القواعد الذهبية لتفاوض ناجح حول الوظيفة الجديدة

التفاوض حول الوظيفة
2

أن تحصل على فرصة للعمل هو بحد ذاته حلم يتحقق بالنسبة للكثيرين، لذا فالاقتناع بوجود إمكانية التفاوض للحصول على ظروف عمل أكثر راحة أو أجرة مرضية قد يبدو مهمة مستحيلة، وثقة بالنفس أكثر من اللزوم، وقد يخلق أيضاً نوع من الخوف من فقدان الوظيفة ككل!، ولكن في عالم المال والأعمال التفاوض فن حقيقي لا يتقنه أي كان، على الشخص أن يكون فعلاً واثقاً من قدراته المهنية، يملك رؤية واضحة وطموح وراء المعتاد، أمّا إذا كان سد الاحتياجات الأساسية كالمعيشة فقط هو الهدف الأول والأخير من القبول بأي عرض عمل، فإنّ هذا المقال بالتأكيد لن يقدم الشيء الكثير لهؤلاء.

واقع النظام الاقتصادي يفرض على مرشحي الوظائف تعلم وإتقان مهارات إقناع صحيحة الهدف الأول والأخير منها تحصيل عمل بشروط وظروف مرضية ومشجعة، هناك العديد من المدربين المختصين والخبراء في مجال تعليم فن وطرق التفاوض في مُقابلة عمل، وطبعاً الكثير من النصائح والنظريات لتحقيق النجاح في هذه الوضعية، ولكن ما سيأتي من معلومات في هذا المقال” هو تطبيقات عملية صرفة بعيداً عن كل ما قيل أو كُتب في هذا الموضوع.

ماذا يعني لك أن تحصل على وظيفة؟

ما يراه الباحث عن وظيفة هو محاولاته المستميتة لدخول سوق العمل، واضعاً نصب عينيه فكرة أن الوظائف هي موارد متواجدة في العالم الخارجي، وهو ببساطة يحاول تأمين إحداها، مما يضعه في دائرة تفكير محدود حيث يعتقد دائماً أنّ أي شركة إذا ما منحته عملاً فهذا سوف يكون امتيازاً بحد ذاته، كأنّ ذلك الموظِّف هو حارس مغارة فرص العمل، عقلية كهذه طبعاً لن تمكّن صاحبها من التفكير حتى بمفهوم التفاوض، وهي للأسف حالة نسبة كبيرة جداً من الباحثين عن فرص؛ أية فرص للشغل مهما كانت، وهو شيء مفهوم إلى حد ما لأنّ هناك عوامل اقتصادية ضاغطة تفوق قدرة الفرد وتحرمه حق الاختيار، وهذا موضوع شائك آخر…! .

ولكن كما قلت سابقاً، على من يسعى للحصول على وظيفة في ظل نظام اقتصادي شرس أن يكون شرساً بقدر شراسة النظام وإلاّ كان لقمة سائغة عند المؤسسات ومجرد موظف آخر يحرك عجلة الثروات لدى هؤلاء، من أجل هذا، على العقلية التي ترسخ لهكذا ضعف وخوف من أن تتغير، فالحقيقة التي تصعب رؤيتها تحت عوامل الضغط والرغبة الملحة في الحصول على أي عمل والسلام…؛ هي أنّ أي مرشح لعمل ما هو يقوم بعرض لعمالته والشركة الموظِّفة عليها أن تقدم له سعراً يوافق خدماته، فعوض أن يتصور أن الوظيفة المعروضة هي شرف وميزة منحه إياه المشغل، عليه أن يبدأ بتصورها كصفقة بينه وبين الشركة لتبادل العمالة والجهد مُقابل المال وميزات أخرى ذات قيمة كتأمين صحي جيد، بيئة عمل مُحفزة ومريحة وما إلى ذلك…، وهنا فقط يستطيع طالب العمل هذا أن يأخذ بعين الاعتبار مبادئ وأساسيات فن التفاوض في مُقابلة عمل.

