قوة الانطوائية: أشياء تجعل من الانطوائيين فخورين بميولهم غير الاجتماعية

قوة الانطوائية
23

وفقًا لتصنيف علم النفس وللمبادئ الكثيرة التي اعتمد عليها سيغموند فرويد، ومن ثمّ ورثها تلميذه الذي ثار عليه فيما بعد كارل يونغ، فإنّ طريقة تعامل كل شخص مع الوسط الخارجي تخضع لسلوكين اثنين لا ثالث لهم.

فإمّا أن يكون الشخص كثير الكلام كثير الظهور الاجتماعي يستمد قوّته ودعمه من الناس والأشياء المُحيطة فيه والمادحة به، وهذا ما يُسمّى بالشخص المنفتح Extrovert، أو أن يكون الشخص منزوي النفس قليل الظهور والكلام يستمد قوّته من التركيز في نفسه وفهمها وتأمّل قيمها، وهذا ما يُسمى بالشخص العظيم الذي سنمدحه في هذا المقال، وهو الانطوائي Introvert.

الشخص الانطوائي والشخص المنفتح

لسبب ما يرى عدد لا بأس به من الناس أنّ المنفتحين هم دائمًا الفارغين. مجموعة من المعاتيه الذين يمتلئون بكلام مَن حولهم والنفخ الدائم بهم. أشخاص يحبون الظهور المستمر، لا يحبون السماع بل يحبون أن يتكلموا هم وينصت الآخرون. أناس صاخبين جدًا، أصحاب شخصيات خاوية، فإن حاولت أن تتقدّم وتقترب لتكتشف أحدهم، فلن ترى سوى نفس الشخص الذي كانت تراه عينيك قبل أن تقترب، فهو لا يملك شيء سوى الذي يُظهره فقط.

لطالما كان يَنفر العديد من هؤلاء، هؤلاء الناس الذين دائمًا ما يكونون في الواجهة، الذين تقع عليهم العين دائمًا، الذين يغنون الأغنية وليسَ الذين يلحنونها، على الرغم من أنّ المغني مجرّد أخرق وُلد بحبال صوتية مميزة، وكاتب الأغنية أخرق آخر لا يعرف شيئًا في النحو الأدبي والبلاغة، هؤلاء كلهم منفتحون، أمّا الفنان الحقيقي فهو الملحن الذي يختبأ في الظل، الذي لا يظهر، والذي غالبًا ما كنا نسمع أغنية ما لمجرّد أن لحنها جميل، أي من أجله فقط.

الملحن أفضل من المغني، المخرج أهم من الممثل، شخصيات الرواية غير مهمة، المهم ذلك العقل العبقري الذي ابتكرها، العقل الذي دائمًا ما يقف في الظلال ويترك النور لأولئك الذين يحبون الظهور، لأولئك الذين ينتفخون بكلام الناس ومديحهم.

أمّا الانطوائي فيكون على العكس تمامًا، الشخص الذي آثرَ عدم الظهور وركّز على عالمه الداخلي الخاص، فكان عبارة عن غابة عميقة، بمجرّد أن تقترب منها ستكتشف أنّها قد تكون بلا قرار يُرى لشدة اتساعها، غابة لربما عندما تراها للمرة الأولى ستقول أنّ صاحبها المنطوي شخصًا أهبلًا يرتدي ثيابًا رثّة، بينما عند الاقتراب تبدأ في تصحيح النظرة واكتشاف أمور لم تكن بالحسبان.

ولا بد هنا أن نُشير إلى أبو الانطوائيين الأشهر على نطاق العالم، وهو الروسي البائس دوستويفسكي، والتي أصبحت جارتنا أم مدحت تقتبس من كلامه في هذه الأيام، ولا شك أنّ الأمر يعود في جوهره إلى شخصيته الفريدة التي كان يتمتع بها، فدوستويفسكي كما وصفه أحدهم لم يكن بشرًا بل كان مستشفى من الأمراض النفسية، مكتبة من الفلاسفة، سربًا من الأنبياء المتدينين، قطيعًا من المجرمين، حفنة من الأنبياء الاجتماعيين، ولكن متحدين في شخص واحد.

لم يكن كيانًا منفردًا بقدر ما كان مدرسة من الأمراض والميول النفسيّة المتطرّفة، وكل مَن تتبع سيرة حياته يمكن أن يكتشف ذلك بسهولة، ولعلَ هذا هو الأمر الذي قاده نحو العالمية فهو كان يحتوي ما كان يحتويه نصف سكان العالم تقريبًا.

