أزمة الإلحاد الجديد: دين اللا دين!

7

عُرِفَ الإلحاد كتوجه فكري يتجلى بـِ (عدم اتخاذ موقف مِن كيفيّة وجود الكون) منذ القدم. فالإلحاد بوصفه إيمانًا بعدم وجود إله صانعًا وراعيًا للكون، مفهوم قد ظهر مذ ظهرت فكرة وجود إله نفسها.

لكن انبثاقه كمصطلح وكمدرسة فكرية لها أعلامها مِن مفكرين وعلماء وفلاسفة، يُعتبر من مُفرزات عصر النهضة والتنوير الأوربي، لا سيما في منتصف القرن التاسع عشر، على يد الباحث الألماني ماكس مولر.

هذا مِن ناحية التاريخ، أما من ناحية توجهات الناس المعتنقين لهذه الفكرة، فإن غالبيتهم كان من النخبة، النخبة التي حوَت العديد من الأسماء، ولعلَ أبرزهم شخصيات معروفة كـ: آرثر شوبينهار، فريدرش نيتشه، جان بول سارتر، بيرتراند راسل، ابن سينا، ابن المقفع، المعري، الرازي وغيرهم كثر من الطبقات الفكرية الفذة.

أما الآن فالوضع يختلف، إذ أن توجهات الإلحاد الجديد أصبحت ضحلة نوعًا ما، كما أن هناك الكثير من المميزات المشتركة لملحدي اليوم، لن نتكلم عن الطبقات المفكرة من نمط كريستوفر هيتشنز، سام هاريس أو دانيال دينيت، بل سيكون حديثنا عن الناس العاديين، لا سيما أنهم أصبحوا مشهورين أكثر من الملحدين المفكرين الآن!

يمرّ الإلحاد الجديد المعاصر في أزمة حقيقية، وإن كانت هناك سمات مُشتركة يمكن تلمّسها، فهي ما سنذكر تاليًا.

تجاوز مرحلة اللاأدرية

بعد أن تخرّ جميعُ المقدسات التي آمنتَ بها دفعة واحدة، وبعد أن تفتح عينيك على شمس الحقيقة المؤلمة بعيدًا عن جميع البلاغيات والعواطف التي أجادت الأديان في اللعب عليها واستغلالها، لا بدَّ من الدخول منطقيًا في مرحلة من الضياع، مرحلة تتميّز بتكافؤ الأدلة وعدم رجحان أي منها، مرحلة تسمى باللاأدرية Agnosticism.

تكمن أزمة الإلحاد الجديد في كونه استقطابي إلى حد بعيد، إلحاد إما موجب أو سالب، إما معنا أو ضدنا، إلحاد لا يختلف كثيرًا عن الأديان، إلحاد انتقل فجأة من مرحلة الاعتقاد بشيء إلى مرحلة نفيه، دون المرور على منصة وسطى بينهم تتكافأ فيها الأدلة أو تتساوى!

الترتيب الصحيح هو أن يكون الاعتقاد بشيء، ومن بعده اهتزاز هذا الاعتقاد وعدم الأدرية بصحته أم خطأه، ومن ثمّ زوال الاعتقاد من أصله إن كان عليه أن يزول. الذي يحدث في الجديد من الإلحاد، أنه يقفز مباشرة من الاعتقاد إلى عدمه!

لا يتفق الجميع على هذه الرؤية، إذ يرى بعضهم أن اللاأدرية موقف كسول أكثر من كونه مرحلة أساسية وَجب المرور عليها، فهي محطة يتخذها الإنسان خوفًا من الوصول للإلحاد الصريح، لا سيما بعد الإيمان لمدة طويلة، فيحاول حينها أن يترك الباب مواربًا لكيلا يصل إلى مكان لا رجعة فيه، فيعلق حينها ضمن اللاأدرية.

أيًا كان الطرح الأصح، تبقى أزمة الإلحاد الجديد أنه استقطابي سريع الحدوث، دون الأخذ بعين الاعتبار لأية مراحل مهمة يجب المرور عليها، أو على الأقل وضعها في الحسبان، مما يدعو بعضهم للقول إنه انفعالي قائم على مواقف أكثر من كونه فكري مُستند إلى بحث وتأمّل.

