رواية دان براون: الأصل … حقيقة الصراع الأزلي بين العلم والدين

8
“يجب أن تكون لدينا الرغبة في التخلي عن الحياة التي خططنا لها؛ لكي ننال الحياة التي نستحقها”

هكذا اقتبس دان براون مقولة الكاتب الأميركي “جوزف كامبل” المشهور بكتاباته حول الأساطير والميثولوجيا المقارنة وعلم الأديان، لتكون الجملة الأولى في رواية دان براون الجديدة “أصل”، والرواية الخامسة التي تضم صديقنا المحبوب، البروفيسور تعيس الحظ روبرت لانغدون، والذي غالبًا ما يجرّه حظّه التعيس للوقوع في المشاكل ليجد نفسه في وسط مؤامرة مليئة بالرموز والشيفرات والمطاردات والهرب.

“جميع الأعمال الفنية والمعمارية، والمواقع، والحقائق العلمية، والمنظمات الدينية المذكورة في هذه الرواية حقيقية”.

العبارة الثانية والمشتركة في جميع كتب دان براون، والتي من دونها ستشعر حتمًا أنّ هناك نقص ما في الرواية، فقد أصبحت كالتوقيع الأدبي الخاص بروايات هذا الكاتب، والذي لن تكتمل روايته إلّا بدونها.

حقوق الصورة: الدار العربية للعلوم ناشرون

صدرت رواية “أصل” في الثالث من أكتوبر من عام 2017، وتصدرت فورًا قائمة أكثر الكتب المباعة، وقد انتهت مؤخرًا “الدار العربية للعلوم ناشرون” من ترجمة الرواية إلى اللغة العربية وتجري حاليًا طباعتها ليتم توزيعها قريبًا إلى الدول العربية، وحسب تصريح دار النشر فإنّها ستتوفر بدايةً من الأسبوع القادم (14\01\2018)  في أغلب المكتبات العربية.

من أين أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟

في هذه الرواية دمج دان براون ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، ضمن حبكة رائعة – كعادته – في ربط جميع الأحداث مع بعضها. تتحدث الرواية عن عالم التكنولوجيا العبقري “إدموند كيرش” الذي يقيم مؤتمرًا ضخمًا في متحف غوغنهايم في إسبانيا، المتحف الشهير ذو القوام المتموّج المبعثر المصممّ من قبل المعماري فرانك غيري؛ وذلك لكشف النقاب عن اكتشافه الأخير ضمن عرض تفاعلي، الاكتشاف الذي سيجيب بوضوح عن السؤالين السابقين اللّذين شغلا بال جميع الأشخاص منذ بدء البشرية، وإنّ هذا الاكتشاف سيؤدي ليس فقط إلى زلزلة معتقدات وأسس جميع الأشخاص الموجودين على هذا الكوكب، وإنما سيحطّمها.

لكن ما علاقة روبرت لانغدون بذلك؟ في الحقيقة إنّ إدموند كيرش هو أحد طلاب روبرت لانغدون القدماء، والذي أصبح من أصدقائِه نظرًا لحنكته الفذّة وعبقريّته، فقد قام بدعوة روبرت لانغدون إلى ذلك المؤتمر والذي سيكون له دور بارز ومثير للجدل ضمن العرض، لكن بعد بدء ذلك العرض، والذي يتم بثّه في جميع أنحاء العالم، وبعد انتهاء المقدمة الحماسية – والمستفزة – وقبل إعلان كيرش عن اكتشافه الذي سيغيّر من وجه العالم، حدث شيء صادم وغير متوقع أغرق صالة العرض في حالة من الفوضى، وأصبح اكتشاف كيرش على شفير الضياع، مما دفع بروبرت لانغدون للبدء برحلته المعتادة في المطاردات والهرب ضمن متاحف وشوارع ومدن إسبانيا، وهذه المرة برفقة مديرة المتحف – وخطيبة الملك جوليان، ولي عهد إسبانيا وابن الملك المريض – الجذابة “أمبرا فيدال” لمساعدته على إيجاد كلمة سر مشفّرة من شأنها المساعدة في كشف سر إدموند كيرش.

تبدأ بعدها رحلة هرب لانغدون وفيدال ضمن الممرات المظلمة في إسبانيا، هربًا من المعتقدات المتطرّفة وذلك العدوّ المجهول الذي يحاول أن يدفن اكتشاف كيرش بأي ثمن، ضمن رحلة تعدّ الأولى من نوعها لروبرت لانغدون في الفنّ الحديث.

