هل الكتابة موهبة فطرية؟ أم يمكن لأي شخص أن يصبح كاتبًا؟

كيف اصبح كاتب
14

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

الكتابة في وجهة نظري هي أنبل الفنون التي تفرض النفس البشرية على الواقع، تكشف الأفكار والنزعات لتخلعها على العقول الأخرى في صورة كلمات وسطور متعاقبة تساهم في خلق فِكر جديد، نحن الآن في عصرٍ الكلماتُ فيه قد ترونها ليست ذات تأثير بالغ نظرًا لوجود البرامج المُتلفزة التي تحرم المرء من متعة القراءة. لكن العكس هو الذي يحدث، فالأخبار تُنقل على الإنترنت في الصورة الكتابية أسرع منها في الصورة المرئية.

للسطر قوة وتأثير بالغان على أعتى وأكبر الحواجز. لذا، فاحترام الكلمة من احترام النفس، فكثير منّا يريدون أن يصبحوا كتّابًا كي يساهموا في تلك المنظومة المعرفية المهولة والواسعة الاستطراد، لكن قد يفقد البعض ذلك الهدف نظرًا للعوائق الشخصية التي تواجههم في بداية الطريق. الآن سنطرح سؤالًا هامًا لدى الجميع، هل الكتابة موهبة فطرية؟ هذا ما سنجيب عليه اليوم بحيادية. لكن قبلها يجب أن نتعرف على بعض الأشياء بخصوص الكتابة للوصول إلى تلك الإجابة المرجوّة.


ما الكتابة، ولماذا نكتب؟

الكتابة ببساطة هي التعبير. ذلك، التعبير يمكن أن يكون عن فكرة، انطباع، تحليل، نقد، أو أي شيء آخر قد يجول ببال المرء تجاه موضوع معين. أنت تكتب كي تشبع تلك الرغبة الدفينة بداخلك لفعل ذلك الشيء مهما كانت العوائق. تلك، الرغبة التي في النهاية ستقول للعالم أنّك هنا، وأنّ بداخلك أشياءً تستحق أن تظهر وتفرض نفسها على الساحة لأنّها تعبر عنك، وبها تصنع لنفسك الخلود بالكلمات. لذلك، الكتابة ليست وسيلةً لكسب الرزق أو إقناع الناس بأشياء بعينها فقط من أجل مآرب أخرى لا إنسانية، لكن هذا للأسف ما تراه هذه الأيام متمثلًا في الكتب التي تدفعك لاقتنائِها من أجل الغلاف البراق، والعبارات الصمّاء الخالية من روح الأدب.

لذا، عندما تعقد العزم وتقول أنّك تريد أن تصبح كاتبًا، أن تصبح ساردًا، وأن تصبح شخصًا يفيد غيره، يجب عليك أن تضع نصب عينيك أنّ الكتابة رسالة. مهما كان نوع تلك الكتابة: أدبية، إخبارية، معلوماتية … إلخ، وتلك الرسالة لا يجب أن تُدنس بالأهواء والمطامع الشخصية، فذلك يفقد الكاتب مصداقيته ويجعله أضحوكةً لدى معشر المثقفين في أي مكان.


ما مُحفّزات الكتابة؟

1) النزعة

النزعة في اللغة لها الكثير من التفسيرات حسب مواضع كثيرة، لكن هنا أعني بها الميل والعاطفة. أنت تكتب لأنّك تريد أن تكتب، ليس لأنّ الكتابة ستجلب لك الشهرة أو ستجعل الناس يعرفونك ويحبونك لأنّك تكتب. هنا تقترن النزعة بالحقيقة الراسخة التي تنص على كون الكتابة في حد ذاتها رسالة سامية لا يجب أن تمسّها ضحالة المآرب الشخصية. ببساطة، أنت تجلس لا بك ولا عليك وفجأةً تبزغ في ذهنك فكرة ما، فتهرع إلى أقرب ورقة وقلم كي تدونها حتى تشرع فيها وتخلق الفن الذي تريده. لذلك، من وجهة نظري أسمى وأنبل أنواع الكتابة هي الكتابة الأدبية، ففي الأدب أن تعتلي منبر عقول البشر وتطفق تشرح لهم وتفسر لهم المبادئ والقوانين، والنصائح التي يسيرون عليها في الحياة بثبات. كل هذا في قالب سردي مشوق يجعل من تلك الأهداف سهلةً ومُستساغةً.

