الفقراء لا يزدادون فقرًا: نظرة تاريخية على أوضاع الفقر العالمي

نسبة الفقر في العالم في تناقص مستمر، فهل الفقراء لا يزدادون فقرًا كما تعلمنا؟
0

“حُلمُنا هو تحقيق عالم خالٍ من الفقر.”

تلك العبارة الطموحة، التي نُقِشَت على الحجر، بالمدخل المُؤدي لمقر البنك الدولي في واشطن؛ كـ تذكرة واضحة بأحد أهدافه، هل تتحقق فعليًا؟ هل ينتهي الفقر من العالم؟!

كُن مُتفائلًا، فهُناك أمر يحدث قد لا يصدقه الكثيرون، وأنت منهم. فـ جميعنا يعلم أنّ الأغنياء يزدادون غنى، ولا شك في ذلك، لكن على الجانب الآخر وعكس المُتوقع تمامًا، الفقراء لا يزدادون فقرًا!

حيث يشهد العالم حاليًا تراجعًا في مُعدلات الفقر المُدقع العالمي، وذلك بحسب تقارير البنك الدولي نفسه، فعندما يتعلق الأمر بموضوع الفقر المُدقع العالمي، يكون البنك الدولي هو المصدر الأساسي للبيانات، فهو من يضع خط الفقر العالمي.

ومُؤخرًا أعلن Jim Yong Kim – جيم يونغ كيم رئيس مجموعة البنك الدولي، أنّه في عام 1990، كان 43% من سكان بلدان العالم النامية يعيشون على أقل من 1.25 دولار للفرد يوميًا، أمّا اليوم، فقد انخفض معدل الفقر على مستوى العالم إلى أقل من 20%، وذلك للمرة الأولى من نوعها.

وقد سبق للبنك الدولي أن أعلن عام 2015 عن رفع خط الفقر العالمي إلى 1.90 دولار في اليوم، بدلًا من 1.25 دولار في اليوم، وهو المُستوى الذي سبق اعتماده عام 2008.

القضاء على الفقر: الفُقراء لا يزدادون فقرًا
تاريخ الفقر العالمي يثبت أنّ الفُقراء لا يزدادون فقرًا

وقد يتساءَل البعض ما هو الفقر المُدقع، وخط الفقر؟!

في البداية يجب أن نتعرض لمفهوم الفقر – Poverty، والذي يُعد من أخطر المظاهر الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد العالم، فهو حالة اقتصادية تدل على العوز والحرمان، مع عدم القدرة على التمتُع بالقدر الكافي بالاحتياجات الأساسية في الحياة؛ كنتيجة لافتقاد الفرد الدخل الكافي للحصول على الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية لتأمين مستوى لائق في الحياة.

https://www.arageek.com/2017/02/08/economic-idioms-should-know.html

ومن هنا يظهر مصطلح الفقر المُدقع/المُطلع – Extreme Poverty وهو مستوى أشد من الفقر، يتمثّل بالعجز عن توفير تكاليف المتطلبات الدنيا الضرورية من الخدمات العامة الأساسية، حيث من المأكل والملبس والمأوى والتعليم والرعاية الصحية ومياه الشرب المأمونة.

وعلى هذا الأساس يقوم البنك الدولي بتحديد مستوي لـ عتبة/خط الفقر – Poverty Line، هو أدنى مستوى من الدخل يحتاجه الفرد حتى يكون بإمكانه توفير مستوى معيشة ملائِم في بلدٍ ما، فإذا كان دخل الفرد دون هذا المستوى يُعتبر فقيرًا.

وبالنظر إلى التاريخ البشري مع الفقر، وفقًا لما ورد بـ تقرير نشرته منظمة Our world in Data تحت عنوان “The Visual History of World Poverty” سنجد أنّ هُناك تراجع تاريخي للفقر المدقع في العالم، بالدول الأقل نموًا أو ما يسمى بـ “نادي الفقراء”، فعكس المُتوقع الفقراء في العالم لا يزدادون فقرًا، بل تتحسن أوضاعهم بشكلًا ملحوظ.

ولفهم ما يحدُث، عليك الانتقال لمُتابعة معرض الصورة والخرائط والرسومات البيانية والتوضيحية التالي، لتتأكد بنفسك، أنّ تاريخ الفقر العالمي يثبت تحسُن أوضاع الفقراء حول العالم.

