الأيام الأخيرة لأرض الألعاب Toys “R” Us: نجاح وفشل يتبعه دروس وعبر

افلاس تويز ار اس
3

بين ليلة وضحاها، استيقظ العالم على نبأ قاسي متمثل في إعلان شركة Toys “R” Us Inc – تويز آر أس، التي تدير سلسلة متاجر الألعاب الشهيرة، عن إغلاق أو بيع جميع متاجرها في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد توالي سلسلة من الأخبار السيئة عنها، ومن ضمنها إغلاق متاجرها في إنجلترا، وفشلها في العثور على مشتري أو التوصل لاتفاق للهيكلة مع المقرضين لإنقاذها من شبح الإفلاس.

وهو ما تسبب في صدمة وربكة شديدة لأجيال كاملة من المستهلكين، وملايين الأطفال والعائلات، ومئات من صُنّاع ألعاب الأطفال، ففي عصر ما قبل بزوغ شمس الإنترنت، كانت الشركة هي متجر التجزئة منقطع النظير من الألعاب مختلفة الأشكال والأذواق التي شكلت الصناعة برمتها، يكفي أنّ شعارها الدعائي: “I don’t want to grow up, I’m a Toys “R” Us kid” ما يتردد في أذهان الملايين حول العالم حتى وقتنا هذا.

شعار متاجر Toys R Us
بعد 70 عامًا من تاريخ سلسلة متاجر التجزئة لألعاب الأطفال Toys R Us انزلقت نحو نهاية مخزية
  • كيف وصل الأمر إلى هذا؟ الجواب، كما هو الحال مع معظم حالات الإفلاس، هو بطء النمو أولًا، ثم يأتي تزايد نسب الخسائر والديون المُتراكمة، ولكن قبل الخوض في ذلك دعنا نستعرض أولًا بدايات Toys “R” Us.

البداية والتأسيس

أسس  Charles P. Lazarus في عام 1948 متجر لبيع أثاث ومستلزمات الأطفال تحت اسم  Children’s Bargain Town، برأسمال قدره 4000 دولار، نصفها من مدخراته الشخصية، والنص الثاني قرض من أحد البنوك.

ومع مرور الوقت لاحظ أنّ أثاث الأطفال لا يحقق المبيعات المرجوة مُقارنةً بالألعاب. لذا، في عام 1957 تحول النشاط الأساسي للمتاجر إلى الألعاب، وأصبح اسم الشركة Toys “R” Us، وقد أحدث هذا التغيير قبولًا لدى المستهلكين انعكس على المبيعات، التي تحسنت بشكل غير مسبوق.

في العام التالي 1958، كان لازاروس يمتلك متجرين، ويشرع في امتلاك الثالث على مساحة 25000 قدم مربع، مع إضافة تشكيلة كبيرة من ألعاب الأطفال، ومنح خصومات تراوحت بين 20% و 25% أكثر من المحلات الأخرى.

وفي عام 1966، أراد لازاروس التوسع أكثر، فباع شركته إلى شركة Interstate مقابل 7.5 مليون دولار، بشرط أن يبقى هو المسؤول عن عمليات البيع للأطفال داخل المتاجر.

ونجح لازاروس في التوسع إلى 47 متجرًا تحت العلامة التجارية Interstate، وحقق مبيعات ضخمة جدًا، غير أنّ الحال لم يدم طويلًا، ففي عام 1969 تعرضت شركة Interstate لأزمة طاحنة؛ جرّاء منافسة شرسة خاضتها ضد شركة Kmart، أعلنت شركة Interstate على تبعتها إفلاسها وإعادة هيكلة أصولها.

غير أنّ هذا لم يبطِئ همه لازاروس في تحقيق حلمه، فظل يعمل ويجد، وبعد 4 أعوام استطاع تحقيق مبيعات ضخمة ساعدته على إنقاذ شركة Interstate من كبوتها، ليصبح هو المالك الجديد لـ 72 متجر، من ضمنها 10 متاجر تعود لـ Interstate، فيقوم بتغيير اسمها التجاري من Interstate إلى Toys “R” Us، مع جعل حرف الـ R مقلوبًا لشد الانتباه، مما يعني “الألعاب هي نحن”.

وفي عام 1983 افتتحت الشركة خط منتجات جديد أسمته Kids “R” Us، ليكون نشاطه بيع ملابس الأطفال، وفي في 1984 تحولت الشركة إلى البورصة، وأصبح بإمكان أي شخص الاستثمار فيها.

وفي عام 1991 نجحت Toys “R” Us في اقتحام السوق اليابانية بقوة، مما تسبب في إفلاس اثنين من منافسي الشركة، وهما Child World و Lionel، وبيعهما إلى Toys “R” Us، وتبعها إفلاس بعض شركات الألعاب الأخرى.

