قوائم الكتب الأعلى مبيعًا: خدعة أم حلوى؟!

الكتب الأكثر مبيعًا
5

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

هذه الأيام قوائم الكتب الأعلى مبيعًا هي الوسيلة الأشهر والأسهل لإشهار العمل الفني المعين وجذب الأنظار إليه، فكل مكتبة أو دار نشر كبيرة تقوم كل فترة بتجديد قائمة الكتب الأعلى مبيعًا لديها لتزيد من شهرة تلك العناوين، فبالتالي من شهرة الكاتب، مما تترتب عليه نسب مبيعات مرتفعة وأموال كثيرة تدخل للمكتبة، الدار، والكاتب بالطبع. لكن تلك القوائم ليس بالضرورة أن تحتوي على أعمال أدبية تستحق أن تُطالَع من الأساس. كيف ذلك، وهي كتب حققت كل تلك المبيعات الصاروخية!

هذا ما سنتحدث عنه اليوم عبر تشبيهنا تلك القوائم بلعبة عيد الهلع الشهيرة بالدول الأوروبية (خدعة أم حلوى – Trick or treat)، وفيها يرتدي الأطفال الملابس التنكرية المرعبة ثم يتجولون بين البيوت ليعرضوا على أصحابها سؤالًا ثابتًا “خدعة أم حلوى؟!”، وفيها يجب على صاحب المنزل أن يعطيهم الحلوى، فإذا اختار الخدعة ورفض إعطاء الحلوى فسيلقي الأطفال الكثير من الأسحار على صاحب المنزل وممتلكاته ليلحقوا به الأذى. قوائم الأعلى مبيعًا تطرح عليك نفس السؤال، هي تريد إعطاء الكاتب “المال” من أجل كتابه أم لا؟! فإن لم تفعل ستحل عليك “أسحار” الجهل الكُبرى بأنّك لم تقرأ هذا العمل الأسطوري بعد. الآن سنتحدث قليلًا عن تلك القوائم وسأترك الحكم لكم في النهاية.


كيف تصل الكتب إلى تلك القوائم؟!

1) المحتوى الجاذب

بكل تأكيد الكتب التي توجد في تلك القوائم وتستحوذ على مبيعات السوق يجب أن يكون محتواها جاذبًا للعديد من فئات القُرّاء بشكل عام. لكن هل المحتوى في تلك الحالة حقًا جيّد؟ هنا يجب أن نُقسّم القُرّاء من أجل معرفة ذلك، فهناك قُرّاء يقتنون حقًا المحتوى الجيد والهادف، وهؤلاء قلة، وهناك قُرّاء آخرون يفضلون الغثّ على السمين، فقط لأنّه يستهوي المرحلة العمرية المتقلبة التي يمرّون بها وهؤلاء كثرة. لذلك، نجد أنّ روايات الرومانسية، الدراما الاجتماعية الشبابية، والفانتازيا الخيالية الخالية من العبرات هي التي تتربع على عرش تلك القوائم، خصوصًا إذا كانت بها مشاهد جنسية أو ألفاظ عاميّة دخيلة على اللغة، وهنا يجب أن نأتي على ذكر الألفاظ النابية والسُباب المزري الذي يجذب الفئة الدُنيا من القُرّاء حديثي العهد بالثقافة. بالطبع الآن طرأت في أذهانكم العديد من العناوين البارزة على الساحة التي تنطبق عليها تلك الأوصاف، فيمكننا أن نقول أنّ المحتوى الجاذب يمكن أن يكون محتوى كاذب، أو صادق.

2) القاعدة الجماهيرية

المحتوى الجاذب بالتأكيد سيلفت أنظار الكثيرين مما سيخلق قاعدةً جماهيريةً من المعجبين للعمل الفني والكاتب الخاص به. تلك، القاعدة الجماهيرية الواسعة هي ذات السلطة التي تخول العمل من الانتشار والتوغل أكثر فأكثر بين القُرّاء وأعضاء الوسط الأدبي، فعبر وسائل الانترنت بكلمة بسيطة في منشور صغير يستطيع المرء إيصال المغزى إلى آلاف البشر. المشكلة هنا أنّ في مواقع التواصل الاجتماعي الناس تتابع الأشخاص الذين يشبهونهم في الصفات وطريقة التفكير، فإذا قال شخص ضحل الفكر على رواية ما قوية ورائعة، سيذهب المتابعون لابتياعها والشروع في مُطالعتها بسرعة، مما سيدمر تلك العقول تمامًا. لذلك، فالقواعد الجماهيرية غالبًا ما تُشهر الأعمال الهشّة على حساب الأعمال الرصينة.