أمّا الآن وبعد حوالي 150 سنة على وفاة هذا الروائي الروسي الذي كتب عن أعمق أعماق النفس البشرية، سنتحدث في هذا المقال عن أبنائِه الجُدد، عن النسل الانطوائي في هذا العالم، عن الذين لا يحبون أن يتكلموا بل يسمعوا، الذين لا يحبون تكوين الصداقات والانخراط المبالغ بها، الذين يحبون حل مشاكلهم فُرادا بعيدًا عن صخب الناس، عن النسل الذي انبثقَ منه جُل عباقرة ومفكري العالم.

هذا هو الذي سنتحدث عنه اليوم، وعن بعض الأمور التي ستجعلك فخورًا بكونك انطوائي صاحب ميول غير اجتماعية.

1/ عقل إبداعي مع مرتبة الامتياز

شخص يقرأ في الحديقة

العقل الإبداعي ناجم عن تفكير إبداعي مُسترسل، والتفكير الإبداعي هو ذلك الذي يكره النمطية، يكره ما هو سائد ومتداول ومتعارف عليه، فيحاول دائمًا الإتيان بشيء جديد وغير مألوف وغير معروف من قبل.

لذلك دائمًا ما نجد الانطوائي ساخط على مَن حوله وعلى الوسط الذي يعيش فيه، أو يعاني من صعوبة في فهمه، فهو يرى أنّ الناس يعيشون في قوقعة ساذجة من الفعل المتكرر نفسه دون تفكير أو تبرير يوضح كيف وماذا ولماذا؟

ولعلَ أبرز الأمثلة على الانطوائيين أصحاب التوجّه العلمي، كان السير إسحاق نيوتن مُكتشف قانون الجاذبية الذي كان ساخطًا على مجتمعه لحد القرف، والذي كان يعتبر الناس مجموعة من الحمير التي لا تفهم أبدًا، فقام من أجل ذلك بكتابة معظم أبحاثه باللغة اللاتينية لكي لا يقرأها إلّا العباقرة المثقفين الذين يفهمون ما يُكتب، وليسَ أولئك الرعاع الذين لا يفقهون قولًا.

الانطوائي يحمل الكثير من مشاعر الاشمئزاز والحقد على الوسط الخارجي، فهو الوسط الذي يُستنزف به، فيضطر حينها أن ينزوي على نفسه ويركّز على أفكاره وقيمه الداخلية بعيدًا عن ذلك العالم الذي يسوده النمط والتكرار وعدم الفهم، فينطوي داخليًا ويبدأ بتحقيق نفسه من المنظور الذي يتألّق به.

ولعلَ ألبيرت آينشتاين قد فعل شيئًا من ذلك، فقد أرجع سر اكتشافه شرارة النسبية لتأمّل بسيط بينه وبين نفسه عندما كان يركب القطار، فكان عندها الإبداع في التفكير وكانت عندها النسبية على الورق!

2/ الكسر الدائم للإطار

خارج الصندوق

نسبة الانطوائيين في العالم ليست بالقليلة، إذ تتراوح ما بين الثلث إلى النصف من التعداد الإجمالي للسكان، فلو افترضنا أنّ هناك 100 شخص يقرأون هذا المقال حاليًا، فهناك 50 منهم قد يكونون أصحاب شخصية انطوائية.

ولعلَ من أبرز ما يميّز هؤلاء القوم المنطوين الذين لربما يشكل عددهم نصف مَن يقرأ هذا المقال، هو كسرهم الدائم للإطار الذي اعتاد عليه الوسط الجمعي للناس. سواءً كان كسر برقم قياسي جديد كما فعل عبقري الشطرنج المهووس بوبي فيشر، أو كسر من الناحية العلمية كما فعل آينشتاين ونيوتن، أو كسر من ناحية الفن والإخراج كما فعل ستيفن سبيلبيرغ صاحب أوسكار إنقاذ الجندي رايان.

ومن ناحية المجتمع أيضًا نفس الأمر، الانطوائي لا يمتثل إلى قواعده، فالتفكير الخارج عن المألوف لديه لا يستطيع أن يتوافق مع المجتمع الراكد الجامد الوائد لأي فكرة قد تخالفه في أصغر جزئية قد نخجل أنا وأنت من النقاش بها حتى.

فتبرز حينها أفكاره الابتكارية الجديدة، والتي يمكن تمثيلها في عصرنا الحالي بفيسبوك وآبل وميكروسوفت، فأصحاب هذه الشركات انطوائيين مشهورين، خصوصًا أنّ بيل غيتس معروف بضيق دائرته الاجتماعية، بينما ستيف جوبز عُرف عنه الفشل الاجتماعي حتى أنّه كان أبًا سيئًا لأولاده.

