دروس إدارية يجب تَعَلُّمها من أزمة Careem مع م. وائل الفخراني

ازمة وائل الفخراني وشركة كريم ... ما الدروس الإدارية المستفادة منها لرواد الأعمال؟
2

“هناك بعض الأوقات التي قد لا تتناسب فيها العقول الكبيرة مع المناصب الكبيرة في قطاع ما من قطاعات الأعمال المتميزة”.

هكذا صرح مدثر شيخة الرئيس التنفيذي لشركة Careem، والشريك المؤسس لها عقب قيام الشركة بطرد م. وائل الفخراني، بجملة شديدة الغموض ولكنها توحي بالكثير، وذلك عقب واقعة هزت قطاعي التقنية وخدمات النقل الجماعي، وأثارت حالة حالة كبرى من الجدل، والشد والجذب مع لجوء م. الفخراني لساحات القضاء جراء ما حدث له من إهانة.

وقد حاولنا هنا بأراجيك أن نضع أيدينا على السبب الذي جعل Careem تقوم بفعل كهذا، مع شخصية مرموقة في مجال التكنولوجيا كـ م. وائل الفخراني،  بعيدًا عن الثورة الغاضبة لرواد الـ Social Media، وما تبعه من حملات مُقاطعة لشركة Careem.

وما الذي يمكن لرواد الأعمال ورجال الإدارة، وقادة الأعمال والمديرين والموظفين الجُدد، ودارسي إدارة الأعمال والمُهتمين بها تعلمه واستنباطه من تلك الواقعة.

حقيقة الأمر بمنظور إداري

إذا نظرنا بعقلانية للأمر بعدسة إدارية، من منظور الإدارة الإستراتيجية، سنجد أنّ حقيقة الأمر تنطوي وباختصار خلف كلمة واحدة Culture، أي الحضارة والثقافة، ونعني بها المفهوم الإداري الخاص بسياسات الإدارة الإستراتيجية الـ Organization Culture أي ثقافة / حضارة المنظمة.

والتي تعني مجموعة القيم المشتركة والاتجاهات، والمعتقدات والمفاهيم والفلسفة وطرق التفكير، التي يتبناها أفراد الشركة أو منظمة الأعمال، ويشتركون في تطبيقها والسير على نهجها، لتكون بمثابة الأساس لكل أعمال وأنشطة تلك المنظمة.

فالشركة ما هي إلاّ منصة مشتركة، تجمع أفرادًا من خلفيات ومؤهلات علمية وتخصصات وخبرات متنوعة ومختلفة، في مناصب إدارية متعددة، وتكمن مهمة هؤلاء في العمل معًا، وأداء مهام وأنشطة متعددة لتحقيق هدف تنظيمي مشترك.

وحضارة / ثقافة المنظمة تضم جزءًا موروثًا ومتراكمًا عن النتاج التفاعلي السابق لأفراد المنظمة ومديريها الحاليين والسابقين. كما تضم جزءًا آخر تفاعليًا جديدًا متمثلاً في سياسات الإدارة الحالية للمنظمات ومنسوبيها الحاليين، بالإضافة إلى التفاعلات التي تحدث استجابة لمجريات العمل بالمنظمة بالسوق.

وعليه فحضارة / ثقافة المنظمة توفر صورة متكاملة حول أين كانت المنظمة / الشركة في الماضي، وكيف كانت، وما هي الآن، وكيف ستكون في المستقبل؟ حيث تبرز أهمية ثقافة المنظمة أو الشركة في كونها تعطيها هويتها وشخصيتها.

أزمة Careem مع م. وائل الفخراني
هُناك أسباب تتعلق بأسلوب الإدارة تقف خلف أزمة Careem مع م. وائل الفخراني

فتُرى ما الأسباب الإدارية الخاصة بالحضارة والثقافة في مجال الأعمال، والتي تقف خلف الستار، وأدت لما آلت إليه الأمور بين Careem ومديرها الأقليمي السابق؟

نستطيع القول أنّ هُناك عدة دروس إدارية يجب تعلمها من أزمة Careem مع م. وائل الفخراني، فهي بمثابة أخطاء إدارية جسيمة يجب الحذر منها جيدًا عندما يتعلق الأمر بإدارة الأعمال، وبصفة خاصة الأعمال الريادية والشركات الناشئة.

