قضيّة… فقط لأنه قد قُتِل وعانى وعُذب من أجله!

الجميع يستحقون أن يُعبّروا عن آرائهم بحرية تامة دون أن تؤذيهم طالما أنت إنسان مثلك مثلهم، قد تختلف معهم وهذا مهم وجميل… قد ترد عليهم – فكريّاً – وهذا أجمل… لكن إياك أن تُعطي لنفسك الحق بأن تسحقهم لأنهم يسلكون طريقاً غير طريقك.

ولتتخذ من مقولة فولتير – فيلسوف التنوير الفرنسي – مبدأً جوهريّاً في هذه المسألة… ” قد اختلف معك في الرأي، ولكني مُستعد لأن أضحي بحياتي لأجل حريتك في التعبير عن رأيك “.

لا تؤذيهم… احترم آراء الجميع، ناقشهم ورد عليهم… وكُن مستعداً لأن تضحي بحياتك لأجل حريتهم في التعبير… إن كنت حقاً تُريد التنوير.

4/ لا تتحرش بها، فهي الصديقة… الرفيقة… والحياة!

لا للتحرش

موضوع الأنثى ليس مُهم فقط لدى الشباب العربي فحسب، وليس لدى الشباب عموماً على اختلاف جنسياتهم… ولا حتى الجنس البشري بأكمله، بل موضوع الأنثى مُهم لدي جميع الكائنات الحيّة.

لتتأكّد من ذلك… شاهد أحد الوثائقيّات عن مواسم التزاوج لدى العناكب أو الأرانب وستعرف مدى أهميّة الأنثى لدى الجميع.

الاهتمام بالأنثى شيء طبيعي وموجود – غريزيّاً – لدى الكائنات الحيّة على اختلافها… لكن ما يميّز الشباب العربي ليس كونه شباب مُهتم بالأنثى وحسب… بل شباب مُتحرّش بها أيضاً!

ليس الكل طبعاً… فهناك الكثير من الشباب الواعي الذي لا يهتم بهذه الأمور الصبيانيّة، إلا أن الكثير من الشباب أيضاً لم يحترف شيئاً في هذه الحياة سوى فن التحرّش وإيذاء أي أنثى تمر على الرصيف أو الشارع أو بجوار نافذة المنزل.

أزمة التحرّش أزمة كبيرة وخطيرة تدل على فساد في منظومة الأخلاق بأكملها… والتحرش قد يكون نتيجة أكثر من كونه سبب أو ظاهرة قائمة بحد ذاتها، وجميع مَن حاول أن يتحدث فيها وضع الحلول صارمةً على الأنثى بأنها السبب… وقد تكون تحمل جزءاً من المسؤوليّة كونها جعلت من نفسها مُجرّد قشرة خارجيّة كونتها شركات المكياج العالميّة… لكن الجزء الأكبر يقع على الذكور حتماً.

فعندما يكون لدي مجموعة من الأغنام وهناك مجموعة من الذئاب التي تتربص بها خلف الأسوار… يصبح لِزاماً عليّ أن أربي الذئاب وأنبّه الأغنام، وليس العكس!

التخفيف من موضوع التحرّش والقضاء عليه مُستقبلاً سيكون حتماً عن طريق تحكيم العقل، فالإنسان يتميّز عن الحيوانات بأنه عاقل… يمتلك عقلاً… أي يمكنه أن يُحاصر اندفاعه الغريزي عن الطريق العقل الموجود فيه… لأنه إنسان عاقل!

فمجرّد ظهور أفعال وظواهر كهذه – التي يُلغى فيها العقل – وتنفلت فيها الغرائز بدون الضابط العقلي، فالإنسان تلقائيّاً يتحول لحيوان مُنتصب يمشي على قدمين! فالحل إذاً يكون بضبط العقل وإعادته لدوره الأساسي عند الإنسان وهو محاصرة الاندفاع الغريزي.

هرمونيّاً… الذكور شهوانيين بنسبة أكبر من الإناث وهذا طبيعي بحكم الجينات البشريّة، لكن الغير طبيعي هم هؤلاء الأشخاص الذين يسيرون في الطرقات بدون أي ضابط أو حاكم، مجموعة من الغرائز المُتنقّلة… مجموعة من المشاعر المُنفلتة الجامحة… أين الجانب الإنساني لديهم! أين العقل المُحدّد لهذه الأمور!

توقّف عن التحرش… واضف البُعد الإنساني لكل فعل تقوم به، الأنثى ليست أداة جذب وإشباع كما يحاول الجميع إظهارها لدرجة أنها صدّقت هي ذلك أيضاً… بل هي الصديقة… الرفيقة… الحياة!