الإيمان بالأبراج

لم يكن مُلحدًا عاديًا، كان مُلحدًا يؤمن بالأبراج! دليل الاستقطاب السريع للأفكار الدينية / اللادينية السائدة حاليًا هو أنها مُترافقة مع عدم تشغيل لعجلة المخ الموجودة بين الأكتاف، ونتيجةً لذلك ستجد مُلحدًا يدّعي التفكير العلمي المنطقي المُمنهج إلا أنه بنفس الوقت يؤمن بالأبراج! يؤمن بتحركات الأرض والزهرة والمريخ وعلاقتها بمصائر البشر وكيف أنهم سيعيشون أيامهم.

يأتي الإلحاد كحزمة واحدة (One Package) تقتضي هذه الحزمة نسف كل الخرافات والأفكار والتوجهات غير المُثبتة والمخالفة للمنطق أو لتلك التي تصطدم بالعلم وأحيانًا بالعقل. لكن وجود إلحاد مع إيمان بأبراج هو شيء مثير للضحك حقًا.

أعتقد لو رأى هذا الكلام بيرتراند راسل أو نيتشه ليئسوا على حال الملحدين اليوم، وعلى كل الجهد الذي بذلوه في أعمالهم وكتبهم لرسم طريق تنويري يختلف كليًا عما يحدث الآن في سياق ظهور الإلحاد الصاعد الجديد.

وكما اعتاد المتدينون على القول لنفي التهمة عنهم بأن أولئك الأشرار هم مؤمنون لا يمثلون الأديان، يجب على الملحدين الواعيين أن يقولوا إنّ هؤلاء الملحدين المعاتيه هم ملحدون لا يمثلون الإلحاد.

إلحاد يؤمن بالأبراج! شيء مؤسف حقًا.

قطع الصلة مع التاريخ بأكمله

يكمن الإلحاد ببساطة في عدم اتخاذ موقف من كيفية ظهور الوجود، وبالتالي يكون هو الإيمان بعدم وجود إله صانع وخالق للكون. هذا هو الإلحاد كفكرة وتوجه. مشكلة الإلحاد الجديد هو أنه يصح تسميته بالإلحاد التدميري، إلحاد ليسَ نافيًا لمسألة وجود إله فقط، بل نافيًا للأديان وتاريخها وتاريخ تلك الشخصيات التي عاشت أيضًا.

إلحاد قاطع للصلة التاريخية بالأرض التي نشأ فيها الدين من جذورها!

مِن أخطاء الملحدين الجدد أنهم ينسفون التاريخ بأكمله، مُسقطين بذلك فكرة عدم الإيمان بالإله على سيرورة التاريخ كلها، فيصبح عدم الإيمان بالإله متلازمًا مع عدم الإيمان بتاريخ الأديان ولا بالقيم التي رافقتها، وقد يصل الأمر إلى عدم الإيمان بحقيقة وجود بعض الشخصيات المركزية في تاريخ الأديان أيضًا!

أي باحث منصف سيذكر في كلامه – على الرغم من عدم إيمانه – أن للأديان أهمية مرحلية لا بد من وجودها، إذ يقول ماكس مولر مؤسس علم الأديان: “إن التعبد شيء فطري في الإنسان منذ لحظة نشوئه”. لذلك الإلحاد الحقيقي في ضوء المنهج العلمي البعيد عن إلحاد الأبراج يعترف بالدين كغريزة موجودة وأصلية في الإنسان، خصوصًا أنها استطاعت في فترات محددة أن تحقق نجاحًا على عدّة أصعدة، إلا أن الفشل غالبًا ما كان يواجهها بسبب الانغلاقية من جهة، والاصطدام مع الحداثة من جهة أخرى.

هذا ما يقوله أصحاب المناهج العلمية المنصفة، أما ملحدو اليوم فلديهم الإله والتاريخ، وشخصيات التاريخ، وتطور الدين عبر الزمن، كلها غير موجودة. وهذا أسوء ما يمكن الوصول إليه، ليسَ كقناعة أرادوا لها أن تكون لا دينية فأصبحت أسوء من الدينية نفسها! بل كتوجه مبني على منهج غير سليم أبدًا.

