لماذا لم يعد ممكنًا لأية دولة خوض حربٍ ناجحةٍ؟

لماذا لا يمكن حسم اي حرب عسكريا
3

مترجم عن مقال مجلة Time الأمريكية: Why It’s No Longer Possible for Any Country to Win a War

إنّ العقود القليلة الماضية كانت أكثر العصور سلامًا منذ تاريخ البشرية، فلأول مرة في التاريخ كانت أعداد الموتى نتيجةً للعنف البشري أقل من تلك التي سببتها حوادث السير، السمنة أو حتى الانتحار!

حيث أنّ حالنا الآن هو على عكس المجتمعات البشرية السابقة، حيث بلغت نسبة أعداد الوفيات نتيجة العنف البشري في المجتمع الزراعي – على سبيل المثال – 15% … بينما تضاءَلت في القرن العشرين لتصل إلى 5%، أمّا في أيامنا هذه فنحن فقط مسؤولون عن 1% من مجموع الوفيات!

وعلى الرغم من طمأنة ما سبق، إلّا أنّ الوضع السياسي العالمي يتدهور سريعًا، فقد عادت موضة تأجيج النزاعات وإثارة الحروب إلى الرواج، مما أثار رعبًا ليس فقط لدى الناس العاديين بل لدى الخبراء أيضًا، فهم خائفون من تكرار ما حدث في عام 1914 … حيث أدى قتل فرانس فريناند – وريث العرش النمساوي والذي قُتل على أيادٍ صريبية – إلى إشعال شرارة الحرب العالمية الأولى. اليوم واقعة بسيطة في البادية السورية، أو حركة غير مسؤولة وغير حكيمة من شبه الجزيرة الكورية قد تكون بادئةً لصراع دولي لا يُحمد عقباه.

ولكن جميعنا يدرك أنّ الحال في 1914 لا يشبه حالنا الآن، فآنذاك كانت للحرب جاذبية عظيمة خاصةً لصُنّاع الحروب من أصحاب النخبة والنفوذ القوي حول العالم؛ بسبب امتلاكهم لأمثلة حقيقية وواقعية عن الحروب الناجحة وتأثيرها على الوضع الاقتصادي وحتى على القوى السياسية، أمّا الآن فمفهوم الحرب الرابحة قد يكون من الأنواع المهددة بالانقراض.

فمنذ عهد الإمبراطورية الرومية والدولة الآشورية، نشأت إمبراطوريات واسعة عظيمة بُنيت من خلال الحروب. لذا، في عام 1914 كانت لدى قوى النخبة أمثلة وفيرة عن الأرباح التي يمكن أن تجلبها الحروب، ففي الفترة من 1846 إلى 1848 استطاعت القوات الأميركية السيطرة على كاليفورنيا، نيفادا، يوتا، أريزونا، نيو مكسيكو وأجزاء من كولورادو، كانساس، وايومنغ وأوكلاهوما … والتي عُدّت حينها صفقة العصر، وبلغت خسائر الجيش الأميركي فيها لتحقيق ذلك النصر ما يقارب 13000 جنديًا.

ولم تكن أميركا وحدها من خاضت حروبًا عظيمةً، فقد خطت خطاها الإمبراطورية اليابانية التي انتصرت بحربٍ على كلٍ من الصين وروسيا، ألمانيا أيضًا انتصرت في حربها على فرنسا، وتقريبًا كل القوى العظمى كانت لديها سلاسل من المستعمرات الحربية التابعة لها، فعندما عزمت فرنسا، بريطانيا، وإيطاليا على البدء في مخططاتها الاستعمارية في كل من فيتنام، ليبيا و نيجيريا كان خوفهم الرئيسي هو أن يسبقهم أحد إلى تلك المستعمرات.

اليوم، ليس لدى الدول العظيمة دراية تامة بمفهوم الحرب الناجحة وما هي حقيقتها، ربما  يكونون قد قرأوا عنها في الكتب التاريخية، أو شاهدوها في أفلام هوليود التي أعادت تجسيدها بأفلام لاقت رواجًا كبيرًا، لكن على هذه الدول أن تؤمن أنّ هذا النوع من الحروب انقرض ولم يعد له وجود، ومع ذلك فإنّ بعض دول العالم الثالث وبعض القوى المؤثرة ما زالت تلوح وتروج لحروبٍ كهذه، لكنها كقوى فاعلة ليست لديها القدرة والمعرفة الكافية للوصول إلى مبتغاها.

وفي الحقيقة، كان أعظم انتصار في الذاكرة الحية هو انتصار الولايات المتحدة الأميركية على الاتحاد السوفيتي، والذي حدث دون أية معارك عسكرية كبرى، لكن انتصار أميركا في الحرب الباردة لم يجعلها تتخلى عن نمط الحرب التقليدي، حيث عادت لاستخدامه في حرب الخليج الأولى، والذي لم يثمر إلّا عن خسائر فادحة على الصعيدين المالي والعسكري، حيث بلغت خسائرها عدة مليارات دولار نتيجة حرب العراق وأفغانستان.