ومنذ عام 1993 ركزت الشركة على التوسع عالميًا، ففتحت متاجر لها في أستراليا وبلجيكا وهولندا والبرتغال وسويسرا.

هكذا من بدايات متواضعة للغاية وأزمات متتالية نجحت Toys “R” Us في التربع على عرش إمبراطورية بيع ألعاب الأطفال في العالم، وبتأسيس أكبر شركة للألعاب من دون منازع، بوجود عدد ضخم من متاجر السلسلة التي توسعت في جميع أنحاء العالم.

نقطة الانحراف

حتى عام 2005 كان كل شيء على ما يرام، لكن حدث كل شيء سريعًا. بدأت سلسلة الألعاب بالفعل في الشعور بالضعف أمام المنافسين ذوي الأسعار المنخفضة مثل: Walmart Inc، (ناهيك عن تهديد شركة Amazon.com Inc اليوم)، وبدأت هوامش ربحها تضعف.

عندما اشترت شركات Bain Capital و KKR & Co و Vornado Realty Trust سلسلة المتاجر، بصفقة قدرت بنحو 6.6 مليار دولار، وحولتها إلى شركة خاصة، وسحبتها من البورصة.

فقد اشترت مجموعة الشركات الخاصة المتاجر بأموال ديون قدرت بنحو 5.3 مليار دولار مضمونة بأصولها، ولم يتم استردادها في الواقع، أي أنّ الشركة كانت مديونةً منذ 2005، وبالتالي لم تسدد هذه الديون مما أدى في النهاية للإفلاس، وقد ساءت الأمور لتقترب الشركة لدائرة الجحيم أكثر وأكثر عامًا تلو عام.

الآمال المجهضة

لقد مضى أكثر من 12 عامًا منذ أن قامت مجموعة من شركات الأسهم الخاصة بتحميل شركة Toys “R” Us Inc بالديون لجعلها شركة خاصة، ومنذ ذلك التاريخ لم تسترد الميزانية العمومية للشركة عافيتها مجددًا، وأصبحت في وضع حرج.

وبحلول سبتمبر من العام الماضي 2017، أي قبل أشهر فقط من بدء موسم العطلات، وهو الموسم الأكثر مبيعًا، كانت المنافسة التي لا هوادة فيها مُشتعلةً بين كل من Amazon Inc و Walmart Inc، بالإضافة إلى أكثر من 5 مليارات دولار من الديون المستحقة على Toys “R” Us، من جرّاء استحواذات سابقة في عام 2005.

وقبل فترة طويلة، كان البائعون يشعرون بالقلق حيال شحن الألعاب إلى السلسلة؛ خوفًا من أنّهم قد لا يتقاضون مُستحقاتهم، مما أجبر Dave Brandon – ديفيد براندون، الرئيس التنفيذي للسلسلة الشهيرة على التقدم بطلب لإشهار إفلاسها، على أمل تحسين إعادة الهيكلة المالية بشكل أفضل من أي وقت مضى.

ولكن بدلًا من ذلك، تخلت القوى المالية وراء Toys “R” Us عنها تمامًا، وسرعان ما اندلعت المعارك بين الإدارة والدائنين منذ فترة طويلة، وطالبوا المدير التنفيذي للشركة بإغلاق المئات من متاجر الولايات المتحدة البالغ عددها 800 متجر بسرعة، والعمل على تقليل التكاليف لاحتواء الضرر، بعد أن اكتسبت أكثر من 470 مليون دولار من الرسوم ومدفوعات الفائدة في حين لم تحصل على أي أرباح.

ديفيد براندون، الرئيس التنفيذي لشركة Toys R Us Inc
ديفيد براندون، الرئيس التنفيذي لشركة Toys R Us Inc

انخفاض القيمة في موسم حاسم

وشهد المستثمرون من حملة السندات انخفاضًا في قيمة استثماراتهم، وسجلت السندات غير المضمونة في الشركة في تداول يوم الخميس الماضي – عقب الإعلان عن الخبر – 5.25 سنتًا، منخفضةً من 72 سنتًا قبل أسبوع من تقديم الإفلاس.

غير أنّه بعد تقديم طلب الإفلاس في سبتمبر، اشتكى الدائنون – بمن فيهم حاملة مبلغ 3 مليارات دولار – من أنّ السلسلة الشهيرة تمر بوضع أخطر مما يظهره مجرد الاطّلاع على بياناتها المالية، بالإضافة إلى إستراتيجية التحول الخاصة بها غير معلومة ومجهولة التفاصيل.

ثم جاء يوم الجمعة الأسود، وهو الانطلاق الأساسي لموسم التسوق في الولايات المتحدة، وتحول عيد الميلاد إلى كارثة مع عزوف المستهلكين عن الاقتراب من المتاجر.