الإلحاد يعني الإيمان بعدم وجود إله، وليس قطع الصلة مع التاريخ ونسف كل شيء!

الانحصار في سياج التقدمية

مع تصاعد موجة اللادينيّة، نلاحظ ارتفاعاً واضحاً في عدد الرافضين لهذه الموجة والناقدين لها، خصوصًا أن البيئة العربية تصنّف كمثال نشيط عن الانغلاقية لمثل هذه الأفكار التي تُعتبر غريبة عنها إلى حدّ كبير.

ولعلّ أبرز أسباب الحشد ضد هذا الإلحاد الجديد، هو أنه إلحاد مصحوب بموجة كبيرة من الحشو التقدمي، الحشو الذي يقتضي أن يكون نفي التوجّه الديني مترافقًا مع (الإيمان بالمثلية وتشريعاتها – رفع صوت النسوية إلى أقصى حد – المساواة والتعددية الثقافية).

ليسَ رفضًا لهذا النمط من الإلحاد، لكن يجب الإقرار بأن المجتمع العربي يُعتبَر مجتمعًا محافظًا، لذلك الطَرق عليه بمطرقة الإلحاد التقدمي أمر غير صائب، لا سيما أنها ستُعتبر طَرقة مُضاعفة لإيقاظ مجتمع نائم عن هذه الأفكار منذ وقت طويل.

على الأقل يلزمه في البداية نوع من الإلحاد المحافظ، إلحاد يؤمن بعدم وجود إله إلا أنّه لا يقتضي الإيمان بمثلية تخالف قوانين الطبيعة قبل مخالفة الأديان! أو نسوية لم تعد تطالب بحقوق المرأة بل بحرق الذكور عن بكرة أبيهم!

أزمة الإلحاد الجديد في أنه يحاول استيراد التقدمية الغربية ووضعها كقبعة على الجسد العربي المحافظ، وبالتالي يكون اللاإيمان هنا ليسَ عملية ذاتية طبيعية ناتجة عن تطوّر وحراك المجتمع العربي وانفتاحه، بل استجلاب لسلعة خارجية لا تتعدى كونها استيراد للأزياء وغيرها من الماركات العالمية التي يتمنى الجميع اقتناءها.

وربما لهذا السبب بالتحديد، يكون التجييش الشعبي ضد جميع مفاهيم اللادينية كبيرًا الآن.

ليسَ شرطًا على الإلحاد أن يوافق التقدمية، هناك توجهات كثيرة أخرى. من الطبيعي جدًا أن يكون هناك ملحد محافظ، أو ربوبيّ يستنكر المثلية، أو لاأدري لا يؤمن بالتعددية الثقافية ويرى العرق السويسري فقط هو الشريان الأبهر لهذا العالم، من الطبيعي جدًا أن تجد ذلك، لكن للأسف الاستيراد التقدمي الغربي هو فقط الموجود على ساحتنا الآن.

الإلحاد الجديد: دين اللا دين!

من الأشياء المثيرة للتناقض في بيئتنا الحالية، أنّه كلما أصبح هناك فرجة صغيرة للتفكير والأمل بمستقبل تنويري أفضل لهذه البلاد، يتلاشى سريعًا! لنتفاجأ على وقع أن الذين صنعوا تلك الفرجة هم أسوأ من أولئك الذين كانوا قبلهم حتى!

وكأنّ على هذه الأرض فيروساً وبائياً يحوّل أي فكرة تنويرية إلى فكرة خبيثة بمجرد أنها دخلت في هذه المناطق المغضوب عليها!

أزمة الإلحاد الجديد أنه دين اللا دين! قلنا في المقدمة إن اللادينية بشكل دقيق هي عدم اتخاذ موقف من كيفية وجود الكون، وبالتالي الإيمان بعدم وجود إله صانع، بينما يرى المؤمن أن الأدلة اكتملت لديه، ويسلّم بوجود الإله الصانع، وأنه هو من فعل ذلك. فيكون الملحد باختصار هو الذي لم تكتمل لديه الأدلة على ذلك.

هذا هو الإلحاد، عدم اتخاذ موقف من الوجود، لكن الآن تراه أشبه بالمنظومات الدينية، فأصبح له أُطرٌ كأطرِ الأديان تمامًا!