صدمة حضارية وثقافية Cultural Shock

حينما يلتحق فرد جديد – موظف/ مدير – بمنظمة الأعمال من ثقافة مختلفة بشدة عن الثقافة المترسخة بين أفراد تلك المنظمة التي انتقل اليها حديثًا، تحدث بالصدمة الثقافية Cultural Shock، والتي قد تكون بالإيجاب أو بالسلب.

وفي تلك الواقعة الإدارية التي نحن بصددها اليوم، فقد حدثت صدمة حضارية وثقافية – إدارية بالطبع – للطرفين المُتناحرين، Careem كشركة ناشئة من جهة و م. الفخراني كمدير إقليمي جديد لها من جهة أخرى، وهذا بالأساس ما يفسر الجملة الغامضة التي قالها مدثر شيخة حول العقول الكبيرة، ومدى ملائمتها لشركة ما بقطاع أعمال ما.

فكما نعلم جميعًا، فإنّ م. الفخراني قد عمل سابقًا مع عدد من الشركات الكبرى والرائدة، ذات المفهوم الحضاري الراسخ والقوي في ميدان الأعمال، والتي عادة ما تكون أحد المكونات الهامة في رسالة الشركة. تلك الشركات ذات الحضارة القوية تستطيع أن تشكل عن وعي وبقوة عالية قيم العاملين بها، كما يمكنها أن تدعم من قواعد السلوك لهم داخل المنظمة.

ومثل هذه الحضارة/ الثقافة القوية والراسخة تقلل من الحاجة إلى وجود عبارات مكتوبة لرسائل المنظمة، أو لسياساتها، أو لقواعد التصرف بها؛ لأنّ الأفراد العاملون بها يكونون قد مروا بعملية تطبع اجتماعي على قيم وقواعد السلوك الخاصة بالمنظمة، كما أنّهم يتعلمون من خلال هذه الحضارة ما هو سر وجود هذه المنظمة، ولماذا توجد؟

كما تجيب الحضارة/ الثقافة على عدة أسئلة حول الأفراد العاملين بالمنظمة، كيف يفكرون، يختلفون، يعملون؟ ماذا يعرفون، يقبلون، يرفضون؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تميز أفراد المنظمة عن غيرهم من أفراد المجتمعات الأخرى.

وعليه فالدرس المُستفاد هُنا هو أنّه لكي تعرف تمامًا ما هي ثقافة شركتك، فعليك أن تنظر فقط إلى الطريقة التي يتم بها العمل في مختلف أقسامها وإداراتها، وإلى الطريقة التي تتفاعل بها شركتك مع السوق، والعملاء والموردين والمنافسين والاتجاهات في السوق، ودراستها جديًا؛ حتى تتعرف عليها، فإذا كنت مازلت في مرحلة الفهم والدراسة لأبعادها المُختلفة فعليك تجنب التغيير المُفاجئ والحماسي في تلك المرحلة.

القدرة على النمو Revitalization

في البداية كان هدف Careem من استقدام م. الفخراني، هو مُحاولة تحقيق المزيد من النمو، واقتحام السوق المصري، عبر رسم سلوكيات ثابتة ومنظمة ومتينة تجعلها قادرة تمامًا على النمو.

فعندما تتعامل المنظمات مع قضية نموها فلا بد وأن تعمل المنظمة على أن تخطط، وتحدد الاتجاهات الأساسية لعملية النمو، فبدون هذه الاتجاهات فإنّ المنظمة تكون عرضة للصراعات الداخلية، والتآكل، ومن ثم قد يؤول الأمر إلى الفشل وخروجها من السوق في أسوأ الحالات.

فما كان من م. الفخراني إلاّ العمل بجهد واجتهاد على خطة إبداعية طموحة، لتحقيق هذا النمو المنشود، غير أنّه اصطدم بثقافة وحضارة تنظيمية مقاومة لما يبذله، وهو ما يقودنا للدرس أو السبب التالي.

