عزيزي الشاب: لن تحقق الشهرة … ولا حرج في ذلك!

عزيزي الشاب: لن تحقق الشهرة... ولا حرج في ذلك!
16

لا شك أنّ حلم تغيير العالم قد راودك من قبل بل وأزعجك وأقلقك وعكر عليك صفو ذهنك، خاصةً إن كنت ابن العشرينيات وتشعر بطاقة تُحسَدُ عليها، وبفضل الزيف والبهرجة التي تتميز بها مواقع التواصل الاجتماعي، خُيّل إلى كثير منا أنّه لن يصبح لحياتنا معنى إلّا إذا قمنا بشيء خارق يلفت الأنظار إلينا، فنتطلع إلى أن نكون وحوش إنستاجرام أو مؤسسي شركات لا تهددها المخاطر أبدًا، أو قادرين على إقامة العدل في العالم أجمع.

قدرتك على خلق أحلام مثالية هي مزية من مزايا شبابك، ولكن المشكلة تقبع في الصورة التي ترسمها المواقع الاجتماعية لنا فتقنعنا بأنّ الخارقين فقط هم الطبيعيّون، وأنّ حجم الهدف في الحياة مقترن بمقدار سطوعك ولمعان حسابك الشخصي بين الآخرين، والحقيقة أنّه وبعد بحوث عديدة في مجال علم النفس والعلوم الفلسفية والعصبية. اتّضح أنّ الحياة التي تحمل في طياتها أعمق المعاني هي الحياة الكريمة وليست الاستثنائية!

قد يكون حلمك أن تصبح باحثًا في مجال يفتقر إلى التجارب السليمة فتتفرد به وتأتيك فرص العمل من كل فجٍ عميق، ويتسارع الموظفون إلى تلبية رغباتك لتعمل لديهم، ولكن يشاء الله أن يزوجك بأميرة الأميرات التي تفلسك وتدفعك لقبول أي وظيفة سريعة المكسب حتى تلبي احتياجاتها، وتمضي الأيام وتشارف على الخمسينات وأنت لم تحقق السمعة التي أردتها لنفسك، وتموت حسرة على عدم اتباعك لخطتك الأولى في الحياة.

وقد تتعرض لنفس الموقف وتقرر وقتها أن تستغل الظروف التي أصبحت أسيرها، فبعد أن شارفت على الخمسينات وأصبحت حياتك أهدأ من ذي قبل، يمكنك أن تفرغ مزيدًا من الوقت لأبنائِك الذين يحتاجون لمثل خبرتك هذه وتجربتك في مقتبل أعمارهم. ربما تساعد زوجتك التي أكل الدهر شبابها وأطفأ بريقها في خدمتك، بل يمكنك أن تستخدم بعضًا من علمك لتعقد به دورات تعليمية وتثقيفية فتنفع وتنتفع وترسم ابتسامة وتحيي ذكرى في قلوب الناس في حياتك وبعد مماتك. انظر إلى حال أمك مثلًا، لم ينشر اسمها مرة على فيسبوك ولم ترَ سيرتها الذاتية وتنبهر بها على حسابها الشخصي، هي ربما لا تملك حسابًا من الأساس، ولكنك توقن أنّك لا تستطيع العيش يومًا بدونها.

