انعكاس الأقطاب الشمالي والجنوبي للأرض: هل هي نهاية العالم الذي نعرفه؟

انعكاس القطبين الشمالي والجنوبي
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

على مر تاريخ كوكبنا انعكست الأقطاب المغناطيسية للأرض عدة مرات، وهذا يعني أنّ عند النظر إلى البوصلة ستجدها تشير إلى القطب الجنوبي بدلًا من القطب الشمالي، قد يبدو هذا غريبًا ولكنها ظاهرة  يمكن حدوثها والتنبؤ بها. خلال الفترة السابقة نُشر كتاب بعنوان The Spinning Magnet للكاتبة Alanna Mitchell والذي يصف هذه الظاهرة، ولكن بعد فترة وجيزة بدأت العديد من المواقع الإلكترونية بقرع الطبول والتنبؤ باقتراب يوم القيامة، وأنّه صار قاب قوسين أو أدنى، وأنّ كارثة انعكاس المجال المغناطيسي الأرضي ستتسبب في تفشي الأورام وسقوط الأقمار الصناعية من السماء، وزوال الحياة على الأرض، وفقًا لمبالغاتهم.

ولكن قبل الخوض في المزيد من التفاصيل، ماهو المجال المغناطيسي الأرضي؟ وما هي فائدته؟

لم يكشف بعد كل جوانب المغناطيسية الأرضية، ولكن أكثر النظريات قبولًا هي النظرية الديناميكية Dynamo theory، وتعرف أيضًا بنظرية الكهربائية المغناطيسية Magnetic Field والتي جاء بها إلساسر وبولارد Elsasser and Bullard اللذان افترضا أنّ الديناميكية الأرضية اللازمة لتوليد المجال المغناطيسي – والذي يقرب من 94% – يوجد في الغلاف الخارجي لمنطقة اللب التي تتكون بصورة رئيسية من سبائك الحديد والنيكل مع كميات قليلة من العناصر الخفيفة كالكبريت والسيليكون وبعض العناصر المشعة.

وتفترض النظرية الديناميكية أنّ حركة دوران الأرض باتجاه عكس دوران عقرب الساعة مع وجود تيارات حمل حراري Thermal Convection current في غلاف اللب الخارجي السائل، ووجود لب داخلي صلب تؤدي إلى توليد تيارات كهربائية خفيفة، ويؤدي التداخل بين التيارات الكهربائية وحركة تيارات الحمل الحراري في غلاف اللب الخارجي إلى توليد مجال مغناطيسي، وتتأثر حركة السوائل في منطقة غلاف اللب بحركة دوران الأرض، وبالتالي تؤثر الأخيرة على المجال المغناطيسي للأرض، وتكسبه خاصية ثنائية الاستقطاب.

بمعنى آخر أكثر تبسيطًا:

أنّ المغناطيسية الأرضية تنتج بسبب وجود لُب داخلي صلب للأرض والمحاط بالمعادن المنصهرة في لُب الأرض الخارجي، ويقوم تدفق الحديد السائل في هذا اللب الخارجي بتوليد تيارات كهربائية، والتي بدورها تنتج الدرع المغناطيسي الأرضي ثنائي القطب الذي يمتد بعيدًا إلى الفضاء.

ولكن ما فائدة هذا الدرع المغناطيسي؟

المجال المغناطيسي الأرضي لا يستخدم للعثور على الاتجاهات من خلال البوصلة فحسب، بل إنّه يعمل مثل الدرع العازل ضد جسيمات الطاقة العالية التي تنتشر عبر الكون. الأشعة الكونية تنشأ أساسًا من خارج النظام الشمسي، ويعتقد أنّها نتيجة لعدد من الظواهر الكونية بما في ذلك النجوم المتفجرة.

وبالتالي فهو يحمي الأرض من هذه الجزيئات عالية الطاقة التي تحلق باستمرار في جميع أنحاء الفضاء، وأيضًا العواصف الشمسية، والإشعاع الشمسي. هذه الأشعة الخطيرة التي يمكن أن تضر كوكبنا.

إلى جانب ذلك عرف العلماء منذ أواخر الستينات أنّ بعض الطيور تنتقل من خلال الاستفادة من الحقول المغناطيسية للأرض. فعلى سبيل المثال، الحمام لديه خلايا عصبية لها حساسية للمجالات المغناطيسية، أيضًا السلاحف البحرية تستخدم المجال المغناطيسي لمساعدتها في تحديد اتجاهها خلال رحلتها السنوية إلى خليج أستراليا من أجل وضع بيضها.

بعد أن عرفنا سويًا مدى أهمية هذا الدرع الحامي لكرتنا الأرضية، فما علاقته بتبادل القطبين الشمالي والجنوبي، وما أثر ذلك عليه؟

يدرك العلماء أنّ المجال المغناطيسي للأرض قد انقلب قطباه عدة مرات على مدى آلاف السنين. وبعبارة أخرى، إذا كنت على قيد الحياة قبل حوالي 800,000 سنة وقمت باستخدام البوصلة، فإنّ الإبرة ستشير إلى الجنوب.

التاريخ الجيولوجي يكرر نفسه، واستنادًا إلى الدراسات الجيولوجية للصخور القديمة أو الرواسب المأخوذة من أعماق المحيطات، فهي تعتبر بصمات مغناطيسية مقفلة؛ لأنّ جزيئات المعادن المتأكسدة داخل هذه الصخور تصبح متجمدةً في اتجاه المجال المغناطيسي، ومن خلال ذلك استطاع العلماء معرفة التاريخ الجيولوجي للأقطاب المغناطيسية من خلال فحص تاريخ هذه العينات من الصخور.