المسؤولية المجتمعية Social Responsibility

المنظمات الرائدة والناجحة تكون موجهة توجهًا تامًا بقضايا تجعلها بالقرب من العميل/ المستهلك/ المستخدم لخدماتها ومنتجاتها، وهو ما حاول م. الفخراني تنفيذه أثناء توليه منصبه بـ Careem، فجزء كبير من السياسة الإدارية التي اتبعها، وساعدت Careem على اقتحام السوق المصري، والاقتراب من الاستحواذ على نصيب الأسد فيه في مُقابل منافسه القوي Uber ارتكزت على الاتجاه لـ التسويق الاجتماعي Social Marketing، واستغلال قضايا اجتماعية معينة لتسويق خدماتها أو الدعاية لنفسه وتعزيز العلامة التجارية لها، فيما يعرف بـ Cause Related Marketing.

فنجد أن جزء من الحملات التسويقية في عهده، كان يرتكز على الجانب الاجتماعي والمسؤولية الاجتماعية، فكانت Careem – مصر بقيادة م. الفخراني المبادر بنقل الراغبين في التبرع بالدم لمستشفيات القاهرة لمصابي حادث كنيسة البطرسية، وكما تبرعت بنقل المكفوفين الراغبين في الذهاب لمعرض الكتاب مجانًا. كما أعلنت الشركة في عهده عن خصم عشرة جنيه على كل هدف تحرزه مصر في مباراة المغرب، وغير ذلك من الأفكار الإبداعية، ومع أن هذه الأفكار الجريئة جعلت المصريين يفضلون Careem عن منافسها  Uber، إلاّ أنّها أسلوب إداري لا يتناسب مع الشركات الناشئة.

فهذه الشركات تكون موجهة بالأساس بغرض أساسي وهو البقاء، وتحديد موقف المنظمة في السوق، أي تحديد القطاعات السوقية المستهدفة، والحصة المطلوب تحقيقها في كل قطاع، وليس المسؤولية الاجتماعية. فالواقع أنّ الشركات الناشئة والبادئة النمو تجد أن هذه المجالات ليست مجالات ملائمة لهم عند تحديد الرسائل الخاصة بهم.

وهُنا نستطيع الخروج بدرس هام، وهو ضرورة فهم كافة الجوانب التي تمر بها الشركة أو منظمة الأعمال في مُختلف دورة حياتها في ميادين الأعمال؛ فمعرفة ذلك له دور كبير في معرفة هل شركتك في طور النمو و الازدهار.

التأثير الاجتماعي Social Influence

أي توزيع القوة والسلطة بين مديري الإدارة العليا والمساعدين لهم. فهناك همهمات تهمس بأن إدارة م. الفخراني للشركة بالرغم من أنّها شهدت نجاحات، ولكن طريقة الإدارة الداخلية جعلت له الكلمة الأولى والأخيرة، وهو ما أغضب مساعديه من المديرين الداخليين للشركة، ودفعهم للتأثير على متخذي القرار بطرده بطريقة مُهينة كما وصفها م. الفخراني.

حيث يقف عامل التكيف والتأقلم Adaptation وراء ما حدث فمن صراع، فعملية الاستجابة للتغير في أسلوب الإدارة، وما يستتبعه من إجراء التغييرات أو التعديلات في مسار العمل الإداري.

وُهنا يجب عليك أن تعرف مُستوى اتباعك في شركتك أو منظمتك، ومدى ثقتهم بقيادتك لدفة الأمور، وتتعلم كيف يتم التعامل بهذه المنظمة؟ كيف يتخذ فيها القرارات؟ كيف يتم معاملة أفراد المنظمة للغير؟ ما هو الموروث المعرفي والثقافي بتلك المنظمة؟ وكيف تدار عملية البناء الثقافي والمعرفي بالمنظمة؟ وهو ما يدفعنا للدرس الإداري التالي.

