مائة عام مرت على وعد بلفور الباطل المشؤوم … ويبقى التاريخ مُمتدًا

2

تمُر الذكرى المئوية على الوعد الباطل المشؤوم، الذي كتب على رسالة حملت 67 كلمة تقدم في طياتها وعد من لا يملك لمن لا يستحق، معلنةً بداية الصراع العربي الإسرائيلي، ومُعاناة الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه وجذوره التاريخية، إنّه Balfour Declaration أو ما يُعرف عربيًا بـ وعد بلفور ، والذي يُعد حدثًا هامًّا في تاريخ الشّرق الأوسط الحديث عامّة وتاريخ القضيّة الفلسطينيّة بشكل خاص.

فما هو وعد بلفور ؟ 

وعد بلفور ، هو في الأصل رسالة دنيئة، مطبوعة، صادقت عليها الحكومة البريطانية، وتم إرسلها بتاريخ 2 نوفمبر 1917، من جانب وزير الخارجية البريطاني Arthur James Balfourآرثر جيمس بلفور (1848-1930) والذي شغل مناصب بريطانية عديدة، منها رئاسة وزراء بريطانيا في الفترة من يوليو 1902 إلى ديسمبر 1905، إلى Lionel Walter De Rothschild – ليونيل وولتر دي روتشيلد المصرفي البريطاني البارز، ورئيس الاتحاد الصهيوني في بريطانيا؛ ليعلن فيها تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

https://www.arageek.com/2015/07/15/rothschild-family-story.html

في التاسع من نوفمبر عام 1917 نشرت صحيفة تايمز اللندنية تحت عنوان “فلسطين لليهود – التزام حكومي” نَص وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور.

نص الرسالة:

وزارة الخارجية

الثاني من نوفمبر / تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته بالتصريح التالي، والذي يعبر عن التعاطف مع طموحات اليهود الصهاينة، التي تم تقديمها للحكومة ووافقت عليها.

“إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتحقيق هذه الغاية، على ألّا يجري أي شيء قد يؤدي إلى الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية للجماعات الأخرى المقيمة في فلسطين، أو من الحقوق التي يتمتع بها اليهود في البلدان الأخرى، أو يؤثر على وضعهم السياسي”.

سأكون ممتنًا لك إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علمًا بهذا البيان.

المخلص

آرثر بلفور

صورة من خطاب وعد بلفور
صورة من خطاب وعد بلفور
صورة وعد بلفور من صحيفة التايمز اللندنية في مقال بعنوان فلسطين لليهود - إلتزام حكومي
صورة وعد بلفور من صحيفة التايمز اللندنية في مقال بعنوان فلسطين لليهود – التزام حكومي

وكانت بريطانيا قد أسرعت بإصدار وعد بلفور بعدما استغل اليهود الظروف السياسية للمطالبة بـ “وطن قومي” يجمعهم، وتمكنت الحركة الصهيونية، وأغنياء اليهود بتأثير من روتشيلد أحد كبار أثرياء اليهود، إلى إصدار وعد بلفور، في خطوات تحضيرية سرية بعد إقناع وزير خارجية بريطانيا اللورد بلفور.

فقد جاء الوعد بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات دارت بين الحكومة البريطانية من جهة، واليهود البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية من جهة أخرى، واستطاع من خلالها الصهاينة إقناع بريطانيا بقدرتهم على تحقيق أهداف بريطانيا، والحفاظ على مصالحها في المنطقة.

وعلى الرغم من أنّ الرسالة لا تتحدث بشكل واضح وصريح عن تأييد الحكومة البريطانية لإقامة دولة لليهود بداخل الأراضي الفلسطينية، ولا تتضمن كلمة “دولة” بل تتحدث عن وطن، لكنها لعبت دورًا أساسيًا وبارزًا في إقامة الكيان الصهيوني الغاصب بعد 31 عامًا من تاريخ الرسالة، أي عام 1948.

ماذا عن الأجواء المُحيطة بصدوره وعد بلفور ؟

ففي نهاية 1915، بحثت بريطانيا وفرنسا تقاسم المقاطعات العربية التابعة لـ الإمبرطورية العثمانية المترنحة.

وفي 1916، اتفق كل من الفرنسي فرنسوا جورج – بيكو والبريطاني مارك سايكس على وضع فلسطين تحت إدارة دولية في إطار تقسيم للمقاطعات العربية التابعة للعثمانيين بين فرنسا وبريطانيا، مع حصول الأخيرة على الإدارة المباشرة لمينائي حيفا وعكا.