لماذا عليك أن تتفاوض؟

قد يبدو الأمر طبعاً صعباً جداً ولا داعي له لأنّ الأغلبية سيظنون أن هذا سيؤثر بطريقة سلبية على ملفهم الشخصي وصورتهم أمام المشغّل، فلا أحد يريد أن يبدو منذ اليوم الأول في صورة الطماع أو يرفع سقف توقعاته فينتهي به الأمر بلا هذا أو ذاك! طبعاً على المرء أن يكون واقعياً هنا ولكن عليه أن يفهم هذا المبدأ بوجهه الإيجابي أكثر من السلبي؛ أن تكون واقعياً أيضاً هي أن تكون واعياً بقدراتك مهما كنت تظن أنك قد لا تساوي الشيء الكثير، وأنّ هناك العديد مثلك أو أحسن منك، عرض العمل بحد ذاته يعني شيئاً واحداً مؤكد وهو أن تملك مهارات ذات قيمة بالنسبة للمشغّل وعليك أن تستفيد منه بقدر ما سيستفيده هو منك، لذا كف عن وضع العذر تلو الآخر أمام طريق نجاحك، فحتى لو كانت الشركة صغيرة أو مبتدئة، خذها قاعدة في حياتك ككل؛ لا تبع نفسك بثمن بخس، تفاوض، تفاوض، تفاوض.

ولكن قبل ذلك، احذر هاتين:

أولاً: لا يجب تعميم مبادئ التفاوض؛ لأنها ترتبط على نحو عميق مع الديناميات الاجتماعية، الثقافية والسياسية التي غالباً ما تكون حاضرة أيضاً على طاولة التفاوض، فالنصيحة التي قد تنفع شخصاً في أمريكا قد لا تنفع شخصاً بنفس المؤهلات في الشرق الأوسط مثلاً، ورغم أنه لا يجب تضخيم هذه العوامل إلاّ أنّه من الأجدى أخذها بعين الاعتبار.

ثانياً: لا تتفاوض فقط من أجل أن تبدو بمظهر القوي الواثق، أو خوفا من التعرض للاستغلال أو التمييز فذلك سيدمر كل فرص، تفاوض بقوة ومن شعور نابع باعتقادك بقيمة ما تملك من مهارات، وقدرتك أنت على خلق الفرص، لأن الوظائف ليست منح يجود عليك بها المشغّل، وبالتالي يتوجب عليك أن تكون ممتناً فلا تطلب شيئاً في المقابل!.

القواعد العشر” في التفاوض

القاعدة #1: دوّن معلوماتك

قبل أن تتحمس كثيراً عندما تتلقى الموافقة بعد مقابلة العمل الأولية، استجمع أفكارك وكن منظماً في طريقة تعاملك مع الموقف، أول خطوة نحو ذلك هو أن تدوّن كل صغيرة وكبيرة في دفتر ملاحظاتك، ولا يهم إن كنت ستتلقى كل المعلومات التي تحتاج أن تعرفها في صيغة مكتوبة فيما بعد، ولا تتردد إن كانت هناك إمكانية لمعرفة رأيهم حول أدائك خلال المقابلة، فذلك سيمكنك من معرفة مدى تشبثهم بتشغيلك والتعرف عل نقاط قوتك لتعززها، وضعفك حتى تحسّنها، لا تستهن بقدرة الكتابة على تنظيم أفكارك وتوضيح خطوتك القادمة، فكل معلومة مهما بدت بسيطة وغير مهمة مثل: عدد الموظفين، الرؤية المستقبلية للشركة أو تطلعاتها حول الخدمات التي تتوقعها منك…، كلها تفاصيل في غاية الدقة تستطيع أن تستجمعها فتخدمك بشكل لا تتصوره حين تكون بصدد التفاوض.