أمّا الصين – والتي بدأت تُعدّ من ضمن القوى المؤثرة في العالم في بدايات مطلع القرن الواحد والعشرين – فقد ركزت على العامل الاقتصادي، والذي كان سببًا لتقدمها وازدهارها، حيث اتبعت في نهضتها أسلوب المعجزات الاقتصادية، والذي اتبعته كل من اليابان وألمانيا بعد الحروب التي خاضتها بعد عام 1945، وسعت الصين أيضًا إلى تجنب كل الصراعات العسكرية منذ الحرب التي خاضتها مع فيتنام في عام 1979.

لم يكن الوضع في الشرق الأوسط مختلفًا، حيث أنّ القوى الإقليمية لا تعرف بعد كيفية شن الحروب الناجحة، فلم تكتسب إيران أي شيء من حمام دم الحرب الإيراني – العراقي الطويل، وقد تجنبت بعد ذلك جميع المواجهات العسكرية المباشرة، وأصبح ذلك مهيمنًا إقليميًا بشكل افتراضي، حيث أنّ عدُويها الرئيسيين – الولايات المتحدة والعراق – انخرطا في حربٍ دمرت كلًا من العراق والشهية الأمريكية لمستنقعات الشرق الأوسط.

أيضًا يمكن قول الشيء ذاته عن إسرائيل، والتي شنت آخر حرب ناجحة لها منذ خمسين عامًا، ومنذ عام 1967 ازدهرت إسرائيل رغم حروبها الكثيرة لا بفضلها، إذ أنّ أراضيها المحتلة هي عبء اقتصادي ثقيل ومسؤولية سياسية مدمرة، مثل إيران. سعت إسرائيل مؤخّرًا إلى تحسين موقعها الجيوسياسي. ليس من خلال شنّ الحروب، بل بتفادي التورّط في الحروب التي دمرت كلًا من العراق وسوريا وليبيا.

مؤخرًا، كانت الحرب الناجحة الوحيدة التي خاضتها قوة كبرى هي الفتح الروسي لشبه جزيرة القرم. ومع ذلك، فقد أصبح ذلك ممكنًا من خلال مجموعة غير عادية من الظروف: أولها أنّ الجيش الأوكراني لم يُظهر حينها أيّة مقاومة، كما امتنعت قوى أخرى عن التدخل، وسكان القرم إمّا دعموا الغزاة أو قبلوا الغزو بسلام كأمر واقع. هذه الظروف سيكون من الصعب توفرها مرةً أخرى، حيث أنّ الشرط المسبق لخوض حربٍ ناجحةٍ هو غياب أي عدو مستعد للمقاومة، الأمر الذي يقلل من احتمالية توافر فرص كهذه في المستقبل.

في الواقع، سعت روسيا إلى تكرار ما حدث مع بقية أجزاء أوكرانيا، لكنها واجهت معارضةً أكثر صلابةً، وتعثرت الحرب في شرق أوكرانيا إلى حالة جمود غير منتجة، فغزو المصانع المتدهورة في الحقبة السوفياتية في كل من لوهانسك ودونيتسك لا يغطي تكلفة الحرب، وبالتأكيد لا يعوض تكاليف العقوبات الدولية التي فُرضت على روسيا آنذاك.

على الرغم من تمكن روسيا من غزو شبه جزيرة القرم، يبدو أنّ الاستراتيجية الأكثر نجاحًا في القرن الحادي والعشرين، والتي تتبعها الدول العظمى هي الحفاظ على سلامتها والسماح للآخرين بالقيام بالقتال نيابةً عنها، ولكننا نتساءَل مرةً أخرى: لماذا أصبح من الصعب على القوى العظمى شن الحروب الناجحة؟

يعد التغيير في طبيعة الاقتصاد الحالي من أهم الأسباب، ففي الماضي إذا هَزمْتَ عدوّك في ساحة المعركة، فبإمكانك بسهولة أن تحصل على الأموال عن طريق نهب مدن العدو وبيع المدنيين في أسواق الرقيق، واحتلال حقول القمح ومناجم الذهب، أمّا في القرن العشرين فلن تكسب من طريقة كهذه سوى القليل؛ لأنّ الأصول الاقتصادية الرئيسية تتكون اليوم من المعرفة الفنية والمؤسساتية، ولا يمكنك التغلب على المعرفة من خلال الحرب.

ومع ذلك، قد تزدهر منظمة مثل: داعش عن طريق نهب المدن وآبار النفط في الشرق الأوسط، ففي عام 2014 استولت داعش على  أكثر من 500 مليون دولار من البنوك العراقية، وكسبت مثلها في 2015 من خلال بيع النفط. رغم ذلك، فإنّه من غير المرجح أن تشن الصين والولايات المتحدة حربًا مقابل مليار تافه، أمّا فيما يتعلق بإنفاق تريليونات الدولارات على الحرب ضد الولايات المتحدة، فكيف يمكن للصين أن تسدد هذه النفقات وتوازن كل أضرار الحرب والفرص التجارية الضائعة؟ هل سينهب جيش التحرير الشعبي المنتصر لثروات وادي السليكون؟ صحيح أنّ الشركات مثل: Apple و Facebook و Google تستحق مئات المليارات من الدولارات، لكن لا يمكن الاستيلاء على هذه الثروة بالقوة. لا توجد مناجم السيليكون في وادي السليكون.

