هل يمكن أن نعتمد على مجموعات الدعم النفسي على فيسبوك وأخذ النصيحة منها؟

هل يمكن أن نعتمد على مجموعات الدعم النفسي على فيسبوك وأخذ النصيحة منها؟
1

لا بد أنّك جلستَ في لحظة ما موقف الحكيم المتبصر العارف بكل شيء، وأخذت تستمتع أو تسمع لأحدهم (والفرق بين السماع والاستماع كبير) وهو يحدثك عن مشكلة وقع بها وهو حائر لا يدري كيف عليه أن يخرج منها، وكأنّك ذاك الشخص العبقري الذي يملك حكمة العالم وخبرة كل الأشخاص والقدرة السحرية على حل كل المشكلات التي قد تواجه أي شخص مهما كان نوع تلك المشكلات، سواءً كانت مشكلات عاطفية أم في العمل أو حتى عائلية خاصة.

وبين ليلة وضحاها تنقلب الأدوار وتتحول أنت إلى ذاك الشخص العاجز الذي لا يملك من أمر نفسه شيئًا، ولا يستطيع حتى أن يحل رباط حذائِه ويقف كالطفل العاجز الذي ينتظر مساعدة من حوله ليقدر على تجاوز هذه الحالة من اليأس والغرق في دوامة المشكلة التي وقع بها، فلا أحد في النهاية يخرج من دوامة عميقة دون أن تمتد إليه يد المساعدة وتعينه على الخروج.

لماذا لا نستطيع أن نحل مشاكلنا بأنفسنا بينما نبرع في حل مشاكل الآخرين؟

من أنت في الحقيقة؟ هل أنت حكيم الزمان الذي يقدر على مواجهة أي مشكلة تُعرض أم ذلك الغارق في دوامة المشاكل، والعاجز عن فعل أي شي حين تحق الحقيقة وتصبح أنت المعني بالأمر؟

أنت مزيج من هذين الشخصين معًا … ونحن نبرع في تقمص الشخصية الأولى حين يتعلق الأمر بالآخرين فقط؛ لأنّنا نكون قادرين على الانفصال شعوريًا عن الحدث ورؤيتها من وجهة نظر مراقب خارجي، فنكون أكثر قدرةً على الإحاطة بالأمر من جميع جوانبه والتفكير بشكل حيادي ومنطقي، أمّا في الحالة التي نكون فيها في قلب العاصفة، فنحن نعجز عن رؤية ما يحدث خارجها ونضع أنفسنا داخل إطار محدد وضيق للغاية، باختصار لا نرى أبعد من أنوفنا!

ودائمًا تكون المشاعر حاجزًا يمنع العقل عن العمل بكفاءة، فكأنّهما زرين كلما ضغطت واحدًا أطفأت الآخر، فكلما تركت مشاعرك تكون هي المتحكمة فيك في خضمّ الموقف الذي تمر به تقل قدرتك على التصرف بحكمة وعقلانية، وكلما ازدادت درجة وعيك، ازدادت قدرتك على التحكم بمشاعرك وجعلها منقادة لك لا العكس.

من الأجدر بالاستشارة في هذه الحال؟

وبسبب ما ذكرته، ورغم ما ذكرته، نحتاج دائمًا أن نستشير من هو خارج العاصفة، ويملك رؤيةً واضحةً ومن جميع الجوانب كي يسعفنا ويقف بجانبنا في أي محنة أو موقف صعب نواجهه.

ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة وإدخالها في حياتنا بكل تفاصيلها ابتداءً من نشر الأخبار الشخصية أمام العامة على مستوى (ذهبت وأكلت وشربت وحزنت وشعرت بالأمل واليأس ونمت أو أصابني الأرق هذه الليلة … إلخ) إلى نشر الأخبار العالمية الهامة منها والسخيفة مرورًا بمجموعات الطبخ، واهتمي بجمالك سيدتي وكيف تعتنين بأطفالك وتجعلين زوجك خاتمًا في إصبعك، وكل ما يتعلق بتفاصيل حياتنا اليومية التي كنا نعيشها بشكل مغلق حتى قالوا فيما (البيوت أسرار) والآن صار المثل (البيوت منشورات!).