تعاون الخصوم Collaboration

أي محاولة إدارة وحل الصراعات والتعارضات التي قد توجد بين أفراد الفريق الواحد. فهناك بعض الظروف التي تشجع على ظهور الصراعات والتعارضات في الشركات الناشئة، مثل: التخصص، التمهن، وزيادة درجة الاعتمادية داخلها. ويتطلب مثل ذلك الصراع ضرورة التعاون بين الخصوم؛ حتي يمكن إدارة أو حل مثل هذه الصراعات.

وهُنا يجب أن تتفهم تمامًا أنّ تغيير ثقافة شركتك هو أمر غاية في الصعوبة، ولا يتم دفعة واحد، وإنّما بالتدريج وبحرص شديد، حتى لا يحدث مقاومة من جانب العاملين بها، وإذا حدث ذلك يجب دراسة وفهم مدي تأثير دائرة الصراع على مُتخذي القرار، والتعرف على صلاحياتهم وقدراتهم الإدارية، ومواطن القوة والضعف لديهم.

تنمية وتطوير الأداء Business Develop

يجب على رجل الإدارة وضع معايير يمكن من خلالها تقييم مستوى الأداء للإداريين والعاملين بالشركة أو منظمة الأعمال، ومعايير تكوين واستخدام البرامج التدريبية اللازمة لمساعدتهم في تطوير طريقة إدارتهم لأعمالهم، والمجهودات التي تأخذ بها الشركة لكي تحافظ على الاتجاه الإيجابي لهم نحو وظائفهم ونحو الشركة ككل.

في الإدارة الأرقام ليست كُل شيء. فعليك أن تحرص في شركتك على بناء علاقات جيدة مع كافة الإداريين والعاملين، وتقديم كافة أوجه الرعايا لهم، والاهتمام بقضاياهم التي تؤثر على أداء العمل.

الكينونة الموحدة Indentity

وهو السبب المُجمل، أو المُلخص لجميع ما سبق من تحليل. حيث يعني أن تحقق الشركة أو منظمة الأعمال وضوح الهدف والرسالة الإدارية الخاصة بها لكل الأطراف التي تتعامل معها بداخل أروقتها، وأن تحصل على إجماع حول أهمية هذه الأهداف والرسالة، بل والتزام كل الأطراف بالعمل على تحقيقها.

ولا يمكن تحقيق الكينونة الموحدة إلاّ من خلال فهم هدف ورسالة المنظمة، وتوجهها الحالي نحو قطاع الأعمال، والإجماع على أهميتها، والعمل على تحقيقها بدرجة عالية من الولاء والالتزام من قبل هذه الأطراف.

والواقع أنّ ما حدث بأزمة م. الفخراني الأخيرة مع شركة Careem يختلف عن ذلك تمامًا، فبدى الطرفيين المُتناحرين الآن وكأنهما جزر مُنعزلة إداريًا، فمع تعقد ميدان الأعمال الحديثة الخاص بسوق النقل الجماعي اعتمادًا على تكنولوجيا الهاتف النقال، وتنوع الأنشطة التي تقوم بها الشركات ضمن هذا المجال، قد أدى إلى وجود العديد من التوجهات للأطراف الإدارية المختلفة داخل الصراع.

كانت هذه نظرة خاصة للأمر من منظور إداري بحت، فكما يبدو واضحًا من التحليل السابق أنّ الأمر لا يتعدى كونه خلاف حول أسلوب الإدارة لثقافة الشركة.

وفي الأخير، يجب أن نؤكد على أننا بأراجيك لسنا بصدد تقييم أي الثقافتين الإداريتين – م. الفخراني أو شركة Careem – أفضل، وإنّما لمجرد الإشارة بمثال عملي لثقافة المنظمة، وتأثيرها على مجريات العمل الإداري، والتعاملات بين المديرين ومتخذي القرار الإداري بالشركات ومنظمات الأعمال، وأفرادها العاملين، في واقعة تُعد بمثابة حالة دراسة Case Study للمهتمين بأمور الإدارة الاستراتيجية Strategic Manaegment، وأثر الثقافة والحضارة لمنظمات العمال، وإدارة التغيير على أداء العاملين بها.

2

شاركنا رأيك حول "دروس إدارية يجب تَعَلُّمها من أزمة Careem مع م. وائل الفخراني"

أضف تعليقًا