نظريًا، يمكن للحرب الناجحة أن تحقق أرباحًا ضخمةً من خلال تمكين المنتصر من إعادة ترتيب نظام التجارة العالمي لصالحه، كما فعلت الولايات المتحدة بعد فوزها على هتلر. ومع ذلك، فإنّ التكنولوجيا العسكرية الحالية تجعل من الصعب للغاية تكرار هذا العمل الفذ. وبحسب التعريف، فإنّ الأرباح الكبيرة الناتجة عن الحروب هي التي تجعل منها محط اهتمام المنتصر، ومن الممكن أيضًا أن تجعل الطرف المنهزم يلجأ إلى أسلحة الدمار الشامل، فليس من قبيل المصادفة أنّه منذ هيروشيما لم تقم القوى العظمى بمقاتلة بعضها بعضًا مباشرةً، ولم تشارك إلّا في ما كان (بالنسبة لهم) صراعات قليلة المصالح، كما لم يكن هناك أي منها يميل إلى استخدام الأسلحة النووية لتفادي الهزيمة. في الواقع، حتى مهاجمة الطاقة النووية من الدرجة الثانية مثل: إيران أو كوريا الشمالية هو اقتراح غير جذاب للغاية.

الحرب الالكترونية

إنّ مفهوم الحرب السيبرانية “الإلكترونية” يزيد الأمور سوءًا بالنسبة للإمبرياليين المحتملين، فحتى عهد جورج دبليو بوش، كانت الولايات المتحدة قادرةً على إحداث فوضى في الفلوجة البعيدة، بينما لم يكن لدى العراقيين أي وسيلة للانتقام من سان فرانسيسكو، ولكن إذا كانت الولايات المتحدة قد هاجمت الآن دولة تمتلك قدرات حرب إلكترونية معتدلة، فإنّ البرمجيات الخبيثة والفيروسات يمكن لها أن توقف حركة النقل الجوي في دالاس، وأن تتسبب في تصادم القطارات في فيلادلفيا، وتعطيل الشبكة الكهربائية في ولاية ميشيغان.

أمّا في عصر الغزاة العظماء، كانت الحرب عبارة عن صفقة منخفضة الضرر وذات ربح مرتفع، ففي معركة هاستينغز في عام 1066م، اكتسب وليام الفاتح إنجلترا بأكملها في يوم واحد بتكلفة بضعة آلاف من القتلى. وعلى النقيض، فإنّ الأسلحة النووية والحرب السيبرانية هي تقنيات عالية الضرر، وذات ربح منخفض، حيث يمكن استخدام هذه الأدوات لتدمير بلدان بأكملها، ولكن ليس لبناء إمبراطوريات مربحة.

اليوم، وفي عالم مليء بأزيز الرصاص وانفجارات المدافع، ربما يكون أفضل ضماناتنا للسلام أنّ القوى الكبرى ليست على دراية بأي مثال حديث عن حرب ناجحة، ورغم كل ما تصدره القوى العظمى من تهديدات واستنكارات، إلّا أنّها خائفةٌ تمامًا من حرب فعلية، وتفضل أن يبقى ذلك كلامًا مسطورًا فقط، على عكس القادة العظماء أمثال: يوليوس قيصر وجنكيز خان اللّذين كانا إذا ما خططا لحربٍ خاضاها مباشرةً.

وعلى الرغم من كل ذلك، إلّا أنّه يبقى احتمال اكتشاف هذه الدول لطريقة شن حرب ناجحة في ظل ظروف القرن الواحد والعشرين أمرًا مخيفًا، وقد يفتح أبواب الجحيم بسرعة، وهذا ما يجعل النجاح الروسي في شبه جزيرة القرم فألًا مخيفًا بشكل خاص، لكن دعونا نأمل أن يظل هذا المثال معزولًا. ومع ذلك، حتى لو كان من المستحيل شن الحروب الناجحة في القرن الحادي والعشرين، فهذا لا يعطينا ضمانةً مطلقةً للسلام، فلا يجدر بنا أبدًا الاستهانة بالغباء البشري.

3

شاركنا رأيك حول "لماذا لم يعد ممكنًا لأية دولة خوض حربٍ ناجحةٍ؟"

  1. safowen

    تحليل منطقي لكن بخصوص الحرب الالكترونية ففاعليتها محدودة وليست بتلك السهولة فوراء المخترقين يوجد خبراء في الامن المعلومات الذي يعززون الحماية بين فترة واخرى

  2. abomazen alhomsy homsy

    مقال جميل يدل على ان التخلف السياسي الروسي مازال مستمراً مقارنةً بالامبراطوريات الأخرى, اذ لا ينفكون يطلقون تهديداتهم الفعلية ويستخدمون اساليب الحرب المباشرة كما فعلوا بالقرمو اوكرانيا و اليوم -وللأسف- في سوريا !

أضف تعليقًا