مع قرب دخول الحرب السورية عامها السابع… نظرة علي واقع ريادة الأعمال هناك

واقع ريادة الاعمال في سوريا - حطام مدينة سورية
5

حرب ضرورس تشهدها سوريا منذ ما يتجاوز الـ 6 أعوام، تصدع خلالها الاقتصاد السوري بشكل كبير، تسبّبت في ضياع العديد من فرص العمل، وإغلاق العديد من الأعمال والمشاريع التجارية، وأصبحت الأسواق على حافة الانهيار.

ولكن هناك بقعة ضوء مازالت تناضل من أجل البقاء والنمو والاستمرار.. أنها ريادة الأعمال، نعم مازال بسوريا رواد أعمال تعملون علي مشاريعهم ليل نهار تحت وابل القصف.

ومع استعداد الحروب السورية لدخول عامها السابع، قام الباحث ورائد الأعمال الاجتماعية السوري أحمد سفيان بيرم، المدير الإقليمي للشرق الأوسط وإفريقيا لحاضنة الأعمال التقنية Tech Stars ومدير ومنظم فعالية Start up weekend Damascus ، مؤخرًا بنشر نتائج دراسة قام بإعدادها تحت عنوان “ريادة الأعمال في مناطق النزاع – رؤى حول الشركات الناشئة في سوريا“، وفقًا لعينة إحصائية قام باستبيانها بنفسه.

فقد استطاع الباحث أن يخترق حالة السكون والجمود التي تلف قطاع الريادة والأعمال في سوريا بسبب ظروف الحرب والدمار، بهدف تسليط الضوء على ريادة الأعمال هناك، والتحديات التي تواجهها، ونقاط القوة التي تتميز بها، والمستقبل المجهول الذي ينتظرها، حيث تقدم لأول مرة عربيًا نظرة على واقع ريادة الأعمال في سوريا، وتجارب واحتياجات رواد الأعمال، وسط النزاع والحروب.

فقد كان لطول أمد النزاع المسلح في سوريا تبعات قاسية على كافة مجالات العمل، تجاوزت ريادة الأعمال، مما اضطر العديد من رواد الأعمال – الذين شملتهم الدراسة – لإيقاف مشاريعهم إثر الاشتباكات المسلحة والاضطرابات السياسية التي تعم البلاد، وخسارة الكثيرين منهم لبعض أحبائهم، و/أو عدم تمكنهم من التواصل مع ذويهم لفترات طويلة، مما له آثار اجتماعية ونفسية واضحة، زادت من معدلات القلق والإحباط لديهم.

كما أن سنوات الحرب مزقت رأس المال الاجتماعي، واضطرت الفعاليات الاقتصادية فى منطاق الاشتباكات لتغيير مواقفها، وأحيانًا للإغلاق النهائي، وسمحت للأطراف المسلحة بفرض قوانينها فيما يخص النشاطات الاقتصادية، وقرارات رواد الأعمال، وقولبة أعمالهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مثلًا كـ تبني مقاربات إقصائية، أو قصر النشاط على مناطق محددة، أو تفادي إنشاء شراكات مع أولئك الذين يراهم البعض داعمين للطرف الآخر.

وكنتيجة لعنف الحرب، أصبح إنشاء شركة يرتكز على الويب والتطبيقات، حيث يعاني أصحاب المشاريع من محدودية الحركة وتضاؤل الخيارات. الطرق المقطوعة والمنشآت الحيوية المدمرة شلت حركة المواصلات، مما أثر بشكل مباشر على حركة التنقلات بين المناطق، بل وجعل من الصعب جدًا تأمين أي خطة بديلة. إلا أن تلك الظروف نفسها تجعل تشجيع ريادة الأعمال أمرًا ضروريًا جدًا؛ لكونه الفرصة الوحيدة لإتاحة فرص العمل.

ريادة الأعمال في مناطق النزاع في سوريا

أول تقرير عربي يقدم نظرة حول الوضع الراهن لريادة الأعمال في ظل النزاع في سوريا

فـ تحدد الدراسة التي قام الباحق بنشرها مؤخرًا مواصفات وإشكالات ريادة الأعمال في سوريا، وتحاول وضع قائمة بالحلول الممكنة، من خلال إلقاء الضوء على التحديات التي تواجهها، بالإضافة إلى الإمكانات المفتوحة أمامها، ونقاط القوة التي تتميز بها، والمستقبل المجهول الغامض الذي بانتظارها، غير أن هناك حاجة ماسة للمزيد من البحث في هذا الموضوع.