3) الإعلانات والتمويل

إذا كان الكاتب ينشر لأول مرة يجب عليه بالطبع أن يستعين بالمال في الحصول على التوسّع التجاري المرغوب، فيقوم بتزيين عمله الفني عبر الكلمات البرّاقة والصور الأنيقة لينشرها في منشور على الفيس بوك مثلًا، ثم يقوم بعمل حملة إعلانية لتمويل ذلك المنشور، وكلما أنفق الكاتب أكثر، كلما وصل العمل إلى المزيد والمزيد من أصحاب الحسابات على الموقع. بجانب أنّ دار النشر ذاتها تقوم بعمل حملات ترويجية على الإنترنت لأعمالها أيضًا، وفي النهاية العنصر الأخير من التمويل غير المباشر هو حفلات التوقيع التي تقوم بها المكتبات الكبيرة مثل: ألف/ديوان/فكرة/إلخ … للمؤلفين، وبالطبع هنا يجب أن أذكر أنّه خلال فعاليات معرض الكتاب في كل شبر تخطو فيه ستجد كاتبًا يوقِّع عملًا ما، سواءٌ كان في صالة مغطاة أو صالة مكشوفة، ونصيحة لكم أثناء التجوّل بالمعرض. الكاتب الذي تجدون حوله عشرات الفتيات لا تتجهوا صوبه، ففي الغالب لن يكون ذا ذكر واستعاض عن انعدام موهبته بمعسول الكلام الذي يجذب فتيات هذا العصر.


هل الكتب الجيدة في تلك القوائم؟ وكيف أجدها؟!

بعد كل ما سردناه بالتأكيد ستجد أنّ الكتب الجيدة حقًا لا تحتل من تلك القوائم إلّا القليل. إلّا أنّه توجد بعض حالات الحيود في تلك القاعدة، فحتى وقتنا هذا يتصدر كتاب “فرعون ذو الأوتاد” للمؤرخ أحمد سعد الدين قوائم المبيعات بشدة، وهو حقًا كتاب مرجعي تاريخي مهول. بجانب كون الكاتب أيمن العتوم رافعًا للوعي العام بسبب أعماله التي تصدرت قوائم الأعلى مبيعًا لفترات طويلة جدًا، خصوصًا أنّه صاحب قلم قوي ونشر سريع، لكن إذا أردت أن تدخل مكانًا لتجد فيه بالفعل الكتب الجيدة في كل حدب وصوب دون أن يتم تشويشك بتلك القوائم. عليك بزيارة مقر الهيئة العامة للكتاب في محافظتك، وإذا كنت ستقرر الذهاب لمعرض الكتاب هذه الأيام أنصحك بزيارة جناحها أيضًا، فهيئة الكتاب لا تنشر إلّا الكتابات القوية والتي تتخصص في إرساء قواعد المعرفة في كل ميناء فكري تمر به.


الآن، هل تلك القوائم خدعة أم حلوى؟!

بعد أن وصلنا إلى آخر نقطة في مقال اليوم. سأترك تلك الإجابة لكم، في بداية المقال قلت وجهة نظري على أنّها خدعة، فالأعمال التي تغريك حقًا لتشتريها كشخص ناضج، لقليلة إلى أقصى حد بها. لكن يمكن أن تكون بالنسبة لك حلوى، وترى أنّ السمين أكثر من الغث فيها. لكن الذي لا خلاف عليه أنّ تلك القوائم لا تُنصف الكتب القيمة على الإطلاق، فهي في النهاية محدودة جدًا وخارجها تقع عشرات الكتب التي تُعتبر من أيقونات الأدب والثقافة.


وفي الختام

الكتب تخضع لذائقة القارئ الفنية. لكن هذا لا يمنع أنّ هناك أيقونات أدبية لا خلاف عليها، وقوائم الكتب الأعلى مبيعًا قد تنصف تلك الكتب تارةً، وتدحرها أخرى. حاولت بقدر الإمكان التحدث عن تلك المعضلة الترويجية بحيادية مشوبة ببعض الآراء الشخصية التي لا تؤثر على موضوعة تناول الفكرة، أتمنى أن يكون أعجبكم المقال وأراكم في مقالات أخرى أقوى وأرصن.

5

شاركنا رأيك حول "قوائم الكتب الأعلى مبيعًا: خدعة أم حلوى؟!"

  1. شيماء جابر

    أجد أن فكرة الأكثر مبيعًا دالّة بشكل رائع على قابلية البشر للانسياق والاستهواء! يومًا بعد يوم، يزداد كفري بهذه الظاهرة وجميع الظواهر الاجتماعية “القطيعية”. مقال رائع أحسنت يا أحمد…

أضف تعليقًا