رواية اعترافات إنسان تثور على العادات والتقاليد وتثير الجدل!

كتاب مفتوح
3

ظهرت رواية اعترافات إنسان في المجتمع الليبي الذي سادت فيه العادات والتقاليد التي تُقيِّدُ المرأة وتحدّ من حريّتها وتمنعها من ممارسة العمل أو الخروج إلى الشارع، وزادوا على ذلك أن جعلوا تلك العادات من الدين في شيء حتى لا يجرؤ أحد أن يعارضهم أو يخالف آراءهم.

حاول الكاتب والصحفي محمد فريد سيالة في عام 1961 أن يقتحم غور هذه العادات الزائفة، وأن يهاجم ذلك الجمع الغفير من المتشددين مستخدمًا قلمه العاري، ناسِجًا من شخصيات روايته أفكارًا وبراهين تدعم حجّته وتقصي قناعاتهم المتطرفة.

” – أن تجعلوا الحب، قبل الزواج، طريقًا إلى روابطكم الزوجية.

– وإذا كنّا لا نستطيع ذلك؟

– لماذا؟ هل دينكم لا يقرّ الحبّ بين الناس؟ ألم تقل إنه دين حبّ وتسامح؟

– لم تكن القضية قضية دين، إنما هي قضية عادات، يحافظ عليها الناس أكثر من محافظتهم على دينهم”.

عن الكاتب

ولد مؤلف الرواية محمد فريد سيالة في 1927 حيث نشأ على القراءة والمطالعة وتحصيل العلوم بالاعتماد على نفسه، فلم يكن في ليبيا جامعات أو مدارس ثانوية في هذا الوقت، أجاد الإيطالية وشرع في تحرير قاموس عربي إيطالي في نهاية حياته، وكتب بها مقالات كثيرة نشرتها صحف إيطالية، كان رائدًا في مجال الصحافة والأدب وأسس أول نقابة للمعلمين، وعمل رئيسًا لعدة مجلات وصحف منها “صوت المربِّي”، “اللواء” و”الطليعة”.

صدر له رواية “اعترافات إنسان”وكتاب”نحو غدٍ مشرق” الذي أثار ضجة في الشأن العام الليبي لفكرته الواضحة وهي “تحرير المرأة الليبية”، بالإضافة إلى رواية “الحياة صراع” وعدة قصص قصيرة.

يحكي صديقة د. أحمد إبراهيم الفقيه:

إنه في ذات يوم في أثناء عمله مديرًا لتحرير صحيفة “الطليعة”، كان يستبقيني أحيانًا ليأخذني معه في سيارته بعد الفراغ من عمله، لحضور ندوة أو المشاركة في مأدبة، وفي ذاك اليوم وجدته يأخذني إلى سوق شعبي هو سوق الثلاثاء ثم يأتي إلى ركن في السوق، عبارة عن حانوت صغير من الصفيح، يباع فيه الخضار والفاكهة، ويخلع سترته الأنيقة، ويرتدي عفريتة زرقاء فوق بقية ملابسه، وينخرط، مع عاملٍ هناك، في إنزال البضائع من عربة يجرّها صاحبها، وعرفت إنه شريك في ملكية ذلك الحانوت، وأنه يذهب في أوقات فراغه للمناوبة مع شريكه، من أجل تحسين دخله ورفع المستوي المعيشي لأسرته.

“تعوَّدت قضاء شهر من كلّ سنة، أنتقل خلاله من زهرة إلى زهرة، وكأنني فراشة تمتصّ الرحيق، وتتغذّي برضاب الزهور، فأشعر، آنذاك، بأنني حرّ غير مراقَب من أحد، ولا محجوز على حرِّيَّتي: لا يحاسبني أحد عمّا أفعل سوي ضميري، ولا يتتبعني أحد من المتطفِّلين الذين لا همّ لهم إلا المراقبة والمتابعة لمعرفة: فلان أين قضى سهرته، وعلّان أين ذهب بسيارته، ومن هي التي كانت تجلس إلى جواره”

رواية اعترافات انسان للكاتب محمد فريد سيالة

الحسّ البلاغي في الرواية

كان الحسّ البلاغي في الرواية مطردًا، بحيث كانت بدايتها بسيطة، ألفاظًا معتادة وأحيانًا رتيبة، لفظة بلاغية هنا أو محسن بديعي هناك، وكانت في العموم تتسم بالرتابة والخمول. لكن مع التقدم في القراءة، وجدتُ أن الألفاظ بدت أكثر جزلًا والكلمات صارت أكثر رونقًا ولمعانًا، فأظهر الكاتِبُ بلاغته وكشف عن فصاحته مع حسن الحديث والسرد.لا أعرف هل قصد أن يكون الأسلوب مطردًا على هذا النحو أم لا لكنني استمتعتُ بذلك.

كان استخدامه للغة الليبية الدارجة استخدامًا مثاليًا في الكثير من المواضِع، حيث ابتعد به عن الروتينية التي تطرأ أحيانًا على اللغة الفصحى، وأنعشَ به أحداث القصة بين الحين والآخر.