5/ فتبيّنوا… شعار للحياة بأكملها

حملة فتبينوا

حملة فتبيّنوا… حملة يعرفها الجميع طبعاً… ولعلَ ما فعله الشاب الأردني مُعاذ عند إنشاءه لهذه الحملة، أنه قام بأحد أبرز وأهم الأشياء على مواقع التواصل الاجتماعي العربيّة… خصوصاً أنها جاءت لتتصدى للكم الكبير من الهُراء المنتشر على هذه المواقع.

ثِق تماماً أثناء تصفّحك للفيسبوك أو أي موقع تواصل آخر، أن ليس كل ما تراه حقيقي… ليس كل ما تراه صادق… ليست تلك العبارة المنسوبة لذلك الشخص هي له فعلاً… ليس ذلك المرض الذي أصاب ذلك الرجل هو بسبب اهماله لمشاركة ذلك المنشور الذي استحلفك أن تنشره ولم تفعل… أو لأنه لم يضغط زر الاعجاب فحدث له ما حدث!

تبين من هذه الأمور… تبيّنوا من كل شيء، في العالم الافتراضي وفي العالم الواقعي أيضاً، اجعل من كلمة ” تبيّنوا ” أول كلمة تخطر على بالك عندما تسمع خبراً ما… أو تشاهد مقطع فيديو… أو حتى تقرأ مقالاً!

تبيّنوا من كل شيء، لأن الجميع يحاول أن يزور… الجميع يحاول تطوّيع الحقائق والأقوال والمُثل خدمةً لأهدافه التي قد تكون ضخمة… والتي قد تكون في معظمها تافهة لا تتعدى زيادة عدد الاعجابات والتعليقات وغيرها.

تبيّنوا… بدأها مُعاذ على الفيسبوك، لكن عليك أن تعممها لتشمل جميع جوانب حياتك.

6/ ابتعد عن مؤدلجي العلم والتاريخ

مجموعة كتب قديمة

طالب التنوير هو طالب للحقيقة أيضاً، والحقيقة يستحيل أن تحصل عليها من خلال مجموعة من المؤرّخين المؤدلجين، أو مجموعة من العلماء المتُحيّزين لطرف من الأطراف… أما ما هو معنى الأدلجة… فهي باختصار شديد، تطويّع الحقائق – العلم والتاريخ – لصالح مواضيع ضيّقة تخدم صاحبها.

لا تقرأ لذلك المؤرخ المؤدلج، الذي يكتب التاريخ ويسلّط الضوء على شخصيّات مُعينة ويرفعها ويقدسها فقط لكي يغيظ بعض الأطراف الأخرى ويستفزها… ولكي يُثبت أنه هو المُحق وهو الصحيح.

لا تقرأ أيضاً لذلك الآخر الذي جعل تلك الشخصيّة التاريخيّة إبليساً وشيطاناً فقط لأنه كان يختلف معه في الفكر والرأي… أو في الدين، كما هو في مُعظم الأحيان.

ابتعد عن أولئك الذين يدّعون العلم… ولا يكتبون ولا يترجمون سوى الأبحاث والمقالات… وربما يجتزئونها حتى يُظهروا للناس أن أفكارهم صحيحة، وأنها أفكار مؤيدة علميّاً… ثمّ يقولون لك أن العلم يقول هذا… والعلم يكون منهم براء!

ابتعد عن أولئك الذين يؤدلجون كل شيء لأجل مصالحهم الضيقة… لكي يظهروا لك أنهم على حق وأن العلم والتاريخ معهم… أن مواقفهم هي الصح والبقيّة خطأ… فيوهمونك أنك إن خالفتهم فأنت تخالف حقائق تاريخيّة ثابتة… وإن عارضتهم فأنت تعارض العلم بأكمله!

لقد جعلوا العلم ما يتفق معهم فقط… والتاريخ هو ما يمدحهم ويوافق مصالحهم، أما ما عدا ذلك فهو مجرّد هراء لا يعترفون به… إن كنت طالباً للحقيقة والتنوير فيجب أن تتجه نحو الذين يتميّزون بالمصداقيّة والموضوعيّة… وهم غير موجودين حتماً… وبالتالي فإن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو قراءة المتناقضات.

اقرأ كتاباً يمدح الشخص الفلاني ثم كتاباً آخر يشتمه ويقذفه… طالع مقالاً عن مؤيّدات نظريّة تعدد الأكوان… وبعده مباشرةً شاهد وثائقيّاً عن مُعارضات هذه النظريّة.

لن تتمكن من معرفة أن الهرم، هرمي الشكل حتى تراه من جميع جوانبه… من موقع واحد ستراه مثلثي الشكل فقط… كذلك الحقيقة، لن تراها كاملة أو تقترب من رؤيتها إلا إذا قرأت للجميع وسمعت للجميع وناقشت أفكار الجميع.

العلم والتاريخ… اقرأهم وافهمهم من جميع جوانبهم، وابتعد عن مؤدلجيهم.

