جاريد كوشنر … اليد الخفية وراء تمسك ترامب بقرار القُدس المجحف

جاريد كوشنر صهر ترامب ... اليد الخفية وراء التمسك بقرار القدس عاصمة اسرائيل المجحف
0

يتصاعد التوتر العالمي بشأن وضع القُدس العربية المُحتلة، والتي تضرب جذورها العربية أعماق التاريخ مُنذ أكثر من 60 قرنًا من الزمان، وأي مساس بتلك الحقيقة يُهدم مساعي عملية السلام، التي يتحدثون عنها ليل نهار.

بعدما رفعت الولايات المتحدة الأمريكية (18 ديسمبر 2017)، آخر حق نقض/فيتو أمريكي (حق الاعتراض على أي قرار يقدم لمجلس الأمن دون إبداء أسباب) ضد القضية الفلسطينية، أمام مشروع عربي بخصوص وضع مدينة القدس، للتمكن من إسقاطه، ليكون بذلك الفيتو الـ 43 الذي ترفعه أمريكا ضد الدولة الفلسطينية لمصلحة الكيان الصهيوني الغاصب، من أصل 76 مرة استخدمته فيها.
اقرأ أيضاً: أوامر واختصارات رائعة تجعلك محترفاً في استخدام برنامج الإكسل

فقد استخدمته الولايات المُتحدة ضد مشروع القرار المصري بشأن وضع القدس العربية، وتدعو مسوّدته التي وزعتها مصر على الدول الأعضاء إلى الامتناع عن نقل بعثاتها الدبلوماسية إلى القدس، كما نصت على أنّ أي قرارات أحادية الجانب حول وضع المدينة ينبغي ألّا يكون لها أثر قانوني، ويجب إلغاءَها.

مما حاز على تأييد 14 دولة من أصل 15، هم: (مصر، الصين، فرنسا، روسيا، بريطانيا، السنغال، إثيوبيا، اليابان، كازاخستان، أوروجواي، بوليفيا، السويد، إيطاليا، وأوكرانيا)، مقابل صوت واحد ضده هو الولايات المتحدة، التي استخدمت حق الفيتو، خلال جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي، بناءً على طلب من مصر.

فيما أكدت Nikki Haley – نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، أنّ بلادها استخدمت الفيتو دفاعًا عن دور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي عملية السلام، ووصفت التصويت بأنّه إهانة لن تُنسى، قائلةً:

“نرفض اتهامنا بالانحياز، ونحترم رغبة شعبنا في نقل سفارتنا إلى القدس”.

واشنطن تستخدم الفيتو ضد مشروع قرار بشأن القدس
واشنطن تستخدم حق الفيتو ضد مشروع مصري بشأن القدس

ويأتي ذلك على خلفية إعلان الرئيس الأمريكي Donald Trump – دونالد ترامب اعترافًا ضمنيًا بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني إسرائيل، ونقل سفارة واشنطن إلى هُناك، بما يجعل الولايات المتحدة أول دولة في العالم تعترف بتلك الهرطقة.

وذلك تصديقًا على قرار للكونجرس الأميركي في 1995، والذي أرجَأ الرؤساء الأميركيون السابقون تنفيذه، لـ يُمثل بذلك قرار ترامب خروجًا عن النهج المعتمد لدى الولايات المتحدة منذ عقود، والذي يقضي بعدم المساس بوضع مدينة القدس، وتركه إلى حين توصل الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني إلى اتفاق بشأنها.
اقرأ أيضاً: أفضل ستة متاجر بديلة لمتجر Google Play
وهو الأمر الذي أشادت به حكومة الكيان الصهيوني وحلفاؤها، وأدانه الفلسطينيون والعرب، الأمر الذي أثار موجة عارمة من الغضب العربي والدولي، وأثار العديد من ردود الفعل الدولية الرافضة له.