تحضرني هنا جملة من عمل رسوم متحركة يابانية يُدعى “ناروتو”. في عالم ناروتو يوجد شخص ذو قوى خارقة ومُتواضع إلى أقصى حد يُدعى الهوكاجي. ذلك، الهوكاجي هو المسؤول عن حماية الجميع من أهل قريته. الفتى الصغير ناروتو يطمح بأن يكون الهوكاجي القادم يومًا ما، لكن في رحلته لتحقيق ذلك قيلت له جملة غيّرت مفهومه تمامًا عن الهدف الذي يسعى إليه. «يجب أن يعترف الجميع كي تصبح الهوكاجي، لا أن تصبح الهوكاجي كي يعترف الجميع». الأمر ذاته ينطبق هنا، فلتجعل هدفك بأن تصبح (كاتبًا). وهنا يمكن أن نقول أنّه يجب أن يعترف بك الناس ككاتب، لا أن تكون كاتبًا كي يعترف بك الناس، فإذا جعلت ذلك غايتك الحقيقية، أعدك بأن تكون شخصًا مختلفًا تمامًا عن الذي أنت عليه الآن.

2) الشغف

الشغف هو الحب المطلق للشيء الذي تفعله، وهو المحرك الرئيسي خلف أي نجاح قد حققه أي شخص خُلِّد اسمه على ظهر هذا الكوكب. جميع العباقرة مثل: أينشتاين، دافنشي، جاليليو جاليلي، نيتشه، العقاد، وغيرهم كان لديهم ذلك الشغف الذي جعل أسطورتهم كما هي الآن. الشغف أخد معهم أشكالًا مختلفةً، فهذا كان يسعى للارتقاء بالعلم من أجل العلم، وهذا جعلنا نتعاطى الفلسفة ضربًا بالمطرقة ليصنع بعدها الإنسان الأعلى الذي يرضي غروره، وهذا برهن لنا أنّ الدراسة لعائق مهول أمام الفِكر، فكي تكون كاتبًا يجب أن يدفعك الشغف لتصنع المعجزات.


الآن، هل بإمكاني أن أصبح كاتبًا؟!

بعد حديثنا عن الكتابة ومفهومها ولماذا نريد ممارستها، يجب عليك أن تكون قد علمت إجابة هذا السؤال بالفعل. إذا وجدت في داخلك ذلك الشغف وتلك النزعة لتحقيق الصورة النهائية (كاتب)، والتي بدورها ستدعم مفهوم ودوافع الكتابة فيك، فأنت الآن أجبت على هذا السؤال. أجل، أنت موهوب بالفعل لأنّ لديك الشغف بالشيء الذي تريد عمله.

لكن من الناحية الأخرى كي نكون عمليين يجب أن نضع عنصر المران في المنظومة الحسابية تلك، فعندما تكتب يجب أن تتمرن كي تكتسب مصطلحات جديدة، وتستطيع مُطالعة أساليب سردية مختلفة حتى تخلق أو تطور أسلوبك الخاص والمميز، فالكتابة دون مران ستصيبك بما يُعرف بالـ Writer Block أو التوقف الكتابي. تلك، الحالة تكون فيها غير قادر على كتابة سطر واحد فقط، وتظل خاويًا في انتظار الفكرة أو الاستعداد النفسي للكتابة. القراءة هي العنصر الأول في المران، وتليها الكتابة ذاتها، فحتى إن مرت عليك فترة كبيرة دون كتابة، فتلك الفترة التي كانت أطول منها في القراءة بالتأكيد أكسبتك معارفًا وأفكارًا جديدةً، وإن كنت لم تدرك ذلك بعد.


اعذروني قليلًا إذا كنت قد خدعتكم بعض الشيء في العنوان؛ لأنّني أجبت عن مفاده في ذيل المقال. لكن ذلك في النهاية أخرجكم بشعور آخذ في التصاعد بداخلكم أنّكم تستطيعون صنع المعجزات، وأنّ الكتابة رسالة نبيلة ستكونون حَملتها في يومٍ ما. أتمنى أن تكونوا قد استفدتم، وتبقى لنا في القراءة حياة.

14