3/ كمية زائدة من العاطفة

أكثر صفة أكرهها في الانطوائيين هي هذه، لكن بالرغم من ذلك تبقى هذه الميّزة محبوبة وملفتة للأنظار وذات وقع محبوب عند الناس، لا سيما أنّها ستمنحهم قدر كبير من التعاطف والإحساس بما يعتريهم من مصاعب وهموم في ظل ظروف عصر أصبحت به المشاكل والأزمات المكون الرئيسي لكل 24 ساعة من كل يوم يمضي.

كنتيجة طبيعية لبناء عالم داخلي لدى الشخص الانطوائي، تصبح الحساسية والشعور الزائد بما يشعر به الآخرين أمر أساسي في تكوين الشخصية الانطوائية، فالتركيز على الداخل غالبًا ما يكون ناتجًا من انجذاب الشخص نفسه نحو ذاته بسبب وجود مشاعر الراحة والأمان التي لا تتحقق إلّا في مثل هكذا ملاجئ، فيكون الشعور هو المحرك الأساسي لنفسية المنطوي وهو أكثر الأشخاص تحسسًا له ومنه.

وعندما يخرج هذا المنطوي نحو العالم الخارجي، من الطبيعي أن يحمل معه ما أخذه من عالمه الخاص، فيكون صاحب فيض لا بأس به من العاطفة، ويكون من أكثر الأشخاص شعورًا بنفوس الآخرين، وتقديسًا لمشاعرهم أيضًا.

4/ دقة شديدة في الملاحظة

على النقيض من المنفتحين الذين يركّزون على الأمور الضخمة الواضحة للعيان بشكل يكاد يبصره الأعمى، يكون الانطوائي شديد المُلاحظة على دقائق الأمور وأصغرها، لا سيما أنّ كلامه يكون قليل واستماعه يكون أكبر، فيكون انشغاله بالتركيز على ما يدور في أوجه الأقصى.

ويمكننا أيضًا القول أنّ الانطوائيين هم أفضل المرشحين لأن يكونوا قادة، فكما هو معروف أفضل القادة هم أكثرهم تواصلًا مع الناس، وأعظم المتواصلين مع الناس هم أكثرهم سماعًا لاحتياجاتهم ولكلامهم الذي يريدونه أن يصل لرؤوس صناعة القرار، وليسَ أولئك الذين يريدون هم أن يتكلموا وعلى البقية فقط أن يستمعوا.

وكما قلنا في الفقرة السابقة، لديهم قدرة كبيرة على الإحساس بالآخر، فيكونون بذلك نموذجًا مثاليًا للقائد الذي يُعير متطلّبات الناس اهتمامه ويقدّر مدى احتياجاتهم ويستمع لكلامهم.

5/ الرغبة في التحدي

سواءً كان طالبًا في مدرسة وجامعة، أو موظف يسعى لترقية ما في مكان عمله، أو في أي مجال آخر. دائمًا ما يسعى المنطوون لدخول التحديات وكسرها وفقًا لطريقتهم وقواعدهم الخاصة.

فالطالب المنطوي هو غالبًا ذلك الذي لا يرفع يده إن كان يعرف الجواب، فالموقف هنا لا يمثل له تحديًا، إنّما التحدي الحقيقي يكون في تخطّي نفسه وتطويرها والانتقال من درجة منخفضة إلى درجة أخرى أعلى منها.

وكأنّ لسان الحال يقول، ليسَ المهم أن أظهر أمام الناس كإنسان يعرف الحلول، المهم أن أقنع نفسي بأنّي أعرف وهذا بحد ذاته كافٍ، وهذا هو الأهم. على العكس من المنفتح الذي يتغذى بكلام الناس ومدحهم وتصفيقهم، ولربما يكون أيضًا طالبًا كسولًا سرق الجواب الصحيح من أحد المجتهدين ووقف ليقوله.

6/ في العلاقات هم الأفضل

متحابان متشابكان الايدي

طالما أنّ المنطوي لا يتغذى على حضور الناس الدائم وتركيزهم الدؤوب عليه بالإضافة لصخبهم وكلامهم الكثير، وطالما أنّ العالم الداخلي له هو الأهم وصاحب المرتبة الأولى في قائمة أولوياته، من الطبيعي حينها أن تكون العلاقات التي يشكلها محدودة، ومن الطبيعي أيضًا – في حال تشكيلها – أن يكون طرفًا مخلصًا فيها طالما أنّه اختارها بدقة وعناية شديدة.