ترامب بعد إعلان الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل
ترامب بعد إعلان الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي

فيما نجد أنّ ثمة شخص من الدائرة المقربة لترامب اضطلع بدور رئيسي في قراره بشأن القُدس، يُعد اليد الخفية التي تلعب من خلف الستار … إنّه Jared Kushnerجاريد كوشنر، زوج ابنته الكُبرى Ivanka Trump – إيفانكا ترامب، فهو كبير مستشاري البيت الأبيض، والذراع الأيمن لترامب وكاتم أسراره الأمين، ويلعب دورًا حاسمًا في إدارة دونالد ترامب، كـ أقوى صهر رئاسي تطأ قدماه البيت الأبيض، واليد الخفية، بل ورأس الأفعى الحقيقي.

فمن يكون جاريد كوشنر، وما مدى علاقته بإسرائيل، وتأثيره على عملية صُنع القرار بداخل أروقة البيت الأبيض؟

دونالد ترامب وجاريد كوشنر أثناء زيارة إسرائيل
دونالد ترامب وجاريد كوشنر أثناء زيارته للكيان الصهيوني إسرائيل

جاريد كوشنر رجل أعمال ومُستثمر ومليونير واسع الثراء، يعمل في مجال التطوير العقاري، وله أعمال تجارية متعددة أخرى.

ولد في يناير 1981، لعائلة ثرية فهو الابن البكر لـ تشارلز كوشنر، أحد أقطاب العاملين في مجال العقارات، وله شقيقتان وشقيق واحد، ونشأ في ليفنغستون بمدينة نيوجيرسي.

ودرس علم الاجتماع في جامعة هارفارد، وحصل على اللقب الثاني في إدارة الأعمال في جامعة NYU المرموقة، وفي عام 2006 عندما كان لا يزال في الخامسة والعشرين، فاجأ كوشنر الشاب عالم الأعمال الأمريكي عندما اشترى صحيفة New York Observer، في صفقة تُقدر قيمتها بعشرة ملايين دولار، وما زال مالكها حتى الآن.

وفي عام 2007 تخرج كذلك في جامعة نيويورك في الدراسات العليا بمجال القانون وإدارة الأعمال، ويتولى حاليًا أعمال عائلته في مجال العقارات.

وفي عام 2008، تولى إدارة شركة العائلة بعد أن سُجن والده عام 2005 جراء اتهامه بالتهرب الضريبي، وتقديم تبرعات لحملات انتخابية بشكل غير قانوني، والتلاعب بالشهود وشهادة الزور وتقديم رشاوى، وهي القضية التي لاحقه فيها كريس كريستي حاكم ولاية نيو جيرسي.

وفي عام 2009، اقترن جاريد كوشنر بإيفانكا ترامب، وأقيم حفل الزفاف في نادي ترامب للعبة الغولف في نيو جيرسي، وللزوجين الآن 3 أطفال.

إيفانكا ترامب تصلي وتبكي أمام حائط البراق
إيفانكا ترامب تصلي وتبكي أمام حائط البراق

ومن المُثير للاهتمام أن نعلم أنّ إيفانكا ترامب قد تحولت لليهودية، وأصبح اسمها اليهودي ياعيل؛ كي تتمكن من الزواج من جاريد كوشنر، نظرًا لرفض عائلته اليهودية المُحافظة زواجه من غير يهودية، ويحرص جاريد وإيفانكا على زيارة الكنيس، والحفاظ على قدسية شعائر يوم السبت، وفقًا للعقيدة اليهودية.

وتقول إيفانكا في كتابها Women Who Work، عن شعائر عائلتها في العطلة اليهودية الأسبوعية:-

“أقيم وعائلتي شعائر السبت بدايةً من غروب شمس الجمعة إلى ليل السبت، وخلال هذا الوقت، ننقطع تمامًا عن العالم، لا رسائل بريد إلكتروني، ولا تلفزيون، ولا مكالمات هاتفية، ولا إنترنت، ونتمتَّع بوقت الانقطاع معًا. إنَّه رائع”.

غير أنّهم يخرجان عن تلك التقاليد الدينية في بعض المُناسبات الهامة، مثلما حدث في زيارتهما للمملكة العربية السعودية، والتي تزامنت مع يوم السبت، مما استدعى حصولهما على إذن مُسبق من حاخام يهودي، فيحظر على اليهود خلال يوم السبت التنقل.

