دراسة استقصائية: متى تسبب مشاهد الأفلام الإباحية مشكلة حقيقية؟

مشكلة مشاهدة الافلام الاباحية
0

أصبحت الإباحيّة في هذا العصر مُنتشرة بشكل لا يمكن تجاوزه، كما أنها أصبحت أكثر تعقيدًا وأشدّ تطوّرًا. لقد مضت أيام عندما كانت الصورة الإباحية هي التي تحكم. لقد مضت أيام عندما كانت هذه الصناعة مقتصرة على المجلات الخلاعيّة. مضت أيام عندما كانت هذه الوسائل البدائية هي العنصر الأساسي والأشيع للإباحية، فالآن أصبحَ ما شكّلته فكرة المُتاح المُباح من جانب، والإنترنت من جانب آخر قوّة شديدة ولّدت انفجارًا عنيفًا من الإباحيّة المتطوّرة التي سبقت بمراحل الواقع الحقيقي حتى، حتى أن مشكلة مشاهدة الافلام الإباحية لم تعد مشكلة لدى بعضهم!

تعدّد البدائل، وتوطيد العلاقات غير المُلائمة، واعتبارها أمرًا صائبًا في مختلف الحالات سيؤدي لما يراه الكثيرون في نهاية المطاف تغييرًا جذريًا للمفهوم الذي يمتلكه الإنسان عن الجنس.

في أحد الأبحاث التي نُشرت مؤخًرا تم التحقيق بخصوص موضوع الإباحيات ومدى استخدامها، لا سيما أن تواترها قد تسارع في العقود الأخيرة، كما أنها لعبت دورًا هامًا وكبيرًا في تشكيل وقولبة المجتمع الخاضع لها، إلى جانب بعض الأسئلة الأخلاقيّة المتعلّقة، والأضرار المُترتبة على المشاهدة، والتي يرى الكثير من خبراء العلاقات أنها قد تكون صحية في جانب مُعين، وقد تكون تدميرية من جانب آخر.

كيف يمكن للعلاقات السيئة أن تقولب فكرة الإباحيّة؟

كيف يمكن للعلاقات السيئة أن تقوّلب فكرة الإباحيّة؟

بعض الناس – لاسيما الرجال – يقولون أنّ الآثار الإيجابية المُترتبة على المشاهدة تكون أكبر من تلك السلبية، إلا أن هذا لا ينفي وجود ضرر قد يكون مُباشرًا أو غير مُباشر، لعلَ أبرزه سيكون كما أوضحت أحد الدراسات، توجيه خاطئ لمراكز المكافأة في الدماغ مُسببةً خللاً في أداء الوظائف الجنسية، وإدماناً شبه جبري على الإباحيات لتحقيق الاستثارة.

أيضًا لاحظ البحث بعض النقاط التي أصبحت الآن مَعروفة لدى الجميع، وهي أن استخدام الإباحيات قد أصبح شبه أولوية، بالإضافة لتنوّعه وتعدد فروعه. وفي نفس الوقت أصبح أشد فتكًا وأكثر إحداثًا للقلق وفي طريقه للخروج عن السيطرة، ناهيك عن تأثيرها المعروف على تمزيق العلاقات وإحداث شروخ داخلها.

يقترح بعضهم أن المواقع الإباحية المتواجدة على الشبكة أصبحت أكثر تعنّدًا، فوفقًا لبعض الأبحاث فإن 17% من مُشاهدي الإباحيات شبه مُدمنين، إضافةً لكونهم يعانون من اضطرابات القلق، ووظائف جنسيّة غير طبيعية. كما تقول بعض المراجع إن الخروج عن السيطرة في مشاهدة الإباحيات ناجم عن المشاهدة المُفرطة للمواد الجنسية الموجودة على الشبكة.

من السهل معرفة أن الناس الذين يشاهدون الإباحيات يعانون من صراع ما، أو مخاوف معينة تقبع في مكان معيّن من نفسيّة المُشاهد، الأمر الذي يؤدي تدريجيًا لفقدان السيطرة على المشاهدة كونها تشكل الملجأ الوحيد الآمن في حال التعرّض للكثير من المنغّصات. لكن من ناحية أخرى، بعض المشاهدين للإباحيات قد يكونون في حالة نفسية جيّدة بالرغم من كونهم يشاهدون بنوع من المواظبة حتى.