وبعد ستة أشهر من تقديم الطلب، لم يكن لدى الشركة خطة الإفلاس والخروج، وكان المقرضون يفقدون الثقة، بينما جادل آخرون حول تقييم مختلف الشركات التابعة والأصول الدولية، مثل: حقوق الملكية الفكرية والأعمال الآسيوية المتنامية.

ولكن كانت هناك مشاكل أخرى، تتمثل ببطء المفاوضات، مما أثار قلق البائعين/الموردين ودفع الدائنين إلى الحث على إغلاق المتاجر، فضلًا عن زعزعة وهز ثقة العملاء، مما تسبب في  انخفاض نسب المبيعات بـ 15٪ عن العام السابق.

ووسط الخلافات، قام البائعون/الموردين ممن يؤمّنون شحنات الألعاب ويوفرون التمويل قصير الأجل في التراجع على نحو متزايد، واعتبارًا من أوائل فبراير، كان معظمهم قد انسحب.

بدأ بعض كبار المقرضين بالضغط من أجل تصفية كاملة، وبذلك انزلقت 70 عامًا من تاريخ سلسلة متاجر التجزئة لألعاب الأطفال نحو نهاية مخزية.

Toy R Us

وهُناك مجموعة من الدروس المُستفادة من قصة صعود وسقوط Toys “R” Us لنقدمها لرواد الأعمال المبتدئين، وأصحاب المشاريع التجارية:

الدرس الأول – عدم وضع كل بيضك في سلة واحدة

لم تكن Toys “R” Us مجرد سلسلة لمتاجر التجزئة، بل كانت شريان الحياة للعديد من صُنّاع الألعاب، والموزع الرئيسي للشركات الكبيرة والصغيرة في هذا المجال، الذين باعوا منتجاتهم لها، مثل: شركة ماتيل منتجة دمية باربي، وشركات أخرى منها ليغو.

https://www.arageek.com/2017/12/11/lego-story.html

وما يحدث الآن يمثل ضربةً موجعةً جدًا لـ Gary Atkinson، الرئيس التنفيذي لشركة Singing Machine Company، والتي تصنع منتجات الـ karaoke؛ لأنّ الشركتين تشتركان في علاقة تجارية خاصة، كون أنّ Toys “R” Us كانت ثاني أكبر عميل لهم بعد Walmart

فقد تم بالفعل شحن ما قيمته 4.5 مليون دولار من منتجات كاريوكي إلى Toys “R” Us في سبتمبر الماضي، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن من استعادة سوى أقل من النصف.

الأمر الأكثر صعوبةً الآن هو فقدان التوزيع العالمي لمنتجات الكاريوكي، بعد أن قالت شركة التجزئة لبيع الألعاب أنّها تغلق جميع متاجرها في الولايات المتحدة، وربما معظم عملياتها الدولية.

وعليه كرائد أعمال مبتدئ أعلم بأنّ التجار الكبار يمكنهم الخروج من السوق بين عشية وضحاها، وفي الحقيقة ليس هناك الكثير يمكنك القيام به لحماية نفسك ضد هؤلاء. لذا، تدرب على إجراء الكثير من مبيعاتها عبر الإنترنت، حيث يكون لديك المزيد من التحكم في أليات التسعير والتسويق والعروض الترويجية.

إنّ تصفية Toys “R” Us تثبت أنّ الشركات الصغيرة يجب أن تفكر بشكل مختلف حيال سياسات التوزيع التي تتبعها، وتعمل على تغيير إستراتيجيتها. مع الاعتماد بشكل أقل على متاجر التجزئة الكبيرة، والتنوع أكثر في تجارة التجزئة عبر الإنترنت.

الدرس الثاني – لا تتوقف أبدًا عن التطوير والتحديث المستمر

على الرغم من أنّ الأرقام وراء سقوط Toys “R” Us تكشف كيف تم تسريع المصير المحتوم من خلال الميزانية العمومية المثقلة بالأعباء، لكن من الواضح أنّ الشركة قد تضررت بسبب صعود التسوق عبر الإنترنت، والتغييرات التي طرأت على عدد أكبر من الأطفال، الذين اختاروا اللعب مع أجهزة آيباد الحاسبات اللوحية أكثر من دمى باربي والألعاب التقليدية.

والتصفية المعلنة (على الأقل في الولايات المتحدة) هي قصة مألوفة أخرى عن الحالة المؤسفة لتجارة التجزئة القديمة، فسلسلة المتاجر لم تواكب التكنولوجيا على آية حال.

فنجد أنّ الجمعية الأمريكية المتخصصة بتجارة الألعاب بالتجزئة، وهي مجموعة تجارية تمثل ما يقرب من ألفي متجر مستقل للألعاب، ومصنّعين وممثلين عن مبيعات الصناعة، قد قالت في بيان تعليقًا على الأمر أنّ إغلاق Toys “R” Us هو مثال آخر للتغير المستمر والتطور في صناعة الألعاب.

