كتيبة سوداء، رواية تحكي لنا الحاضر بمرآة التاريخ

مراجعة رواية كتيبة سوداء للكاتب المنسي قنديل
3

“لقد فقدنا الدهشة منذ زمن وبات كل شيء قابلاً للتصديق”

مقولة محببة لي جدًا للدكتور “أحمد خالد توفيق“، كلما رأيت حدثًا عجيبًا في هذا العالم أو هممت بالشعور بالمفاجأة من أمر جلل رأيته مما يدور حولنا من أحداث وأفعال تجعل الحليم حيرانًا، من تصريحات لمسؤولين يُخيل إلىّ أحيانًا أنهم قادمون من المريخ، أو عندما تنصبغ وسائل الإعلام كلها بألوان متعددة لخبر واحد وتبدأ بتشريحه وتحليله كأنه الفريد من نوعه، وينسون الجثث التي تتحلل وترقد في المشرحة دون هوية لأنها لا تهمهم. ما يهمهم هو الخبر نفسه حينها أتذكر هذه المقولة وأهدئ من روعي وأقول لنفسي. بات كل شيء قابلًا للتصديق فلا داعي للعجب.

لكن رغم كل ذلك مازالت تستطيع بعض الأشياء أن تهزني من العمق، وتجعلني أقف وأتساءل طويلًا عن ماهية تلك الحياة التي نحياها، وعن هذا الإنسان الذي يبدو في لحظات كثيرة قادرًا على فعل أشنع الأمور وأكثرها فداحة، وكل هذا لأجل لا شيء… فعليًا لا شيء، وما يدهشني أكثر هو كيف يعيد التاريخ نفسه ويكرر مشاهده كأنها مسرحية أبدية لا تنتهي تتكرر فصولها بممثلين مختلفين، وحوارات متشابهة، وجمهور مذهول لا يكون متفرجًا فحسب في هذه المسرحية، بل يكون هو الديكور التي يستخدمها الممثلون لإكمال مسرحيتهم.

عن الرواية و الكتيبة السوداء

محمد المنسي قنديل يواجهنا بتاريخ أسود في القرن التاسع عشر، لا يختلف كثيرًا عن القرن الواحد والعشرين، يحكيه لنا من خلال كتيبة سوداء يحكي لنا حكايتها، تلك الكتيبة التي جُمعت من القارة السوداء من بقاع شتى، وكل واحد منهم يحمل وطنه في صدره وألمه على ظهره يثقله أينما ذهب، ينتقلون بين السخرة التي يذهبون إليها مجبرين غير مخيرين في عصر الخديوي وقبله إبراهيم باشا، أو العبودية التي يجدون أنفسهم فجأة عبارة عن ثمنٍ لصفقة يقوم بها رئيس القبيلة مقابل بعض السلاح، يباعون لتاجر عبيد سوداني أمام عيون أهلهم وأولادهم ويتحولون إلى مجرد جنود في جيش الجهادية التابع للخديوي في مصر يقاتل في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل.

و يغوص المنسي بطريقة أدبية مبدعة في نفوس أمراء نمساويين تدفعهم رغبتهم العميقة والطمع البشري إلى الموافقة على تولي عرش المكسيك. العالم الجديد الذي يقنعون أنفسهم أنهم ذاهبون لتخليصه من تخلفه، والمتمردين الذي يعيثون فيه فسادًا، ولكن تتبدى لهم الحقيقة متأخرين، حقيقة يدفعون ثمنها حياتهم وحياة الكثيرين من الجنود الذين يدخلون هذه الحرب ولاناقة لهم فيها ولا جمل، الحقيقة التي هي أن فرنسا استخدمت طموح هذين الأميرين لأجل تحقيق طموحاتها الخاصة، وفي النهاية أطاحت بهم جانبًا واستغنت عنهم عندما اكتفت من مكاسبها وخسائرها في القارة الجديدة، والحقيقة الأخرى أن كل ما كان يهم الإمبراطور الجديد وزوجته هو تحقيق مجدهم الخاص حين عجزوا عن تحقيقه في أوروبا، كل واحد منهم بطريقته الخاصة والتي يفشلون في النهاية بتحقيقها.

تقاتل الكتيبة السوداء في بلد لا تعرف لغتها ولم تسمع بها من قبل، ولا تعرف شيئًا عن أهلها أو عاداتهم أو طبيعة أرضهم، ويجدون أنفسهم مجبرين على اتباع أوامر رؤسائهم الذين يفترضون أنهم يعرفون، ولكن هؤلاء لا يفعلون شيئًا سوى زجهم في حرب لا علاقة لهم بها، ولا يملكون إلاّ أن يقتلوا كي يظلوا على قيد الحياة دون أن تحصدهم سيوف الموت من حيث لا يعلمون.

و بين كل تلك الأنهار التي تجري من الدماء يجد الحب منفذًا يتسلل إلى قلوب أولئك المحاربين الذين لم يعرفوا في حياتهم سوى الموت والخراب، ويصبح هو الشيء الوحيد الذي يستحق القتال من أجله والموت في سبيله أو البقاء في ظله…

حين يكتب التاريخ بمرآة الحاضر.

هل يشبه هذا ما يحدث في القرن الواحد والعشرين! دول كبرى تستخدم دولًا أصغر منها وتعدها بالكثير من المكاسب المستقبلية، ثم فجأة تكتشف خطأها و(تضيع الطاسة) كما نقول عندنا وتصبح الأمور فوضوية يضيع فيها الصالح بالطالح ولا خاسر فيها إلا أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة، من يُستخدمون في تحقيق أهداف هؤلاء ومطامعهم.

رواية من الطراز الرفيع من الناحية أدبياً.

لن أتحدث عن أسلوب الكاتب الأدبي؛ لأنّ الرواية لم تكن لتخرج لنا بكل روعتها وتشابك شخصياتها وأحداثها لولا أسلوبه السردي المميز، الذي لا يجعل القارئ يمل لحظة واحدة ولا يترك له فرصة ليلتقط أنفاسه، فما من كلمة زائدة أو لا معنى لها، كل شيء موضوع في مكانه كأنه حبات عقد من لؤلؤ صنع بيد صائغ ماهر ومتقن لعمله.

كل شخصيات الرواية كان لها دور كبير في إنجاحها ابتداء من تاجر العبيد “ود الزبير” إلى وجود نابليون الثالث في الرواية، مرورًا بأبطال الرواية الحقيقيين أفراد الكتيبة السوداء وقائدهم والمترجم، واختياره للأسماء كان إبداعًا إضافيًا في الرواية يستحق جائزة عليه، إضافة إلى حديثه الفريد عن البلاط الإمبراطوري، وحال الدول الأوروبية في ذلك العصر، وعرض حياتهم والغوص في نفوسهم بطريقة غير معتادة لا تركز على المظاهر المترفة لهم، بل على حالتهم النفسية التي يعيشونها والتي تثير الشفقة عليهم كما تشفق على الكتيبة السوداء.

كتيبة سوداء لمحمد المنسي قنديل رواية من منشورات دار الشروق في مصر عام 2015 لا تفوتوا متعة قراءتها، والذهاب برحلة إلى القرن التاسع عشر لتروا فيها الحاضر الذي يكرره التاريخ أمامنا كل زمن.

3

شاركنا رأيك حول "كتيبة سوداء، رواية تحكي لنا الحاضر بمرآة التاريخ"

أضف تعليقًا