لا تخلو الرواية من الوصف الدقيق والمذهل للأعمال الفنية والمعمارية المذكورة، كعادة دان براون في جميع روايته، فهو يبدع دائمًا في هذه الناحية، مما يجعلك تقرأ تلك الأعمال وكأنّك تراها، وبوصفه الدقيق الذي يحفّز مخيّلتك على رسم تلك الأشكال والتحف والفراغات في دماغك، ستشعر كأنّك ترى فيلمًا أمامك، وليس كأنّك تقرأ رواية. جميع من قرأ أعمال دان براون سيعرف تمامًا مقصدي، لكن إذا لم تكن قد بدأت بأعماله بعد، فماذا تنتظر؟

ملاحظة مهمة: لا تشاهد الأفلام المقتبسة عن روايات دان براون إلّا بعد انتهائك من قراءتها، فرواياته تتفوّق بأضعاف مضاعفة على الأفلام.

بالعودة إلى رواية “أصل”، فقد حاول فيها دان براون الإجابة عن أصل الجنس البشري (وليس أصل الكون)، وإلى أين نتّجه نحن البشر، مجيبًا بذلك عن السؤالين الأكثر تداولًا وإثارةً للجدل منذ بدء البشرية وحتى اليوم، وذلك ضمن إطار ديني علمي غلب عليه طابع الخيال العلمي المسلّي. لقد لعب دان براون هذه المرة على الوتر الفاصل بين الإلحاد والإيمان، مع تحيّزه الغير مباشر نحو الإلحاد من خلال بطل الرواية الثانوي “إدموند كيرش” نفسه. لذلك، سيلاحظ القارئ العربي بعض الاختلاف في هذه الرواية عن الروايات السابقة من ناحية الموضوع.

ستتعرف في هذه الرواية على “مؤتمر أديان العالم”، وعلاقتهم بالعالِم المثير للجدل إدموند كيرش، والذي طلب أن يجتمع معهم بشكل سري قبل إعلان العرض للعالَم وأخذ رأيهم، لكن لا تنخدع بظاهر الأشياء، فالأمور لم – و لن – تكون بهذه البساطة، فلا يوجد أي بساطة في رواية كهذه، وسيشكل أعضاء مؤتمر أديان العالم المحور الثاني من محاور هذه الرواية، والتي تكوّنت بشكل رئيس من حوالي 3 أو 4 محاور يتم التنقّل بينهم بعناية رائعة وحبكة مشوّقة.

أمّا من الناحية البوليسية، فقد كان هذا العنصر حاضرًا بكل تأكيد من خلال المطاردات والهرب والشيفرات الرقمية والكتابية التي يتم حلّها بطريقة ذكية جدًا من قبل روبرت لانغدون، ولو أنّها كانت بنسبة أقل من الروايات السابقة، إلّا أنها شكّلت عاملًا مهمًا بالتأكيد في تسهيل المهمة واكتشاف المجهول. بالإضافة لذلك، الرواية تعجّ بالحقائق العلمية الغنية التي ستزيد من معرفتك الأدبية عمومًا والتكنولوجية خصوصًا، وأنصحك أن تقرأ عن مجال الذكاء الاصطناعي إذا لم تكن على اطّلاع به؛ لأنّه سيشكّل عنصرًا مهمًا من عناصر الرواية، والذي اتخذ به دان براون موقفًا مشوّشًا حيال نفعه علينا أو ضرره.

التغيّرات والمنعطفات الموجودة في هذه الرواية ستفاجِئك بالتأكيد، وقد تصيبك بالذهول والصدمة في بعض الأوقات، لدرجة أنّني شخصيًا أنهيت قراءة هذه الرواية المؤلفة من 462 صفحة في غضون يومين فقط، ضاربًا بعرض الحائط جميع الواجبات والامتحانات التافهة من مقرراتنا الأتفه، التي تمتد كـ سرب من الدبابير السامّة الممتد من اللانهاية السالبة إلى اللانهاية الموجبة.

نظرًا للموضوع الحساس الذي تطرّقت له الرواية فإنّها لن تنال استحسان جميع القُرّاء، حتى أنّ بعض القُرّاء الأجانب ضمن موقع goodreads وصف محتواها “بالسخف والكلام الفارغ”، لكنها في النهاية تبقى رحلةً مشوّقةً مليئةً بالفن والإثارة ضمن شوارع إسبانيا، ونظرةً مثيرةً وممتعةً في مجال الخيال العلمي.

استعد يا توم هانكس فالأصل صارت جاهزةً، ولكن بعد الفشل الذي حققه الفيلم السابق “الجحيم”. من هو المخرج الذي تفضّلون أن يتولى مهمة إخراج فيلم مقتبس عن الرواية؟

في النهاية أحب أن أختم المقال بمقولة رائعة لدان براون ومعبّرة جدًا أثناء فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من معرض الشارقة الدولي للكتاب في مركز إكسبو الشارقة، والذي أُقيم في 6 نوفمبر من عام 2014:

“الدين والعلم لغتان مختلفتان، ولكنهما ترويان نفس القصة في محاولتهما تفسير ما يدور بالحياة”.
8

شاركنا رأيك حول "رواية دان براون: الأصل … حقيقة الصراع الأزلي بين العلم والدين"