وقد اعترف Dave Brandon، الرئيس التنفيذي للشركة، في إفادة لجنة الأوراق المالية والبورصة في الخريف الماضي بأنّ الشركة قد تراجعت عن منافسيها على مختلف الجبهات، بما في ذلك الصيانة العامة وحالة المتاجر.

ومن ثم ينبغي عليك كرائد أعمال أو صاحب مشروع الاتعاظ مما حدث مع شركة Toys “R” Us وغيرها من الشركات التي لا تعمل حسابًا للتطورات المتواصلة، وللتغيّر في أذواق وتفضيلات مستهلكيها، وثورة الإلكترونيات الذكاء الاصطناعي والتقنية.

فعندما تكون على استعداد للقيام بشيء صعب حاول أن تفكر في المستقبل، وكيف يمكن أن تتغير الأمور، واطرح على نفسك الأسئلة البسيطة: ما الذى أحاول القيام به؟ وهل سيتناسب مع التطور في الصناعة مستقبلًا؟ كيف أحتاج إلى إظهار ذلك؟

الدرس الثالث – في عملك التجاري لا تلقي باللوم على الآخرين

كثير من جروح Toys “R” Us كانت ذاتية التسبب، صحيح التسوق عبر الإنترنت زاد الأمور تعقيدًا، لكن تأزم أوضاع Toys “R” Us سبق عصر ازدهار التسوق عبر الإنترنت بفترة، وعليه لا يمكن إلقاء اللوم على Amazon كما ذهب البعض.

offset content-offset”>

حيث لم تحقق Toys R Us التي فتحت أبوابها في 1957 مكاسب سنوية منذ 2013، وللشركة أكثر من 1500 فرع حول العالم، ولديها مشاكل ديون ضخمة تعود إلى ما قبل Amazon، تم تخفيض الديون إلى حالة السندات غير المرغوب فيها في يناير من عام 2005، في وقت كانت مبيعات Amazon فقط 4٪ من مستواها الحالي.
فعندما تقدمت شركة Toys “R” Us للإفلاس في شهر سبتمبر 2017، كشفت الشركة عن وجود ديون بقيمة 5 مليارات دولار، وكانت تنفق حوالي 400 مليون دولار سنويًا لخدمة هذا الدين، كما أنّ الكثير من الموارد المالية للسلسلة خصصت لتسديد هذا الدين الضخم بدلًا من البقاء في وضع تنافسي.

هذا الدين الثقيل منعها من القيام بالاستثمار الضروري في المتاجر، وزاد هذا العبء من الأولويات الاستراتيجية الحاسمة، مثل: جعل المتاجر في مكان جيد للتسوق، وهذا يعني تجربة تسوق غير محبوبة محكوم عليها بالفشل، بالإضافة إلى دفع المرتبات للموظفين، وزيادة الأجور المبدئية، ومكافأة الموظفين الأكثر فعاليةً والحفاظ عليهم.

الدرس الرابع – ألقي نظرةً على جمهورك ومنافسيك بين الحين والآخر

واحد من أهم الأخطاء التي ارتكبتها شركة Toys “R” Us هو اهمال أبحاث السوق، والتعرف على التغيرات المستجدة في طبيعة المستهلكين، ومن ثم التواكب معها، والتحول من الألعاب التقليدية إلى الألعاب الرقمية، والاهتمام بالتسويق الإلكتروني.

كما أنّها أغفلت المنافسين وتطورهم السريع تمامًا، ولم تنظر لهم بعين الاعتبار، وبالتالي سبقوها نحو النمو، وجاروا على حصتها في السوق.

وعليه، فمن الأشياء التي تجعل شركتك الناشئة جيدة جدًا هو قدرتك على التواصل مع جمهورك، والاحتكاك بهم، والتعرف على منافسيك في الصناعة، وهذا ما يجب أن تفعله إذا كنت من رائد أعمال أو من أصحاب المشاريع الخاصة.

وهكذا نتيجة الصعوبات التي تواجهها شركة Toys “R” Us منذ أعوام، بلغت سلسلة متاجر الألعاب حافة الإفلاس، وهي ستضع نفسها في الساعات القليلة المقبلة تحت حماية الفصل 11 من قانون الإفلاس الأميركي، ليتلقى قطاع البيع بالتجزئة ضربةً قاضيةً أخرى في غضون بضعة أشهر بعد إعلان سلسلتي متاجر HMV و Sears Canada عن إفلاسهما.

3

شاركنا رأيك حول "الأيام الأخيرة لأرض الألعاب Toys “R” Us: نجاح وفشل يتبعه دروس وعبر"

أضف تعليقًا