“كيف أقرأ؟” تعرّف على فنّ القراءة مع ألبرتو مانغويل

كيف اقرأ مع ألبرتو مانغويل
12

بعد أن اضطُرّ كلّ واحد من المهووسين بالقراءة أن يجيب على سؤال معارفه له: “ماذا أقرأ؟ “، وبعد أن تناول الكثيرُ من القرّاءِ المتحمّسين الجوابَ عن “لماذا أقرأ؟ “، اليوم نطرح سؤالًا جديدًا في سلسلة القراءة هو: “كيف أقرأ؟ “.

في كتاب “فنّ القراءة”تناول”ألبرتو مانغويل” -مترجم، محرِّر وروائي- العديدَ من المواضيع التي تقودك في نهايتها إلى معنى جديد من معاني الأدب، وتفتح نافذة فِكرك نحو نظرة مختلفة عن الكلمات، الكتب والقراءة. يقول مانغويل في بداية الكتاب: “أعتقد أنّ هناك أخلاقيّات للقراءة. مسؤولية في كيف أقرأ، التزام سياسي وشخصي معًا في فعل تقليب الصّفحات ومتابعة السّطور، وأعتقد أنّه أحيانًا أبعد من قصد المؤلّف وأبعد من توقّع القارئ. يمكن لكتاب أن يجعلنا أفضل وأكثر حكمة”.

الأدب الذي نخلقُه لِيَخلقنا

مكتبة

“الأدب كما يعرف جميعنا جيّدًا لا يقدّم حلولًا بل يطرح أحجية. هو قادر في رواية قصّة على الجهر بتعقيدات لا نهائيّة لمسألة أخلاقية، ويمنحنا شعورًا باكتسابنا حدًّا معينًا من الإدراك الذي نفهم به العالم بشكل أفضل… يغريني القول أنّ كلّ كتاب ينشغل القارئ به يطرح سؤالًا أخلاقيًا، أو بالأحرى حين يكون القارئ قادرًا على الحفر تحت سطح النّص يمكنه أن يستخرج من عمقه سؤالًا أخلاقيًا، حتى لو لم يكن هذا السؤال مطروحًا من قبل الكاتب بكلمات كثيرة. عبر هذا الخيمياء يغدو كل نص أدبي نوعًا ما مجازيًا”.

يوضّح ألبرتو مانغويل في هذه الأسطر أنّ الرّوايات و الأشعار التي نقرأها تعالج مسائل أخلاقيّة مجتمعيّة هامّة. مثل: إشكاليّة أولويّة الأخلاق على الأرباح الماليّة التي طُرِحت في “ميجور باربارا” لبرنارد شو في “فرانكشتاين” لماري شيلي و غيرهما. في هذا السّياق يدعونا الكاتب -نحن معشر القرّاء- ألّا نكتفي بالطّبقة الخارجية للنّص -أي المعنى الظّاهري للكلمات و الأحداث-، و أن نتجاوزها غوصًا إلى ما تُخفيه من معالجة للإشكاليات الأخلاقيّة المعاصرة و الأسئلة الوجوديّة التي تؤرّقنا. لهذا، يعتبر ألبرتو الأدب مجازيًا بحيث لا يكفي التّعامل مع المعنى القريب الذي يُبديه لك. لكن يجب التعمّق فيما بعده إلى المعنى الحقيقي المراد يقول مانغويل: “القارئ المثالي هو المترجم القادر على تشريح النّص، سلخ الجلد، تقطيع اللّب إلى شرائح، متابعًا كلّ شريان و كلّ وريد، و من ثمّ يوقف كائنًا واعيًا جديدًا بالكامل على قدميه.”

في نقطة أخرى يضيف مانغويل: “كل الأدب العظيم يبقى حيًا، عبر تناسخاته، ترجماته، قراءاته و إعادة قراءاته، ناقلًا نوعًا من المعرفة و الإلهام الذي بدوره يوسّع و يلقي ضوءًا على بديهيّات جديدة و تجارب للكثير من قرّائه. هذه الطّبيعة الإبداعيّة تسمح لنا أن نفهم من خلال قراءة الأدب الرّوائي أو الشّعر شيئًا من ذواتنا الغامضة”. لكن كيف نكتشف أنفسنا من خلال رواية عن مدرسة للسَّحرة أو عن مصّاصي الدّماء؟ مفتاح هذا الصّندوق السّحري هو في قوله: “الكلمات تمنح للتّجربة شكلها”؛ حيث تقودنا الكلمات إلى التّجربة، و التّجربة هي ما يتيح لنا اكتشاف أنفسنا. قد نعثر في شخصيّة ما على مشاكلنا، قد نلتقي في أحداث روايةٍ بمآزقنا و نضطرّ لمواجهتها، قد نتعثّر بجزء من ماضينا أو حاضرنا في قصيدة ما … عندما نقرأ كثيرًا ما نجد أنفسنا و حياتنا بين الكلمات و الصّفحات … كثيرًا ما نقرأ أنفسنا.