في هذه النقطة يُرجّح البحث بأن الأمر مُرتبط بنوعية العلاقات والرضا الجنسي بين الأطراف المُقدِمة على المشاهدة.

 

نظرة عن قرب: الإباحيات، العلاقات، والرضا الجنسي

الإباحيات، العلاقات، والرضا الجنسي

للغوص عميقًا في هذه العوامل المُحيطة بالموضوع، تم تطويع مجموعة من الأشخاص المُرتبطين بعلاقات معينة لاستكمال استقصاء إلكتروني عن موضوع (مُشاهدة الإباحيات، توتر العلاقات، الرضا الجنسي بين الأطراف، وبعض العوامل الأخرى). الاستقصاء أُجريَ على 1036 شخصًا، 50% من النساء تراوحت أعمارهم من 18 – 35 سنة، مُعظمهم كانوا في علاقة استمرت لحوالي سنة، 30% منهم كانوا يتسكّعون معًا إلا أنهم لم يعيشوا في نفس المنزل.

أما الذين يعيشون مع بعضهم فقد كانت نسبتهم 54%، 15.6% منهم كانوا متزوجين، ثلثهم كان لديهم أطفال.

النقاط المُستهدفة في الاستقصاء كانت: مشاهدة الأفلام الإباحية، كمية وتواتر هذه المشاهدة، نوع الأفلام التي يتابعونها، مقدار السيطرة على الرغبة في المشاهدة، بالإضافة للرضا بين الأطراف في علاقاتهم الاعتيادية، وعلاقاتهم الجنسية أيضًا. ومن حيث النتائج فقد كانت كالتالي:

73% من النساء و98% من الذكور أقرّوا مُشاهدتهم للأفلام الإباحية خلال آخر ستة أشهر، أي ما يُشكّل 85% من العيّنة التي تمت دراستها. أما بالنسبة لمشاهدة الإباحيات في الأسبوع الماضي فالنسبة كانت أقل، إذ كانت 80% من الذكور و26% من الإناث. أما بالنسبة لنوعية الأفلام المُشاهدة فقد كانت مُشاهدة من قبل، أي أنها كانت معروفة لديهم مُسبقًا. ومن ناحية السيطرة على ذلك صرّح الرجال والنساء معًا بعدم قدرتهم على فعل ذلك وتراجعها بشكل ملحوظ.

من جانب قريب، أقرّ الرجال المُشاركين في التجربة، بأن تواتر وكمية مُشاهدتهم للإباحيات كانت غالبًا مُرتبطة مع الرضا الجنسي للطرف الآخر، الأمر الذي سبب لديهم مُشكلة في السيطرة. كما أن هناك نقطة مُميزة ظهرت في أن مدة العلاقة – لا سيما تلك الطويلة وخصوصًا عند النساء – تكون مُترافقة مع انخفاض في نسبة مشاهدة الأفلام الإباحية. أما الرجال والنساء معًا فقد أفادوا بأن المشاهدة غالبًا ما تترافق مع ضعف العلاقات وانحدار في الرضا الجنسي عند الطرفين. ونفس الأمر كان عند من يتشاركون السكن ويعيشون فرادى حتى، ولأصحاب الأطفال أيضًا فلم يلعب إنجاب الأطفال دورًا في تغيير معدل مشاهدة الإباحيات وعدم القدرة على السيطرة عليها. فعلى ما يبدو أن كل شيء له علاقة وطيدة بمستوى التقارب والرضا الجنسي للأطراف.

لكن لو أردنا أن ننظر إلى هذه البيانات من منظور مُغاير، فهناك عدة اكتشافات مُفيدة قابلة للرؤية، أولها أن انحدار التقارب في العلاقات كان مُرتبطًا بوثاقة مع زيادة معدل مشاهدة الإباحيات وعدم القدرة على تركها.

يدلّ هذا على أن الإباحيات ما هي إلا محاولة للتعويض عن ضعفٍ في شيء ما، لا سيما العلاقة بين الطرفين التي صرّح بها مُعظم المشاركين، فالأمر أشبه ما يكون باستراتيجية بديلة عندما تفشل الأولى فقط.

بالنسبة للرجال فقط كان عدم وجود أطفال في العائلة دافعاً لمزيد من مشاهدة الإباحيات والانغماس في إدمانها، مما يدل على أن إنجاب الأطفال قد يحمي من الاستخدام الأهوج لهذه المواد المُباحة، لا سيما أن الوصول لها سيكون أصعب في حال وجود أطفال ضمن أسرة المعيشة.

