هل انتهت الفلسفة فعلًا؟ عن نظرية ستيفن هوكينغ عن سطوة العلم

نظرية ستيفن هوكينغ عن موت الفلاسفة
7

يقتضي التسلسل الخطي للتفكير المرور على أربع منصّات مُتتالية، أولها ما يُسمى بالتفكير الأُسطوري الذي يعرّف بالإتيان بما هو خارق وغير واضح ومُبرر، يتبعهُ التفكير الديني، وهو المحاولات الأولى للتفسير بعيدًا عن سطوة الأُسطورة، ومن ثمّ التفكير الفلسفي الذي يغض النظر عن الظاهر لكي يلج إلى ما وراء الظواهر نفسها.

وأخيرًا يصب التفكير في الإطار العلمي، فينبثق ما يُسمي بالتفكير العلمي، الذي يعتبر الدليل والقابلية للتكرار أحد أهم مبادئ المنهج القائم عليه.

فالتفكير يمر من الأُسطورة، للدين، للفلسفة، ليصب أخيرًا في التفكير العلمي.

خصوصًا أنّ تطوّر التفكير لدى الشعوب البدائية كالمايا وغيرهم كان غالبًا ما يتوافق مع هذا النسق من التسلسل، ويؤكّده أكثر مما ينفيه.

ما يجب طرحه هنا، هل الوصول للمنصة الأخيرة من التفكير وبلوغ ما هو علمي، يقتضي بالضرورة تحييد المرحلة السابقة؟ بمعنى أنّ التفكير العلمي يجب أن يُقصي التفكير الفلسفي؟ والفلسفة بدورها تُنحّي الدين عن مساره؟

على هذا الكلام بنى هوكينغ نظريته، والتي خاطر بها كثيرًا عندما قال بأنّ الفلسفة قد ماتت!

قدّم هذه الفكرة في عدة لقاءات، كما أشارَ إليها في كتاب التصميم العظيم الذي تم تحويله إلى وثائقي من ثلاث حلقات، إذ يظهر هوكينغ على أنّه من رواد مبدأ تنحية الفلسفة عن الخط، وأنّ قبضة العلم الحديدية هي التي يجب أن تسود في مناحي الحياة العملية، خصوصًا أنّ في هذا العصر أصبحَ الذي يجلس خلف الحاسوب أهم من الذي يفكّر ويكتب بالجرائد، ولا يعبأ به أحد.

لا تقتصر وجهة نظره عند هذا الحد، بل تزيد في أهمية تنحية الفلسفة وإقصائِها، والتركيز على الثوابت الرئيسة التي لا يُقبل الجدل حولها، فالكوزمولوجيا بوصفها علم الفلك قائمة على الطاقة، والبيولوجيا قائمة على التطوّر والانتخاب الطبيعي، وهلم جرًا على بقية العلوم التي أصبحت تستند إلى دعائم صلبة واضحة.

فالمكان للفلاسفة أصبحَ ضيقًا جدًا، خصوصًا أنّ هوكينغ كان يرى أن مُعظمهم يجهلون علم الرياضيات دون أن يدري أنّ العديد من فلاسفة العالم القديم كانوا رياضيين بالأساس، إلّا أنّ كلامه يبدو في سياق فلاسفة العصر الحديث فقط.

لم يُترك هوكينغ ينجو بنفسه بوجهة النظر هذه، فالانتقادات طالته سريعًا، ورأى معظم منتقديه أن محوريّة الرياضيات والطاقة في تفكيره أمر قد يكون في غير موضعه، صحيح أنّ الرياضيات هي لغة الكون كما عبّر بيرتراند راسل في أحد المرات، إلّا أنّ تسيّدها على حساب جوانب أُخرى أمر يُخل بالتوازن القائمة عليه العلوم قبل الفلسفات حتى.