واعتقدنا أنّنا هكذا نستطيع أن نجد حلًا لمشكلاتنا على تلك الصفحات وعرضها دون حرج، وساعد في هذا المجموعات الاستشارية النفسية والاجتماعية، والصفحات التي تعرض مشاكل يرسلها أصحابها، أو هم يضعون مشكلتهم ويطلبون حلًا من الآخرين من رواد تلك الصفحات على مبدأ (اسأل من جرّب ولا تسأل حكيم) وينقلب الأمر إذا أراد أن يكحلها فأعماها! من أشخاصٍ مختلفين ثقافةً وعقلًا وبيئةً وعمرًا يتبرعون ليدلوا بأقوالهم، ويعرضوا تجاربهم التي تبدو لهم في تلك اللحظة مهمةً جدًا وحكيمةً وخارقةً، حتى أنّي أصبت بالعدوى منهم وملأت لكم المقال بالأمثال الشعبية!

ورغم فائدة تلك الطريقة في رؤية الأمر من وجهات نظر مختلفة بسبب تنوع الرؤى التي تُطرح وتنوع الفئات التي تحاول المساعدة في الحل، إلّا أنّ هناك الكثير من المآخذ التي تجعلها طريقة غير مجدية، وتسبب مشاكل أكثر من تلك التي تحلها على الصعيدين النفسي والاجتماعي.

رؤى متعددة لنفس المشكلة

هذا سلاح ذو حدين؛ لأنّ التجربة التي مررتَ أنت بها لا يمكنك أن تعممها على جميع التجارب التي تبدو في الظاهر متشابهة وفي التفاصيل مختلفة؛ لأنّنا ببساطة لسنا نسخًا متطابقة وكلًا منا لديه طريقة التفكير المختلفة.

فقد يفيد أن ترى الأمر من وجهة نظر الطرف الآخر، لو كان صادرًا عن شخصٍ متخصص أو موثوق برجاحة عقله، ولكن لا يمكن أن تستمع لكل من هبّ ودبّ وهو يدلي بنصائحه الذهبية، والتي يراها دستورًا عظيمًا في الحياة.

هذا تجده في مجموعات تربية الأطفال وحل المشكلات العاطفية بكثرة، وكأنّ كل عضو منهم قد صار سيد زمانه وخبر كل أنواع البشر وكيفية التعامل معهم.

كلمة تحيي وكلمة تميت

لا أعرف لماذا يهوى الناس أن يوجهوا دائمًا لومهم للشخص الذي يشتكي، فإن كان مذنبًا وجاء معترفًا بخطئه أغلقوا كل الأبواب بوجهه وجعلوه أسوأ من شيطان أو مصاص دماء، وإن كان محقوقًا قلبوا الأمر عليه ولاموه هو على فعل وأنّه كان يجب أن يتصرف بطريقة أخرى متخلفة ويتجنب هذا الأمر أيضًا، وينسون أنّ كل منا تمر عليه لحظة يكون عليه فيها أن يختار بين المرّ والأمر منه، أو السيّئ والأسوأ منه وكل خيار له عواقب على من يتخذه أن يتحملها.

فلينظر كل منا ماذا يقول وكيف يوجه كلامه لغيره، ويضع نفسه في مكانه أولًا قبل كل شيء، ثم يرى إن كان يقبل ما سيقوله أم لا، فكلمة قد تحيي وكلمة قد تميت.

ليس الكل حكيمًا ويمكن استشارته

لا يمكنك أن تجلس مع أي شخص تجده وتحكي له مشاكلك وتستشيره في أمورك الخاصة، الاستشارة النفسية والاجتماعية فنّ بحد ذاته لا يتقنه الجميع، وبالتالي عندما تحتاج إلى استشارة في أمر حساس أو تواجه مشكلة ما، لا تلجأ إلى صفحات الفيسبوك ومجموعاته وتطرح مشكلتك للتداول أمام العامة، فتفتح المجال لكل شخص أن يفتي ويتصدر ويظهر كم هو رائع ويفهم في كل شيء.

وفي الحقيقة العلاج النفسي والاستشارات ليس فنًا فقط بل هو علم قائم بحد ذاته، الصديق يساعد في كثير من الأحيان؛ لأنّه يقوم بدور المستمع والمتفهم لما تقول ومشاكلك التي تعيشها، ويكون صادقًا بتعاطفه معك وفي ذات الوقت يرى الأمر بمقياس حيادي، ولكن هذا نادر الوجود في عصر العلاقات السطحية والصداقات الإلكترونية.

فالدعم الاجتماعي يساعدنا أن نتخطى المحن وأن نرتقي بعدها، فلا يعني أن ننعزل ونترك العالم حين نواجه أي مطبات، ولكن أن نحسن اختيار من نفضي له ويكون بئر أسرارنا.

1

شاركنا رأيك حول "هل يمكن أن نعتمد على مجموعات الدعم النفسي على فيسبوك وأخذ النصيحة منها؟"