ونتيجةً لذلك فإنّنا نعلم أنّ هناك نحو 170 انعكاسًا للقطب المغناطيسي خلال 100 مليون سنة الماضية، وأنّه على مدار الـ 20 مليون سنة الماضية الأقطاب الشمالي والجنوبي للأرض قد انقلبوا تقريبًا كل 200,000 إلى 300,000 سنة، مع العلم أنّ هذا المعدل لم يكن ثابتًا على مدى حياة الكوكب، وأنّ آخرها كان قبل 780,000 سنة، وهذا إن كان يعني شيئًا فمعناه أنّ الانعكاس القادم قد تأخر بعض الشيء، وتشير بعض الدراسات الجيولوجية أنّ الانعكاس القادم وشيك الحدوث.

ولكن ماذا إن حدث ذلك قريبًا؟

هناك فرضية بأنّ انعكاس القطبين يثير مخاوف بشأن اختفاء المجال المغناطيسي الذي يحمينا من النشاط الشمسي والأشعة الكونية الضارة، وأنّ حينها سينتهي العالم الذي نعرفه. بعض المتخصصين يردون بأنّ هناك احتماليةً بأنّ المجال المغناطيسي قد يضعف بالفعل، ولكن لا يوجد أي مؤشر على أنّه قد يختفي تمامًا، وأنّ الضعف الذي سيطوله سوف يؤدي إلى زيادة صغيرة في الإشعاع الشمسي على الأرض، فضلًا عن عروض الشفق القطبي التي سنراها حينها، وبالتأكيد ستتأثر شبكات الكهرباء وأنظمة الاتصالات. ولكن لا شيء قاتل، وعلاوةً على ذلك، حتى مع حقل مغناطيسي ضعيف، فإنّ الغلاف الجوي للأرض سيوفر الحماية ضد جسيمات الإشعاع الشمسي.

ولكن هناك فرضية أخرى تقول أنّ التغير في المجال المغناطيسي أثناء الانعكاس سيسمح بزيادة مستويات الإشعاع فوق سطح الأرض، ولو حدث هذا اليوم، فإنّ الزيادة في الجسيمات المشحونة التي تصل إلى الأرض ستؤدي إلى مخاطر للأقمار الصناعية والطيران والبنية التحتية الكهربائية.

ففي عام 2003، تسببت عاصفة شمسية – سميت باسم (هالوين) – في انقطاع الكهرباء المحلية بالسويد، وتطلب إعادة توجيه الرحلات الجوية لتتجنب الطائرات تعتيم الاتصالات ومخاطر الإشعاع، وتعطل الأقمار الصناعية، وهذه العاصفة كانت طفيفةً بالمقارنة مع العواصف الأخرى، مثل: ما حدث في كارينجتون عام 1859، وهي تعتبر أكبر عاصفة شمسية مسجلة، ووقتها تم الإبلاغ عن رؤية الأضواء الشمالية في كوبا وهونولولو، حيث كانت قويةً جدًا لدرجة أنّ سكان شمال شرق الولايات المتحدة استطاعوا قراءة الصحف في ضوء الشفق.

في مقابلة أجرتها ناشيونال جيوغرافيك مع Alanna Mitchell بعد إصدار كتابها عن انعكاس القطبين، وعند سؤالها عن الأثار المترتبة لضعف المجال المغناطيسي الأرضي، قالت: “نحن نعلم أنّ الأقطاب الشمالي والجنوبي بدأوا في الضعف بشكل كبير إلى حد ما، وإذا نظرنا إلى الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية سنرى أنّ جزءًا من المجال المغناطيسي في نصف الكرة الجنوبي قد عُكس بالفعل، ويطلق عليه South Atlantic Anomaly أو الشذوذ الجنوب أطلسي، ونعلم أيضًا أنّ reversed flux patch أو رقعة الانعكاس المتدفقة، كما يطلق عليها العلماء، تضاعفت من حيث الحجم في الستين عامًا الماضية، بحيث يغطي الآن حوالي 20% من سطح الكوكب”.

إذًا هل هذا يخبرنا أنّ الانعكاس أصبح وشيكًا؟ العلماء ببساطة ليس لديهم المعلومات الكافية لتأكيد هذا الاستنتاج. ما يؤكدونه أنّ الانعكاس سيحدث في مرحلة ما، لكنهم لا يعرفون ما إذا كانت هذه البداية.

وقالت أيضًا أنّ العواقب على الأرض قد تكون مدمرةً، فإنّ أحد العلماء دانيال بيكر Daniel Baker من جامعة كولورادو أكد أنّه لا شك أنّ أجزاء من الكوكب ستصبح غير صالحة للعيش فيها، وأنّ الأشعة فوق البنفسجية الإضافية ستضر بالأنسجة البشرية، ويمكن أن تسبب طفرات سوف تضرب الكوكب؛ لأنّنا لن يكون لدينا الدرع المغناطيسي لحمايتنا.

في النهاية نحن لا نعلم بالتأكيد متى سيحدث ذلك، والآثار المترتبة عليه بشكل قاطع. سؤال قد لا يكون له إجابة الآن، ولكن هذا ما ستختبره الأرض وسكانها في المستقبل.


حقوق الصورة الرمزية محفوظة : PETER MATHER, NATIONAL GEOGRAPHIC CREATIVE

1

شاركنا رأيك حول "انعكاس الأقطاب الشمالي والجنوبي للأرض: هل هي نهاية العالم الذي نعرفه؟"

أضف تعليقًا