فقد كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي GDP في العام الأول لبداية التتبُع، المُمثل بالدولار كان له نفس القوة الشرائية للدولار الأمريكي في عام 1990، أمّا بالنسبة للماضي البعيد فليس هُناك بيانات يُمكن البناء عليها، ولكننا نعرف أنّ مستوى المعيشة كان منخفضًا جدًا بالمقارنة مع العصر الحديث.
وعلى مدى الـ 1000 عام التالية لم يتغير شيء، ظلت جميع البلدان فقيرةً، ولكن في حوالي 1500 م، بدأت مستويات المعيشة في التحسن خلال عصر النهضة في إيطاليا.
وعلى مدى القرنين التاليين، انتقل مركز الازدهار إلى الشمال الغربي من أوروبا.
فقد أدى التنوير إلى الدخول في التصنيع، ثم بدأت في الزيادة بسرعة.
ولكن مع مرور الوقت نرى كيف كان التغيير والتحول الدراماتيكي، فـ بالمقارنة مع الزيادة السريعة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بعد عام 1800، فإنّ كل التغيير قبل ذلك بالكاد كان مرئيًا، ويبين هذا الرسم البياني الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لدراسة البلدان النامية التي تعود عليها الدراسة.
في أوائل القرن العشرين بدا العالم هكذا.
ثم حدث كل شيء بسرعة كبيرة، فـ بحلول عام 1960، بدأ زيادة الازدهار في العديد من الأماكن في جميع أنحاء العالم.
واليوم أصبح العالم أكثر ثراءً من أي وقت مضى، وبدأت البلدان في جميع أنحاء العالم في النمو.
لماذا يُعد الـ Prosperity أو الازدهار/الرفاهية المهم؟ لأنّ مستويات المعيشة والسعادة ترتفع ذاتيًا مع زيادة الدخل للأفراد، مما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى الرخاء، وهذه الصورة توضح ارتفاع مُستويات الدخل، والصحة، والرفاهية في جميع أنحاء العالم. وفقًا لـ مجلة Economic Perspectives.
ولكن، قبل أن نذهب إلى عدم المساواة، دعونا نُلقي نظرةً إلى الأسوأ ونرى كيف تغير الفقر، لقد عاشت الغالبية العظمى من السكان في العالم في فقر مُدقع في معظم فترات التاريخ، وقد بدأ ذلك يتغير مع النمو الاقتصادي الحديث.
ولدينا في العقود القليلة الماضية بيانات أفضل عن الفقر العالمي، وفقًا لبيانات البنك الدولي، وانخفض الفقر المدقع في العالم من 44% إلى أقل من 10%، وهو انخفاض أسرع من أي وقت مضى.
دعونا نعود إلى مسألة كيفية توزيع الازدهار/الرفاهية، ففي عام 1988 بدا العالم على هذا الشكل، والذي يُظهر بشكل مُقسم بوضوح فرق التوزيع بين الأغنياء والفقراء.
وفي عام 1993، نرى أنّ هذا التوزيع بين الأغنياء والفقراء بدأ يتغير.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، توقف تفاوت الدخل العالمي عن الزيادة، وبدأ في الانخفاض.
فبدأنا نرى نموًا قويًا في الدخل في آسيا، مما يحول توزيع الدخل العالمي.
وأصبحنا نجد تحرك المزيد من الأفراد نحو حق خط الفقر Poverty Line، بعيدًا عن الفقر المدقع Extreme Poverty.
رسم بياني لتوزيع الدخل العالمي مع أحدث البيانات، والمُفاجأة لقد تغير العالم تغيرًا جذريًا منذ عام 1988 وأصبح أكثر مساواةً.
إلى أين هذا التغيير الاقتصادي الهام يقود الآن؟ تظهر هذه الخريطة مستويات الازدهار/الرفاهية مُؤخرًا، ولكن لرؤية اتجاه التغيير علينا أن ننظر إلى معدلات النمو.
هنا يمكننا أن نرى كيف نما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي GDP على مدى العقد الماضي. لنقارن هذه الخريطة مع الخريطة السابقة.
الخريطة في الأعلى تُمثل التوزيع غير المتكافِئ للثروة عبر البلدان. قارن ذلك بمعدلات النمو في الخريطة أدناه، لاحظ كيف تنمو البلدان الفقيرة بشكل أسرع، وهُنا المُفاجأة لقد أصبحنا عالم أكثر مساواةً!

وهو ما يوضح لنا، بالدليل القاطع وفقًا لبيانات البنك الدولي المُعلنه، أنّ العالم يسير في الاتجاه الصحيح، وأنّ الفقراء لا يزدادون فقرًا، حيث تزداد الدخول في جميع أنحاء العالم، ومستويات الفقر العالمي آخذه في الانخفاض بسرعة، وباتت أشد البلدان فقرًا تنمو بصورة أسرع مما يمكن.

ولكن علينا الانتباه جيدًا، وعدم الوقوع في شباك فخ الشعور بأنّه ليس هُناك أفضل مما نحن عليه الآن من إنجاز، والسعي للحفاظ على كافة الجهود المبذولة لصالح تحسين أوضاع الفُقراء، فقد بات هُناك أمل في فرصة حقيقية لإنهاء الفقر المُدقع في العالم.

في النهاية ما يجب أن نتفق عليه، هو أنّ الفقر قد يبدو للوهلة الأولى في ظاهره مشكلةً داخليةً في بعض المُجتمعات، إلّا أنّه وليدة اختلال حاد للنظام الاقتصادي العالمي، وليس مُحصلة عامل واحد بل مُحصلة عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية.

0

شاركنا رأيك حول "الفقراء لا يزدادون فقرًا: نظرة تاريخية على أوضاع الفقر العالمي"

أضف تعليقًا