وبدخول الحرب العالمية الأولى عامها الأخير، سعت بريطانيا إلى تعزيز موقعها والحصول على دعم الحركة الصهيونية النامية وسط السكان اليهود في الدول الأوروبية والأميركية.

جاء هذا الوعد بعد الحرب العالمية الأولى، والتغيرات التي نجمت عنها، والمُتمثلة في نهاية أربع إمبراطوريات في أوروبا وآسيا، هي: الإمبرطوريات الروسية القيصرية، والنمساوية – هنجارية، والألمانية، والعثمانية، وقبل شهر واحد من احتلال الجيش البريطاني لـ فلسطين.

حيث ورثت بريطانيا وفرنسا الحليفتان في الحرب الأولى إرث الإمبراطورية العثمانية، وابتلاع الشرق وتقاسم الدول وخلق بعضها، وكانت فلسطين من نصيب بريطانيا، بعد تقسيم الغنائم.

وفي عام 1917 كانت القوات البريطانية بقيادة الجنرال أدموند أللنبي قد هزمت الجيش التركي عند قناة السويس، وراحت تتقدم بسرعة في داخل فلسطين، حيث دخلت القدس في 11 ديسمبر 1917 ( بعد شهر من صدور وعد بلفور ).

ما الدوافع التي التي جعلت بريطانيا تعطي هذا الوعد؟

أمّا عن الدوافع، فهُناك بعض المؤرخين يرجحون بأنّه اعتراف بخدمات Chaim Weizmann – حاييم وايزمان (1874-1952) الكيميائي، وأول رئيس وزراء للكيان الصهيوني فيما بعد، والذي ساهم في اكتشاف مادة الأسيتون الصناعي، والكمّامة في أدق مراحل الحرب العالمية الأولى، وكمُكافأة له سأله جورج رئيس الوزراء البريطاني آنذاك: “بماذا يستطيع أن أكافئك” فأجابه وايزمان: “اصنع شيئًا لشعبي” فكان وعد بلفور .

وهُناك من يتبنى وجهة النظر القائمة على أنّ بريطانيا منحت الوعد كـ تكفير عن الجرائم التي ارتكبتها أوروبا بحق اليهود، بُناءً على ما أعلنه بلفور نفسه في خطابه في مجلس اللوردات بالحادي عشر من يونيو عام 1922.

تلك الدوافع التي تذكرها المصادر المختلفة، لا تصمد أمام الدافع الحقيقي الكامن وراء إعطاء هذا الوعد، ألا وهو المصالح البريطانية وتوافقها مع مصالح الصهيونية، عبر عقلية إمبريالية استعمارية ضاربة الجذور في الثقافة البريطانية.

هل كانت بريطانيا وحيدة في جريمتها؟

إذا ما تتبعنا السياق التاريخي لنشأة الكيان الصهيوني، فإنّنا سنكتشف بأنّ بريطانيا لم تكن الداعم له وحدها، بل كان لها شركاء آخرون، وعلى رأسهم أمريكا الحليف الدائم لإسرائيل، فقد عرضت الحكومة البريطانية نص رسالة وعد بلفور على الرئيس الأميركي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره.

ثم وافقت عليه بعد ذلك فرنسا وإيطاليا رسميًا سنة 1918، ثم تبعها الرئيس الأميركي ولسون بشكل رسمي عام 1919، وكذلك اليابان.

وفي أبريل عام 1920، منح مؤتمر روما لندن الانتداب على فلسطين، حيث وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر سان ريمو على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسبما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب.

وفي عام 1922 وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب، الذي دخل حيز التنفيذ عام 1923، وبحسب نص الانتداب تتولى بريطانيا مسؤولية إرساء وضع سياسي وإداري واقتصادي من شأنه أن يضمن إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.

وفي الرابع عشر مايو عام 1948، أعلن ديفيد بن جوريون إقامة الكيان الإسرائيلي مع انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين.

من قلب الكيان الصهيوني: في تل أبيب الكُل فاسدون

هكذا، مرت مائة عام على وعد بلفور ، وسبعون عامًا على قرار التقسيم، وخمسون عامًا على حرب يونيو، وأربعة وأربعون عامًا على حرب أكتوبر، وغيرها من المحطات التاريخية التي تمركزت على منحنى الصراع بين العرب وإسرائيل، لتحكي مأساة كُبرى بدأت وقائعها برسالة كتبت في الخفاء بأجواء يسودها الظلام الدامس.

وأخيرًا … هل تقدم بريطانيا ولو اعتذارًا عن هذا الوعد، وما تبعه من أهوال عاشها العرب من جرائه؟ لا أظن …

2

شاركنا رأيك حول "مائة عام مرت على وعد بلفور الباطل المشؤوم … ويبقى التاريخ مُمتدًا"