فالعلاقات الجيّدة والرضا بين الأطراف، تقلل من الارتباط المتواجد بين إدمان الإباحيات والشراهة في استخدامها. مما يُشير إلى أن مُشاهدة هذه الأفلام ليسَ أمرًا مدمًرا بالقدر الذي تهوّل به، بل ما هو إلا إشارة إلى أن هناك خللاً ما وجب عليك أن تلتفت إليه وتصححه، وإلا سيخرج الأمر عن السيطرة حينها.

 

مشكلة مشاهدة الافلام الإباحية ضمن العلاقات

الإباحيات ضمن العلاقات

ما يُمكننا استنتاجه هو أن تحسين نوعية العلاقات يعتبر اللبنة الأولى من أجل تفادي مُشكلة الاستخدام المرضي للإباحيات. خصوصًا أن هذا الاستخدام بإمكانه أن يدمّر وسائل المتعة الغريزية المتواجدة في كلا الجنسين على حدٍ سواء.

من جانب آخر، الحصول على الأطفال واستغلال طاقة المرأة بشكل كامل في تربيتهم سيؤدي بشكل ما لتحوّل الرجال شيئًا فشيئًا نحو مشاهدة الأفلام الإباحيّة، الأمر الذي يزيد من عمق الفجوة بين الطرفين، وقد يتطوّر لأكثر من ذلك مُسببًا خللًا في الوظائف الجنسية لديهما.

الإباحيات – خصوصًا لدى المتزوجين – أشبه ما تكون أيضًا نوعاً من الخيانة المقنّعة، لا سيما أنها دائمًا ما تبقى سرية وبعيدة عن الأضواء وليس هناك أحد مُستعد للحديث عنها في كثير من المواقف. فمشاهدة الإباحيات إضافةً لكونها بديلاً عن إحباط جنسي لم يُحصَل عليه في الحياة الواقعيّة، يمكن أن تكون ملجأً لمواجهة ضغوطات أخرى قد لا تكون على صلة بالجنس والعلاقات من أصلِه.

أما من الناحية الأخلاقية، فيختلف تقييم الموضوع أيضًا، لا سيما أن بعض العاملين في مجال هذه الصناعة يكونون مُكرهين أو تعرضوا للإيذاء في صغرهم أو أي شيء من هذه الوصمات التي تحدث في الطفولة وما بعدها لتترك تأثيرًا تصاعديًا لا يلبث إلا أن يحتدم في مرحلة ما، فيصل إلى قمة مجده عندما يصبح صاحبه نجمًا إباحيًا يراه مليارات الناس يوميًا وهو عارٍ.

لذلك يكون الحكم على أن هذه المشاهدات من ناحية أنها (أخلاقية، غير أخلاقية)، (خيانة، ليست خيانة) أمرًا صعبًا لا سيما أن الظروف تكون غامضة وأن الدوافع التي قد تحدث تكون مُظلمة بدورها أيضًا.

وإن أردنا أن نلخّص فحوى هذا البحث والدراسة الاستقصائية بشيء من الإيجاز لكان هو أن مُصارحة الطرف الآخر بعدم الرضا الذي يشعر به اتجاهه، بالإضافة إلى التفكير في إنشاء أسرة متوازنة دون إهمال أحد أطرافها لصالح الآخر، هو الحجر الأساس في تخفيض مشاهدة الإباحيات أو على الأقل تحديد تواتر وكمية مُشاهدتها. وفوق كل ذلك أن تمتلك كل الأطراف نوعًا من الجديّة الرصينة في معالجة هذا الجانب المؤثر على الحياة الزوجية بأكملها.

ولعلَ أهم ما يمكن أن نستشهد به هنا كلمة بروفيسور علم النفس الكندي جوردان بيترسون عندما سأل عن موضوع الإباحيات قائلاً: ليسَ شيئًا هامًا أن تجبر نفسك على عدم مُشاهدة الإباحيات، المهم أن تحظى بحياة سعيدة وعلاقات جيّدة، حينها لن تكون مضطرًا أساسًا كي تشاهدها.

0

شاركنا رأيك حول "دراسة استقصائية: متى تسبب مشاهد الأفلام الإباحية مشكلة حقيقية؟"

أضف تعليقًا