ولأوفر عليكم الكثير من الجدل. ليست دعوتي أن نسلم بالأمر الواقع ونكتفي بما تجلبه لنا الظروف من فرص، بل علينا أن نتمرد وأن نثابر وأن نتحدى إذا كنا مؤمنين بهدف حقيقي، ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فليس كل تعب في محله، وليس لكل مجهود ثمرة لحظية وإنّما قد تكون الثمرة الحقيقية في عدم إتيان هذا الذي تسعى إليه؛ لأنّه ربما أتعسك ونغص عليك عيشك، وإذا آمنا بهذا لن نموت حسرةً على منصب لم نحظَ به أو بذرة زرعناها ولم نجنِ حصادها قط، وإنّما سيكفينا أن عشنا مُقَدّرين على كل مجهود بذلناه، سيكفينا أن قضينا أعمارنا بشرف ولو كان تأثيرنا مقتصرًا على دائرة العائلة، ومن قال أنّنا نحتاج العالم بأكمله ليشهد لنا على إنجازاتنا؟ من قرر أنّ العبرة بعدد المتابعين والمعجبين؟ إن كنت تبحث عن معنى حقيقي لحياتك فالتمس سبل القناعة الداخلية، انظر إلى نفسك وقيّمها بعينيك ولا تنتظر المليون المتابع – فربما لن يأتوا – ليخبروك أنّك عظيم!

صدقني يا صديق، لن نصبح جميعًا مارك زوكربيرج القادم ولن تخصص صفحات في الجرائد لتنعانا ولا يعني هذا بأي حال أننا عشنا حياة بدون معنى أو هدف، فلكل واحد منا دائرة من البشر وإن اقتصرت على شخصين يستطيع أن يؤثر فيها ويدعمها ويطور منها ويشعر بمعنى الحياة الحقيقي وسطها، ولو أمعنت النظر، لوجدت أنّ تأثيرك في شخص هو في الواقع تأثير في العالم، فهذا أخوك الذي علمته حرفًا سيكبر ليعلمه لصديقه الذي سيعلمه لابنه ولحفيده ولتلامذته وربما يخرج منهم الأستاذ والقاضي والطبيب والطيار وكلها سلسة مترابطة الحلقات. لو تتبعتها لعاد الفضل إليك في النهاية، فهذه امرأة لم يذاع لها صيت ولم تختلف عن نساء بلدتها في شيء، ولكنها أنجبت لنا أينشتاين فغيّر مسار الفيزياء والعلوم وقدمت غيرها مصطفى محمود فترك كتابات صححت أفكارًا وهدت قلوبًا، وأخرى ربت داعية التزم على يديه أقوام، ولولا تعب هذه وصبر تلك على آلام المخاض وتحمل الأخرى مشقة التربية والتقويم لما أحدث هؤلاء طفرةً في علوم الدنيا والدين.

تشير إحدى الدراسات إلى أنّ المراهقين الذين يشاركون في أعمال المنزل يشعرون برضى عن النفس وبمعنى للحياة؛ ذلك لأنّهم يساهمون في تلبية احتياجات فئة أكبر من أنفسهم وهي العائلة، وأنت لا بد وأن شعورًا مختلفًا عن الحياة انتابك عندما نجحت في رسم ابتسامة على وجه أحدهم، وكما يقول ابن القيم في مقولته الرائعة: “ربما تنام وعشرات الدعوات ترفع لك، من فقير أعنته أو جائع أطعمته أو حزين أسعدته أو مكروب نفست عنه، فلا تستهن بفعل الخير”. ألا يجسد هذا معنى صافي للحياة الكريمة؟

بينما تتجهز للذهاب لجامعتك أو عملك في كل صباح وتشعر بهموم الدنيا تثقل كاهلك. تذكر أنّك لست بحاجة لتغيير العالم أو للعثور على هذا الهدف الأمثل الذي سيجعلك تشعر بقيمة الحياة، فقيمة الحياة تكمن في مقدار ما تقدمه من خير لمن تعولهم ولأقرب الأقربين منك، وهذا في متناول أيدينا جميعًا بغض النظر عن أحلامنا وظروفنا، واعلم أنّ “كل ميسر لما خلق له” فلا حاجة لأن تضيق على نفسك وتعيش في إطار حلم واهي، فلو كانت الشهرة لك ولو كان مغزى حياتك سيكتمل من خلالها ليسرها الله لك.

16

شاركنا رأيك حول "عزيزي الشاب: لن تحقق الشهرة … ولا حرج في ذلك!"

أضف تعليقًا