إيفانكا وجاريد في السعودية
إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر في السعودية خروجًا على تعاليم اليهودية

ومن المعروف أيضًا، أنّ جاريد كوشنر ميوله الدينية يمينية، فهو يهودي أرثوذكسي مُتعصب، درس في مدرسة يهودية خاصة مُنذ الصغر، وحفيد لعائلة نجت بكافة أفرادها من المحرقة النازية المزعومة لليهود، ونزحت للولايات المتحدة الأمريكية.

ولعائلته علاقات وثيقة بإسرائيل، والعديد من النشاطات الداعمة لها، فـ كوشنر الأب له أعمال عقارية هُناك، فهو شريك في صندوق استثمار عقاري أميركي إسرائيلي، وسبق بأن قام بإهداء 11.5 فدان لمستشفى شار زيديك الإسرائيلي، فضلًا عن تقديم تبرعات للمستوطنات الإسرائيلية.

حفل زفاف إيفانكا ترامب على جاريد كوشنر
إيفانكا ترامب قد تحولت لليهودية من أجل إتمام زواجها بـ جاريد كوشنر

وبالعودة إلى جاريد كوشنر نفسه، والذي يعتبر إلى جانب زوجته الابنة المفضّلة لدى ترامب، من الدائرة المُقربة جدًا لصُنع القرار لدى الرئيس الأمريكي، وذراعه في الشرق الأوسط.

كما لعب كوشنر دورًا كبيرًا من وراء الكواليس في حملة ترامب الانتخابية، فكان بمثابة المُهندس التقني لحملة ترامب الانتخابية على الإنترنت، حيث تولى مسؤولية الإشراف المُباشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقام بإعداد وكتابة عدد من خطابات ترمب، وتنظيم الزيارات له، كما تولى تصميم خطة انتقال الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض، وأنفق من ماله ما لا يقل عن 100 ألف دولار لدعم ترامب.

وكان المسؤول عن إعداد خطة انتقال فريق ترامب للبيت الأبيض، بل ومن المُعتقد أنّه هو من اختار Mike Pence – مايك بنس كنائب لرئيس الولايات المُتحدة، حيث أقال كريس كريستي حاكم ولاية نيو جيرسي بصورة مفاجئة من منصب رئيس الفريق الانتقالي، وتعيين مايك بنس نائب ترامب بدلًا منه.

يُعتقد أنّ إقالة كريستي كانت نتيجة عداوة قديمة بينه وبين كوشنر. حين كان كريستي مدعيًا عامًا فيدراليًا، لاحق قضائيًا والد كوشنر في القضية التي سجن فيها.

جهوده تلك هي ما أدت في النهاية لوصول ترامب للرئاسة، ولذا فمن الطبيعي أن يكافأه، فـ عقب جلوس ترامب على مقعد البيت الأبيض، قام بتعيين صهره جاريد كوشنر رسميًا كمُساعد ومُستشار لرئيس الولايات المُتحدة، ليتولى بعدها أدوار مهمة ومتعددة في الإدارة الأمريكية.

ترامب أمام حائط البُراق
ترامب أمام حائط البُراق أثناء زيارته لدولة الاحتلال الإسرائيلي

وبصفة خاصة فيما يتعلق بملف الشرق الأوسط، بعدما أوكل إليه الكثير من المهام المتعلقة بالحرب على داعش، وعملية السلام في الشرق الأوسط، بعدما عهد إليه أن يكون نقطة الاتصال بهذه القضية، كونه المسؤول عن ملف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، ليُشكل بدوره فريقًا من الخبراء للعمل على التوصل الى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين عن طريق المفاوضات.

هذا بالأضافة إلى أنّه وضع لمساته الشخصية على واحدة من أخطر صفقات ترامب، كأحد المُنسقين لصفقة أسلحة الـ 110 مليار دولار، أكبر صفقة أسلحة في العالم، والتي تمت بين المملكة العربية السعودية والولايات المُتحدة الأمريكية، بما يُعد خرقًا للعرف السائد داخل البيت الأبيض، بإبعاد مسؤولية صفقات الأسلحة، وجعلها مختصة بوزارة الدفاع البنتاجون، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.