“إنني أبحث عن زوجة ذات عقل متحرِّر وإرادة منطلقة، تساعدني على تحقيق آرائي وأفكاري. وتقتنع بصوابها، بعد تفكير وتروٍّ، ولا تُسلِّم بها لعدم استطاعتها مناقشتها أو دحضها. أبحث عن زوجة إنسانة، ولا أبحث عن مجرَّد أنثي تطبخ طعامي وتنظّف منزلي، وتدفّئ فرشي، ثم تنتظر أوامري في استسلامِ الضعفاء”.

الحسّ الأدبي

أما عن الحسّ الأدبي في الرواية فقد كان الكاتب يألف إلى الإطناب كثيرًا دون سبب ملحٍّ أو لازم، مما جعل السرد في بعض المواضع رتيبًا مملًا… ولكنني أفكر أن هذه هي الرواية الليبية الأولى، فلم يعتَد الليبيون على فنّ الرواية، قبل محمد فريد سيالة، وأقول بأنه قد صَنع حُسنًا بتأليفه هذه الرواية حتى ولو كان فيها بعض الأخطاء البلاغية والأدبية التي يمكن أن نتغافل عنها في سبيل رسالتها السامية.

“لكأنهم مكلَّفون بتقديم تقارير عن تحرُّكات زيد، وتصرُّفات عمرو، أو لكأنهم من أفراد بوليس الآداب الذين لا يهتمون بك إلّا إذا كانت بجوارك امرأة، ولو كانت زوجتك أو أختك”.

المعاني التي جسّدتها الرواية

من أفضل المعاني التي جسّدها الكاتب في شخصيات الرواية هي حالة “التعلق” التي تلازم الشخص حينما يريد أن يحظى بشيء ما حتى لو تطلب الأمر أن يدفع حياته وحياة الخلق فداءً وثمنًا للظفر بهذا الشيء.

“وهنا آمنتُ أن سعادة الإنسان تكمن في الفترة التي يجري فيها وراء الحصول على شيء، فإذا حصل على ذلك الشيء زهدت فيه نفسه وقلَّت قيمته في نظره؛ فكم جريتُ وراء هذه الاعترافات! وكم شقيت! وكم تعبت! وكم سهرت! وكم رسمت من خطط، لمجرّد أن أطلع عليها! والآن، ها هي ذي بين يديّ. تحت تصرفي، فما يمنعني من قراءتها”.

“لكن، تلك طبيعة الإنسان، يجري ويتعب ويشقى، للوصول إلى غاية ما، فإذا وصل إليها… إذا نال بغيته تبخَّرت لذّة الانتصار”.

جسدت الرواية كذلك عاطفة الحب النقي الذي قد نطلق عليه الحب العذري، حيث برع الكاتب في صياغة الحوار بأسلوب مفعم بالحيوية والنشاط.

الرسالة التي توجّهها الرواية

كم تفاجئت حينما عرفت أن التقاليد الليبية في هذا الوقت لم تكن تسمح للمرأة بالخروج من بيتها أو برؤية الشارع حتى إنهم لا يسمحون لمن جاء لخطبتها بأن يراها أو يتعرّف عليها.

ورحتُ أتخيّل حال (سليم) وهو يحكي كيف “خطبها” وهو لم يعرفها شكلًا ولا مضمونًا. فلم يجلس معها ولم يرها وإنما اختارها بناءً على آراء من يعرفونها من النساء، وهي الآراء التي كانت متضاربة متباينة كذلك مما زاد الأمر سوءًا.

فيقول (سليم) إنه كان يمر على بيتِها، طوال فترة الخطوبة وحتى الزواج، بحاجة أو دون حاجة لعله يراها تطلُّ من الشباك أو تظهر من وراء النافذة، ولكنه – يقول – حتى لا يعرف شكلها، ولربما رأى أختها وظنّ أنها خطيبته.

“تزوَّجت كما تزوَّج غالبية، بل كلّ رجال وشباب هذا المجتمع وشبابه، زواجًا، هو أقرب إلى عملية (سعدك بختك) … زواج يانصيب، لا أكثر من هذا ولا أقلّ… أنا تزوَّجت مثل هذا الزواج المضحك المبكي بعد أن كنتُ، قبل زواجي، أضحك عليهم جميعًا، وبعد أن كنت أريد أن يكون زواجي مثاليًا، نموذجيًا، يمكن لكلّ إنسان أن يقتدي به، وأن يسير على هداه”.

لقد صبّ الكاتب جُلّ تركيزه حول التسخيف من شأن العادات وإظهارها في ثوب تافه خسيس لا يمتّ إلى الدين أو الإنسانية بصلة، واستخدم في هذا الأمر طريق الحُجّة والبرهان ولم يقتصر على طريق القلب والعاطفة فأحسنَ صُنعا.

إن سعي الكاتب الدؤوب نحو القضاء على هذه العادات التي زعموا أنها أصيلة في الإسلام، هو ما زادَه احترمًا وإجلالًا في نظري وفي نظر كل من تعرّض لروايته بالقراءة.

إذا كنتَ قد قرات الرواية فشارك معنا رأيك…

3

شاركنا رأيك حول "رواية اعترافات إنسان تثور على العادات والتقاليد وتثير الجدل!"