في البداية أشار التقرير بشكل مباشر إلى أن سوريا، كانت مُصنفة سابقًا – قبل إشعال فتيل النار في 15 مارس 2011 – ضمن الدول الأكثر أمانًا، وكانت تخطو بثقة نحو تحقيق تنمية شاملة في مختلف قطاعاتها، خصوصًا ما يتعلق بريادة الأعمال، وذلك قبل أن تبدأ وقائع الحرب والدمار، وتحيل الأمور إلى الهاوية.

ويستند التقرير إلى بيانات لدراسة حول وجهات النظر والخبرات في فترة بحث دامت لمدة أثني عشر شهراً، حيث تم إجراء 268 مقابلة مع رواد أعمال سوريين، وخبراء رياديين بالإضافة إلى إجراء 18 مقابلة، كما شملت الدراسة على نقاش مفتوح، ورؤى حول الشركات الناشئة من خلال نظرات معمّقة من داخل شركات محلية ناشئة، بالإضافة إلى سلسلة من مقابلات مع أصحاب خبرة في هذا المجال.

وكانت هناك خطوات قليلة قد تم اتخاذها قبل الحرب من أجل مساعدة ودعم بيئة ريادة الأعمال في سوريا، والتي كانت تتمتع وقتها بفرص حقيقية للنمو، لكن الشركات الناشئة واجهت بعد 2011 مجموعة من التحديات حدت من تلك الفرص، وعقدت الأمور التى يواجهها رواد الأعمال العاملين على إنشاء شركاتهم.

وقد حددت الدراسة التحديات الرئيسية التي يواجهها رواد الأعمال في سوريا بـ 10 تحديات، هم: انعدام الأمن والاستقرار السياسي، وشح الدعم المالي، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، والبنية التحتية الآخذة بالانهيار، وتقييدات الدفع الإلكتروني، والأعباء الاقتصادية المتزايدة، وتناقص المهارات البشرية، وتضاؤل حجم السوق، والبنية البيروقراطية، وخلل النظام التعليمي.

ويؤكد التقرير على أنه بالرغم من المصاعب التي يكابدها السوريون داخل بلادهم، فما تزال ريادة الأعمال حية، وما يزال رواد الأعمال بسوريا يؤمنون بشدة قدراتها، حيث كافح رواد الأعمال السوريون بشكل هائل لبناء مشاريعهم بتلك الفترة العصيبة.

فيقول أحمد سفيان بيرم:- “على الرغم من هذه التحديات، تعكس البيانات التي تم جمعها كيف ألهمت الأزمة موجة من اليافعين المبدعين لاستكشاف مجالات جديدة، خالقين بذلك أفكارًا جديدة ومعتنقين نماذج جديدة للعمل. ازداد هذا التفاؤل والتأكيد على الابتكار وريادة الأعمال بشكل ملحوظ من عام 2014 إلى 2015.”

وتابع حديثه قائلًا:- “فقد طرأ تعافِ بسيط بعد عام 2013 على مستوى دعم الأفكار الجديدة، وقد قاد هذا التعافي حالة التفاؤل والإصرار على الابتكار تزايدت بين عامي 2014 و2015 بنسبة 17.6%، بينما قفزت النسبة إلى 31.2% في 2015”.

لخّص هذا التقرير أيضًا ما وجده الباحث عن الوضع العام لريادة الأعمال في سوريا، محددًا بذلك خصائصها ومشاكلها ومقدمًا مجموعةً من الحلول المقترحة، فضلًا عن تقديم نظرة أعمق عن الدوافع الكامنة وراء انضمام المزيد من رياديات الأعمال إلى السوق.

أضاف أحمد سفيان بيرم:- “الرسالة الأساسية لهذه الدراسة هي أن على واضعي السياسات ومجتمعات الشركات الناشئة البدء بالتفكير في مساعدة رواد الأعمال في مساعيهم لخلق أعمال تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة. مع دعم ملائم وسياسات عادلة ومتاحة للجميع يمكن لرواد الأعمال تحقيق منافع وأرباح اجتماعية واقتصادية كبيرة وهامة”.

وتفيد نتائج الدراسة الموضحة بالتقرير باستحواذ العاصمة السورية دمشق على نسبة 72.9% من المشاريع والشركات الناشئة بسوريا، هي بذلك النسبة الأكبر بين المناطق التي شملتها الدراسة، تلتها كلًا من حمص وحماة بـ 5.9% لكلًا منهما، ثم طرطوس وحلب بـ 4.7%.