القاعدة #2: ابق باب المفاوضات مفتوحاً

من الاستراتيجيات التي يعمد إليها غالبا المشغلون هي حث المرشح خلال المحاورة على القيام بقرار الموافقة النهائي على شروطهم من خلال تكرار السؤال، “إذن ماذا تعتقد؟” وهنا لا يجب عليك الإذعان بسرعة وسهولة، واصل جر أطراف الحديث حتى يتسنى لك الخروج بقرار أو الالتزام بشرط أنت مقتنع تماماً بأصحيته.

القاعدة #3: لا تُظهر أوراقك كلها

المُحاور في مقابلة العمل دائماً ما سيريد أيضاً أن يحثك وبشدة على إلقاء توقعاتك بشأن المرتب مثلاً! وهذا ما يجعل الأغلبية تقع في الفخ وتكون بذلك نهاية مفاوضة عمل فاشلة أولم تبدأ بعد، ما سترغب حقاً في فعله إذا أردت أن تكون متمرساً في هذا الفن التواصلي؛ هو أن تحافظ على سرية بعض المعلومات التي تخصك ما أمكن لأنّه دائماً ما سيكون هناك نوع من التعتيم من طرف الشركة على نواياها بخصوص منصبك مثلاً، أو حقيقة تجاربها مع موظفين آخرين، فتفاصيل مثل ماذا كانت قيمة أجرتك السابقة وماهي توقعاتك حالياً، أو ما نوع الامتيازات التي تريد أن تحظى بها في نطاق وظيفتك؟ إلى غير ذلك من معلومات من مصلحة المترشح عدم تقديمها على طبق من فضة بسهولة؛ لأنها بكل بساطة سوف تحدد أي نوع من الموظفين أنت وستقفل في وجهك أي فرصة ليمنحك المشغّل أكثر مما كنت تتوقعه، الأفضل أن تحدد مجال دخلك السنوي السابق ما بين مبلغين مثلاً متحاشياً الإفصاح عن القيمة الحقيقية بالتحديد، وابق المجال دائماً مفتوحاً لهم للمزايدة أكثر على خدماتك، فمن يدري فقد تحصل على ما يفوق تطلعاتك فأنت بالنهاية تعرض خدماتك وتنتظر التقدير المناسب فحسب.

القاعدة #4: حافظ على روح إيجابية

إذا لم تكن متحمساً كفاية من أجل العمل في مكان ما فلا داعي للوصول إلى مرحلة التفاوض منذ البداية؛ لأن مستوى حماسك وإعجابك سيحددان مدى ثقتك بنفسك خلال المقابلة، وهذه هي القيمة الغالية التي يسعى إليها المشغّل في موظفيه وتجعله يقوم بأي شيء ليستثمر في خدماته، لهذا احرص على إبداء حماسك للعمل وتطلعك لمهامك الجديدة حتى لو بدت لك العوامل الأخرى غير مناسبة، رابطاً ذلك بقيم مهنية جيدة مثل: العمل في إطار فريق فعّال، بيئة العمل المحفزة على التطور والإبداع.

القاعدة #5: لا تكن صاحب القرار النهائي

حين توضع في موقف حيث يُطلب منك القيام بالقرار النهائي بالموافقة على تفاصيل معينة في العرض، لا تجعل الأمر يقع على عاتقك وحدك، بل اطلب مهلة لاستشارة أصدقائك وأفراد أسرتك وإشراكهم في القرار النهائي الذي سوف تتخذه، هذه إحدى الاستراتيجيات الذكية المستخدمة في خدمة العملاء، حيث يُرجع القرار دائماً لشخص ما في الإدارة لا يعرفه الزبون، مما يمنح الشركة وقتاً وسلطة أكثر في مُعالجة المشكل، يمكنك أن تستفيد من هذه الحيلة مؤقتاً لصالحك حتى تتجنب ورقة الضغط التي قد تلعبها الشركة عليك لاتخاذ قرار نهائي بأقصى سرعة.