إذ أنّه لا يعتمد على أحد في إثبات نفسه، وبالتالي تكون صداقة وزمالة وجميع العلاقات التي يكوّنها المنطوي، علاقات لطيفة وصادقة إلى حد بعيد نوعًا ما.

كما أنّ الحساسية الزائدة وإدراكه لمتطلّبات كل إنسان آخر، جعل منه شخصية فُضلى ذات قيمة فعلية في العلاقات على اختلافها وتنوّعها.

7/ القادرون على تغيير العالم

وفقًا لكارل يونغ عالم النفس الشهير وتلميذ مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد فإنّ كل شخص لديه جانبان، جانب منطوي وجانب منفتح. إلّا أنّ لدى البعض يكون الجانب الانطوائي أكثر ظهورًا من الآخر فيكون حامله صاحب شخصية انطوائية، ولربما يرجح هذا الجانب كثيرًا فيتحوّل الأمر من كونه ميول طبيعي إلى مرض نفسي وَجب علاجه.

وهنا يختلط الكلام على بعض الناس، فالانطوائية بحد ذاتها ليست مرض وإنّما ميول نفسي. ميول يجد صاحبه نفسه مُستنزفًا في الأوساط الاجتماعية على عكس أصحاب الميول المنفتحة الذين يجدون أنفسهم في مثل هكذا مواقف.

فالانطوائية ليست مرض نفسي، صحيح أنّها تُرافق العديد من الأمراض النفسية وتكون أحد أعراضها الجانبية، إلّا أنّ وجودها أمر طبيعي لا سيما أنّها تشكل مقدار نصف العالم تقريبًا.

ومن هنا يمكن القول أنّ هذا الميول الحساس غالبًا ما يتواجد – تاريخيًا على الأقل – لدى الأشخاص القادرين على إحداث تغييرات فعلية في العالم، ولعلَ في آبراهام لينكولن المُحرر الأمريكي لأصحاب البشرة السوداء خير مثال على ذلك، فلولا جهود هذا الرئيس المنزوي لكان كل صاحب بشرة داكنة مُكبّلًا بالسلاسل إلى وقتنا الحالي.

الأمر لا يقتصر على الرؤساء فحسب، بل تاريخ الأديان يشمل قصص عزلة وانطواء مشابهة لجميع القادة الذين استطاعوا إحداث التغيير أيضًا. ألم يعتزل موسى الناس ويبتعد عنهم 40 يومًا ومن ثم أتى بألواحه! ألم ينعزل محمد في غار حراء قبل أن يأتيه ما يأتيه! ألم يفعل بوذا نفس الأمر بدوره.

العزلة مهمة جدًا، لا سيما أنّها المرحلة التي تسبق ابتكار مجموعة من الأفكار الجامحة التي ستستأصل عادات بالية متجذرة في المجتمع، فلو أردت أن تكون صاحب تغيير ما، ابدأ بها ومن ثم اخرج واستعد للمواجهة الحقيقة مع الوسط الذي يتكتّل به الجميع ويدافعون عنه لدرجة الحماقة.

الانطوائية كميول هي هدية وليست مرض، نقطة قوة أكثر من كونها نقطة ضعف. وإن لم تكن انطوائيًا فحاول أن تدخل في فترات انطواء مضبوطة، فالإنسان يحتاج دائمًا لأن يفهم نفسه بعيدًا عن ضوضاء الخارج.

وبمجرّد أن تفهم نفسك، تلقائيًا ستفهم الناس والعالم من حولك. الجميع متشابهين، لا يختلفون إلّا في قشور خارجية خلقتها مسارات سلوك كل فرد وطريقة تربيته وتثقيفه، فبمجرد أن تفهم نفسك ستفهم مَن حولك، ولا أظن أنّ هناك أخير من ذلك الذي فهم نفسه وفهم الناس من حوله وعاش خفيفًا لطيفًا مُنشدًا التغيير، قابعًا في الظل، غير ساعيًا نحو شهرة أو إطراء، ممتثلًا لعبارة الحكيم الروسي الكبير تولستوي عندما قال، “إنّ النبلَ الحقيقي هو أن تفعل الأشياء الجيدة دون أن يعلم بها أحد”.

23

شاركنا رأيك حول "قوة الانطوائية: أشياء تجعل من الانطوائيين فخورين بميولهم غير الاجتماعية"