تتوزع تلك المشاريع والشركات الناشئة بحسب المرحلة التأسيسية ما بين 73% في طور مرحلة الفكرة، و16% بمرحلة الاستثمار الأولى، و9% بمرحلة البدء، و2% بمرحلة النمو، يقوم عليها رواد أعمال من الرجال بنسبة 77.6%، وباقي النسبة لرائدات أعمال من النساء. وكانت للمشاريع الاجتماعية غير الهادفة للربح والمشاريع التقنية الغلبة بـ 22% لكُل حقل منهُما، ثم تلتها المشاريع التعليمية بـ 21%.

وتؤكد الدراسة على صعوبة تحديد عدد رائدات الأعمال السوريات. غير أن معدل المشاركة في النشاط الريادي السوري يبين هيمنة الرجال على مجال ريادة الأعمال بنسبة 77.6%، بينما تشكل المشاركة النسائية 22.4% من معدل المشاركة.

وتتضمن الدراسة مخطط لعدد منظمات ومجتمعات دعم رواد الأعمال خلال الفترة من عام 2000 إلى 2016، وذلك دون أخذ مؤسسات التمويل الجزئي بالحسبان. حيث نجد أن الدعم الرئيسي للشركات والمشاريع الناشئة ورواد الأعمال المحليين يأتي من منظمات مجتمعية، يليها القطاع الخاص، ثم القطاع العام.

وقد وضح الباحث أنه منذ عام 2013 زاد عدد نشاطات المجتمع الريادي لدعم رواد الأعمال السوريين، وتتركز أغلبها بدمشق، مع بعض المبادرات التي تم إطلاقها عبر الإنترنت للوصول لجمهور خارج سوريا، كما أن هناك أكثر من 30 فعالية اجتماعية ومنظمة حالية تعمل بمجال تمكين رواد الأعمال بسوريا.

كما أن معظم هذه المنظمات والمجتمعات – والتي أمكن تحديدها بالدراسة – أُنشئت بعد عام 2013، ونجد أن 66% من المنظمات العاملة تركز على مرحلة الفكرة والتشارك الأولى للمعلومات، و25% تركز على مرحلة الانطلاق، وفقط 9% تدعم المشاريع الناشئة في مرحلة النمو، في حين أن 86% من تلك المنظمات تستهدف المشاريع الناشئة السورية بالداخل، خصوصًا المتواجدة بدمشق، بينما 14% فقط للمشاريع خارج سوريا.

هذا وتوضح المخططات التالية كلًا من التوزيع الجغرافي للشركات الناشئة للعينة التي تم العمل معها أثناء جمع بيانات الدراسة، ومراحل العمل بها، والتقدم الذي وصلت إليه الشركات الناشئة في كل مجال، وكذلك الحقول الاقتصادية التي اختارتها هذه الشركات للعمل، وجنس رواد الأعمال المؤسسين، وعدد منظمات ومجتمعات دعم ريادة الأعمال في الفترة بين 2000 و2016، وأهمية الابتكار وريادة الأعمال في سوريا، ومقارنة بين أهم التحديات التي تواجه الشركات الناشئة بين عامي 2014 و2015 (النسب لعينة إحصائية قامت باستبيانها الدراسة):-

خريطة توزيع الشركات الناشئة

توزيع المشاريع حسب المرحلة

توزيع المشاريع حسب الحقل

توزيع المشاريع حسب الجنس

عدد منظمات ومجتمعات دعم رواد الأعمال

أهمية الابتكار وريادة الأعمال في سوريا

مقارنة بين أهم التحديات التي تواجه الشركات الناشئة

وقد خرجت الدراسة بعدة توصيات كان أبرزها ضرورة قيام صانعي السياسات بإصدار قوانين جديدة تدعم تأسيس شركات ناشئة جديدة، ومشاريع صغيرة ومتوسطة، والحد من الإجراءات والتكاليف اللازمة لتأسيس الشركات، مع ضرورة تبني مقاربة تضمينية وتشاركية، خصوصًا تجاه المجموعات المهمشة؛ لتضمينها بشكل صريح في النظام الاقتصادي، وضرورة إنشاء منصة توعية بالمهارات التقنية والشخصية لريادة الأعمال، وتشجع التطور الفردي، على أن تكون متاحة للجميع.

علاوة على ذلك، يقدّم التقرير بدائل وحلولاً يمكن الأخذ بها لتجاوز العوائق المتشكّلة نتيجة تطاول أمد النزاع، كما يوصي بأن يساهم اللاعبون المتعدّدون داخل وخارج البلاد في تحسين موقع رواد الأعمال، فلكل طرف دوره في هذه الظروف…

5

شاركنا رأيك حول "مع قرب دخول الحرب السورية عامها السابع… نظرة علي واقع ريادة الأعمال هناك"