In the United States and Saudi Arabia, unelected men in their thirties, like Kushner and Prince bin Salman, have swiftly amassed power.

Posted by The New Yorker on Friday, 12 May 2017

ولا يزال مدى تأثير كوشنر على ترامب بهذا الشأن غير واضح، غير أنّه يأتي في مقدمة الشخصيات التي عجلت بالقرار، ومن الأرجح أن يكون له رأي هام في المناقشات التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار التاريخي بشأن القُدس.

إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر
إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر

هذا وفي سياق مُتصل، تحظى القُدس عبر تاريخها بتقديس أتباع الديانات السماوية الثلاث، فـ يوجد بها كنيسة القيامة والمسجد الأقصى وحائط البُراق، ويمثل مصيرها أحد أبرز القضايا المُزمنة في الصراع العربي الإسرائيلي، ومُعضلة جوهرية في صميم الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، إذ يعتبر الفلسطينيون أنّ القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية، ولا يمكن التفاوض بشأنها إلّا في إطار حل الدولتين.

فقد خضعت فلسطين للاحتلال البريطاني عام 1917، وقد أحيل ملف القدس إلى الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، فأصدرت قرار تدويل المدينة في 29 نوفمبر 1947.

في عام 1948 أنهى البريطانيون انتدابهم على فلسطين، وفي 3 ديسمبر 1948 أعلن ديفيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل أنّ القدس الغربية عاصمة لإسرائيل، بينما خضعت القدس الشرقية وفيها مجمع الأقصى للأردن.

حتى احتلت إسرائيل القدس الشرقية في حرب النكسة عام 1967، واعتبرت المدينة بأكملها عاصمة غير مقسمة لها، لكن المجتمع الدولي لم يعترف بأنّها جزء من إسرائيل، بينما استمرت السلطات الإدارية على مجمع الأقصى بين يدي السلطات الأردنية.

ويطالب الفلسطينيون بأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية، ووفقًا لاتفاقية السلام الموقعة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عام 1993، وتطالب قرارات كثيرة للأمم المتحدة إسرائيل بالانسحاب من المناطق المحتلة إبّان حرب 1967، وشددت على ضرورة إنهاء احتلال تلك الأراضي.

وكان مجلس الشيوخ الأمريكي قد تبنى عام 1995 قرارًا جاء فيه أنّ مدينة القدس عاصمة إسرائيل ولا يجب تقسيمها، ويقضي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لكنه تضمن تعديلًا يسمح للرئيس بتأجيل تنفيذه لمدة ستة أشهر في إطار المصالح الوطنية للبلاد.

وهو ما لجأ إليه الرؤساء السابقون، حيث قاومت الإدارات الأمريكية المُتعاقبة مساعي اسرائيل وقرار مجلس الشيوخ لنقل سفارة الأمريكية إلى القدس، والتزمت سياسة ترك مصير المدينة النهائي لمفاوضات الطرفين؛ لعدم القضاء على تطلعات السلام.
اقرأ أيضاً: أسهل الطرق لتغيير اسمك على فيسبوك دون انتظار مهلة 60 يوم ؟!

وفي ديسمبر من العام الماضي 2016، وافق مجلس الأمن على قرار ينص على عدم الاعتراف بأي تعديلات في خطوط الرابع من يونيو 1967، من بينها ما يتعلق بالقدس، عدا ما يُتفق عليه خلال المفاوضات المشتركة.

ليُعد بذلك قرار ترامب الأخير، واستخدام حق الفيتو الأمريكي، تحدي سافر وخارق لكُل الأعراف المُتبعة تجاه قضية القُدس، لم يجرؤ رئيس أمريكي قبله على القيام به.

وأخيرًا يبقى السؤال، هل يفعلها ترامب وينقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟ وماذا سيكون موقف الدول العربية حينها؟ هذا ما ستكشف عنه الحلقات القادمة من الصراع العربي – الإسرائيلي …

0

شاركنا رأيك حول "جاريد كوشنر … اليد الخفية وراء تمسك ترامب بقرار القُدس المجحف"