النقد الأهم هو النظرة الاختزالية لستيفن هوكينغ تجاه الفلسفة، هناك رؤية محدودة لكل إنسان يجهل شيئًا ما وهوكينغ لم يكن استثناءً هنا، الجميع يرى في الصيدلي بائع أدوية عندما يجهل الصيدلة! الجميع يرى في السياسة مجرد خداع وكذب عندما تجهل السياسة! الجميع يرى في الطبيب سفاح يسعى لكسب المال إن جهلت الطب!

الإنسان عدو ما يجهل، ولو أردنا الاستزادة لقلنا الإنسان عدو ما يعرف بضحالة أيضًا!

نقد هوكينغ للفلسفة كان بسبب ضحالة النماذج الفلسفية التي طرحتها لتصوّر الكون، والتي غالبًا ما كانت مبنيةً على استعارات كلامية وألفاظ بلاغية لا تسمن ولا تغني من جوع، عكس المبادئ الكونية الصلبة التي فضّلها هوكينغ.

لربما هنا كان نقد هوكينغ صحيحًا نوعًا ما، لكن أن تختزل الفلسفة في هذا وتقتلها أمر مُجحف مبالغ به. ماذا عن الفلسفات الأخلاقية مثلًا! ماذا عن الرواقية؟ ماذا عن الفلسفة التحليلية؟ ماذا عن الفلسفة البنيوية، ماذا عن فلسفة التفكيك؟ ماذا عن كل هذه الفلسفات التي إن لم تساعد الإنسان في حياته، فهي على الأقل ترسم له خطًا كي يفهم ما يجري حوله، هل من الصحيح أن نقول أنّها ماتت! نماذج فلسفية للكون ربما قد تموت، لكن موت الفلسفة بأكملها أمر مستحيل.

لذلك، نرى العديد من النقّاد الذين واجهوا هوكينغ قاموا بتصنيفه على أنّه رجل بدون خيال صاحب طابع ميكانيكي، على العكس مثلًا من ألبيرت آينشتاين الذي يتفق الجميع على جموح خياله، ونظرته الشاعرية نحو الكون.

نقد هوكينغ ونقد وجهة نظره لم يقتصر على هذا فحسب، بل دعا البعض إلى إعادة النظر بالمفاهيم المادية الجديدة المُقصية لكل ما لا يستند إلى نفس الأسس الصلبة القائم عليها العلم، خصوصًا أنّ هوكينغ لم يقل بضعف دور الفلسفة أو وجوب تنحيتها، بل قال أنّها ماتت!

الجدال في هذا الموضوع لن ينتهي بموت هوكينغ قطعًا، فقد تحدث عنه الكثيرون قبله وسيتحدث الكثير بعده، لربما هو أشهرهم إلّا أنّ الموضوع قيد الكلام ولا يزال بين أخذٍ ورد، إلّا أنّ ما أورده هوكينغ من وجهة نظره عن الفلسفة تعتبر اختزالًا جائرًا، لا سيما أنّ هناك علماءً مُحدثين جمعوا بين العلم والفلسفة معًا كناعوم تشومسكي مثلًا.

الطبيعة قائمة على الدليل وخاصةً الصلب. تلك، الفكرة التي أراد هوكينغ أن يهدم الفلسفة لأجلها، إلّا أنّه قد فشل نوعًا ما، خصوصًا أنّ كلًا من العلم والفلسفة واجبي الوجود، فالعلم الصلب مهم لكي تتعامل مع الكون، وفي الوقت نفسه الفلسفة مهمة لكي تتعامل مع البشر.

ولربما يكون الموقف الشخصي هو الدافع الرئيسي الذي دعاه للإيمان بذلك، كما قال أحد نقاد هوكينغ، فالتجربة لديه تجعله يقصي الفلسفة، لا سيما أنّ العلم الصلب هو من أعانه على إكمال حياته، في الوقت الذي كانت الفلسفة لا تفيده بأي شيء، فكيف لا تريده أن يقول حينها بأنّ الفلسفة قد ماتت!

7

شاركنا رأيك حول "هل انتهت الفلسفة فعلًا؟ عن نظرية ستيفن هوكينغ عن سطوة العلم"