من هو القارئ المثالي؟

في الجزء الخامس المتعلّق بـِ”القارئ المثالي”، تناول ألبرتو مانغويل قصّة بينوكيو المشهورة، و قارن القراءة “السّطحية” التي تعلّمها بينوكيو و التي تقتصر على تعلّم الحروف الأبجدية و القدرة الكلاسيكية على قراءة إعلان على واجهة متجر أو مقال في جريدة، مع القراءة التي تتجاوز سطح النّص إلى عمقه وصولًا إلى مرحلة بناء الأفكار و صياغة التّصوّرات و صقل التّجارب. يقول مانغويل: “يمكن للّغة أن تسمح للمتكلّم أن يبقى على سطح الأفكار. متفوّهًا بملاحظات مبتذلة و شعارات دوغماتية -متعصّبة- بالأسود و الأبيض، ناقلًا رسائل أكثر من معاني، راميًا الثّقل المعرفي على المستمع (مثل: “أتعرف ما أعني؟”)، أو أنّها يمكن أن تحاول إعادة خلق تجربة تضفي شكلًا على فكرة، تستكشف في العمق لا على السّطح فقط. من السّهل نسبيًّا أن نتعلّم على نحو سطحي نتابع مسلسلًا كوميديًّا، نفهم و نُعلن عن مزحة، نقرأ شعرًا سياسيًا، نستخدم كومبيوترًا. لكن في سبيل أن نذهب أبعد و أعمق أن يكون لدينا الشّجاعة لمواجهة مخاوفنا و شكوكنا و أسرارنا الخفيّة، أن نرتاب بعمل المجتمع في ما يتعلّق بأنفسنا و بالعالم. في سبيل أن نتعلّم و نفكّر نحن بحاجة إلى تعلّم القراءة بطرق أخرى على نحو مختلف. قد يكون بينوكيو تحوّل إلى صبيّ في ختام مغامراته، لكنّه في الآخر ظلّ يفكّر كما دمية.”

في شرحٍ لطريقة القراءة التي يدعو إليها، يضيف ألبرتو مانغويل في النّهاية: “فلاديمير نابوكوف، معلّمًا تلاميذه كيف يقرؤون -الكاتب- كافكا، أشار لهم أنّ الحشرة التي تحوّل إليها غريغور سامسا هي في الواقع خنفساء بجناحين، حشرة تحمل جناحين تحت ظهرها المدرّع، ولو قدّر لغريغور اكتشاف هذه الأجنحة لكان قادرًا على الهرب، ثمّ يضيف نابوكوف: “الكثير من النّاس نموا مثل غريغور غير واعين أيضًا أنّهم يملكون أجنحة ويمكنهم الطيّران”.

إذًا، كيف نقرأ؟

بما أنّنا نقرأ لنفهم ما يجري لنا ولنعرف ما يحدث في العالم وإلى أين نتّجه. ونقرأ لنعرف أنفسنا، لنُشكّل هويّتنا، لنخرج إلى العالم بأفكار وتصوّرات ناضجة صَهرَها الزّمن والتّجارب والكتب، ونقرأ لنعثر بين الآراء المتضاربة والأقوال المتعارضة على قبس من الحقيقة ندافع عنه. يجب أن تكون قراءاتنا جدية كقراءة تلميذ لنص درسه قبل الامتحان، متأنية كباحث يغربل مادته العلمية ليبني بحثًا متينًا قيمًا، وصبورة كحكيم يبحث عن العشبة المفيدة في أرض كل ما فيها أخضر وعميقة كمنجم يبتغي الألماس.

12

شاركنا رأيك حول "“كيف أقرأ؟” تعرّف على فنّ القراءة مع ألبرتو مانغويل"