7/ احذر من الانسحاب الثقافي

الانسحاب الثقافي

بتطبيق الخطوات السابقة ستقطع شوطاً كبيراً نحو التنوير… التغيّر سيصبح ملموس وواضح جداً في جميع أفعالك… أقوالك… وتعاملاتك اليوميّة على اختلافها، بدءاً بالأمور المهمة والمعقّدة وحتى أبسط الأمور وأصغرها، كابتسامتك لطفل صغير على طريق العمل.

وهنا يبرز الخطر الأكبر من تطبيق خطوات التنوير والتي هي بمعظمها خطوات هادفة نحو الأفضل سواءً في الحياة الشخصيّة أو الاجتماعيّة أو الروحيّة حتى، ولعل هذا الخطر يكمن في كلمتين بسيطتين هما… الانسحاب الثقافي! ليس الانعزال… إنما الانسحاب الكامل.

قراءة الكتب… الانفراد مع الذات… تقبّل الآخر… التحلي بالأخلاق، بعد تطبيق هذه الأمور تدريجيّاً ستبدأ بالانسحاب من الحياة بكامل جوانبها وخصوصاً الاجتماعيّة، ستجد نفسك وحيداً… لا أحد يفهمك، لا أحد يشعر بك… يعتقدون أنك مغرور ومتكبّر… يعتقدون أنك في واد وهم في واد آخر تماماً… فتبدأ عندها بالتقوقع في عالمك الخاص بعيداً

عنهم.

تقرأ كتاباً لتشارلز ديكنز ومن ثم تضطر لأن تتكلم مع قريب جل همه الحصول على رقم جارته… أو مُراهق أكبر همه هو الحصول على علبة سجائر أو تدخين الحشيش. فتدريجيّاً تبدأ بتحطيم جميع هذه العلاقات فينتهي بك المطاف وحيداً في عالمك الخاص… وهنا يكمن الخطر.

التنوير فعل جماعي وليس شيء فردي إطلاقاً… البداية ستكون بتنوير النفس ولكن النهاية ليست كذلك، قد تنعزل عن أفكارهم وآراءهم وغيرها، لكن إياك أن تنسحب… إياك أن تتقوقع… فالأمل الوحيد لتنوير المجتمع هو أنت!

لست أنت المتقوقع… بل أنت الذي يستطيع أن يجمع بين كل ما تعلمه من علوم ومعارف مع أبسط الحاجيّات التي قد تراها في عيون أصحابك واقرباءك… يجب أن تنقل ما وصل إليك، يجب أن تبسطه لأولئك الذين لا يفهموا في هذه الحياة سوى أنهم يريدون أن يأكلوا ويشربوا ويتكاثروا!

ربما كان التنوير يفشل في الوطن العربي بسبب هذه الخطوة… فالجميع هنا يركّز على التنوير الأناني… التنوير الشخصي فقط… المهم أن أفهم أنا وليذهب الجميع إلى الجحيم. لا أحد يحاول أن ينشر التنوير… الجميع يشعر بالإحباط بعد أن يبدأ في الفهم فيقول أن هذا المجتمع لن يتغير ولا يكون تنويره إلا من خلال مذنب يضربه فيرسله إلى جوار ربه!

التنوير يبدأ بالنفس… لكنه ينتهي – قطعاً – بالوسط المحيط بأكمله.


التيه… هو التوصيف الأدق لشباب الوطن العربي، الشباب الذي ما زال يدخل في صراعات لأجل صديق قرأ اسم أم صديقه على بطاقة التعريف… الشباب الذي ترك فنون الكونغ فو والجودو واحترف فن التحرش وإيذاء الإناث… الشباب الذي يكره أي شيء لمجرد كونه ” آخر ” فقط!!

والحل لهذا التيه هو التنوير… التنوير الذي سيجعله يتديّن أخلاقيّاً وليس فقط ظاهريّاً أمام الناس… والذي سيمكّنه من الاستفادة من أي شيء يقرأه ويراه بالإضافة لتقبّله لآراء الجميع بدون أي حقد أو ضغينة… هذا التنوير سيجعله يحترم الأنثى ويحترم تطلعاتها ويعتبرها الرفيقة في هذه الحياة.

لكن رجاءً… ألا تجعله يقف لديك، التنوير يجب أن ينتقل… يجب أن يعبر مثل الشيفرة الوراثية من شخص لآخر… فلتشارك كل شيء تعلمته خلال مسيرتك مع ذلك الجار البسيط الذي لا يعرف شيئاً في هذه الحياة سوى شرب البابونج على قارعة الطريق، شاركه كل ما قد وصل إليك من فَهم… ولتجعل نورك الداخلي ينعكس على المجتمع بأكمله.

فنخرج من هذا الليل… الذي قد طال ظلامه.

22