القاعدة #6: لا تكتف بعرض عمل واحد وابحث عن بدائل

حتى يتسنى للمترشح لوظيفة أن يطبق قواعد التفاوض بنجاح من الضروري  أن يحرص على الحصول على أكثر من عرض عمل ليتسنى له فرصة التفاوض بثقة تامة دون تنازلات، خاصة إذا كان العرض من شركة مُنافسة؛ لأنّه سيعطيك مصداقية أكثر وسيدفع المشغّل إلى بذل الجهد لإرضائك، ولكن ليس هذا كل شيء نعنيه حين نقول بدائل! يجب أن تكون لك رؤية واضحة حتى في حال لم تتمكن من الحصول على عُروض أخرى، فماذا إذا لم يتم اختيارك للمنصب المنشود، ماهي خياراتك الأخرى؟ هذا ما قد تود الشركة معرفته منك، فليس على ذلك أن يبدو وكأنه نهاية كل أحلامك، بل على العكس، مخططاتك واحتمالاتك يجب أن تكون متنوعة ومنفتحة، فربما ستود أن تبقى في عملك الحالي، أن تترشح للمزيد من الوظائف حتى تجد ضالتك أو تقدم لدورة تكوينية لطالما فكرت فيها، جوابك يحدد مستوى مزايدة المشغّل على موظف واثق مثلك.

القاعدة #7: اعط سبباً لكل شيء

لن تكون طماعاً إذا رغبت في الحصول على مرتب أكثر مما عُرض عليك، احرص فقط على أن تعلل جوابك وتُمنطق رغباتك، فأنت بالأول والأخير لست إنسانا آلياً بل فرد داخل مجتمع له التزامات معينة: كرعاية صحية لمقرب، تسديد ديون أو مساعدة أقارب…، هذه الحجج لن تضعف من صورتك وإنما ستبرر بشكل منطقي وإنساني رغبتك في الحصول على امتيازات مادية أكبر.

القاعدة #8: لا تجعل المال هدفك الأول والأخير

من الطبيعي جداً أن يكون المال هو المحفز الأول لأي مترشح لوظيفة، ولكن الشركات دائماً ما تسعى لأكثر من هذا المستوى؛ السعي للحصول على فرصة تدريب جيد، تعلم مهارات جديدة من زملاء العمل، إمكانية الإبداع الخلاق في مشروع ناشئ…، كلها عوامل من المهم جداً أن تكون ضمن لائحة المحفزات الأساسية للانضمام لمجال عمل معين، وليس المردود المادي فقط.

القاعدة #9: افهم القيم التي تقوم عليها الشركة

مظهر آخر من مظاهر المفاوضة الناجحة هو الإدراك الجيد لطبيعة الطرف الآخر، غالباً ما تستصعب الشركات طلب مرتب أكثر ما اعتادت دفعه لموظفين في نفس المنصب تجنباً للإحراج أو المُحاسبة، ولكن هذه ليست الطريقة الوحيدة فقط لطلب المزيد من المال، يمكن ذلك عن طريق طلب علاوة عند التعاقد أو عمولات تشجيعية سنوية أو عند القيام بمجهود إضافي.

القاعدة #10: لا تكن مستحيل الإرضاء

القاعدة الأخيرة هي أن لا تبالغ في التطبيق الحرفي للقواعد السابقة، كن مرِناً ومتزِناً في الأخذ بها حسب الظرفية المُتاحة والموقف، حافظ على هامش الوضوح في اختياراتك وتفضيلاتك؛ حتى لا تُضيع وقتك ووقت مُحاورك.

التفاوض مهارة اجتماعية ضرورية في مضمار الحياة، وليست حكراً على مجال الوظائف فقط، إتقانها يعد بلا شك إضافة قيمة في رصيد الأفراد الفاعلين في مجتمع والمساهمين في اقتصاده وتطوره، للأسف هذه التقنية شبه غائبة في ثقافتنا العامة حيث نحسبها امتياز تحتكره نُخبة دون أخرى، بينما هي حق من حقوق أي مُستخدم لقاء تعبه ومجهوداته.

2

شاركنا رأيك حول "القواعد الذهبية لتفاوض ناجح حول الوظيفة الجديدة"

أضف تعليقًا