الإلحاد لا يعني تقديس كتب علمية! ولا الشتم الصباحي النهاري لشخصيات دينية! ولا نسفاً لتاريخ الأديان وفترة نشوئها وللمنطقة بأكملها بسبب أن الدين نشأ بها! أصبح بعضهم الآن يتنصل من العروبة فقط لأن الدين يرتبط معها، وهو لا يريد أن يراه العالم بأنه إنسان متدين محسوب على العرب الذين تضج بهم أخبار الميديا العالمية!

سوري ملحد أصله فينيقي آرامي، ملحد مصري فرعوني، ملحد لبناني كنعاني، ملحد مغربي أمازيغي، وكأن أهم شيء في هذا العالم ألا تكون عربيًا!. صديقي العزيز، ليسَ الفتى من قال كان أبي، إن الفتى من قال ها أنا ذا!

حياة كل إنسان مرهونة بما يفعله هو، ليسَ بما وُلد عليه! دعني أقول لك شيئًا كوني إنسان قرأ في التاريخ ومازال يفعل. كل مجتمع لديه تاريخ لو أراد أن ينظر بتمعّن فيه لوجدَ أشياء تدعو للقيء. أي منطقة جغرافيّة نشأت فيها حضارة ما لديها تاريخ قائم على الدماء والمصالح والخيانات والكذب والخداع، هذا شيء متفق عليه لدى جميع الباحثين الحقيقين.

الأهم من هذا كله هو أنه أمر غير مُشين لأنه يقبع في صُلب تكوين الإنسان، الإنسان وفقًا لوصف جميع الأديان كائن حقير مخادع مختال فخور هلوع محبّ للسلطة وساعٍ نحو المراتب العليا فيها، لذلك نشأت منظومات عديدة لاستيعاب كل هذا الكم من الغرائز المنفلتة لديه، ولعلَ كان أبرز تلك المنظومات هي الأديان.

الإلحاد شيء وتاريخك شيء آخر، كل أمة لديها من المقابح التاريخية ما يكفيها، لذلك لا أحد يتبجح بتاريخه أمام الآخر سوى المعتوه، لأن التاريخ إما أن يكون غير منصف أو مؤدلجًا أو كتبه المنتصر، وفي حال كان صادقًا سيحوي كمّاً كبيراً من الأشياء التي تدل وفقًا لمصطلح الكاتب السوري ممدوح عدوان، تدل على حيونة الإنسان!

لذلك أن تكون ملحدًا شيء، وأن تتنصل من تاريخك شيء آخر! هذه المنطقة لم يبقَ لها سوى بضعة صفحات مضيئة في تاريخها لأن الواقع مخزٍ كما تعلمون، وبفضل هؤلاء الجدد حتى التاريخ قاموا بالانسحاب منه!


كان من الممكن للإلحاد الجديد أن يقدّم رؤية تنويرية أكثر من هذه السائدة حاليًا، خصوصًا مع صعود مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب وإمكانية الكلام عن أي شيء فيه، لكن للأسف سرعان ما تبدّدت هذه الرؤية التنويرية ولم يبقَ سوى بعض من الفارغين الذين يتخذون من الاستفزاز طريقًا لصنع المحتوى الذي يقدموه.

الإيمان بالأبراج، بالرغم من أن عقلية الإلحاد يجب أن تتبنى الموقف المنطقي لكل شيء غير مثبت! تجاوز اللاأدرية وعدم المرور على هذه المرحلة التي تعتبر مفصلية للذين يعبرون من الإيمان للإلحاد بعكس الذين يولدون ملحدين! بالإضافة للتوجه التقدمي الذي يناسب المجتمع الغربي لا العربي، والذي تم استيراده في مكان يبدو أنه غير ملائم له.

ربما المجتمع المحافظ هنا يتساهل مع أن يكون الإنسان ملحدًا، إلا أنه لا يتساهل إن قلت أنك مثلي! تذكّر أن قوانين القبيلة هنا تسبق قوانين الدين أحياناً، وتذكّر أن العرف والتقليد في كثير من الأحيان يتغلب على الشرائع السماوية، فلا تحاول أن تخطئ، فالأمر يتم بالتدريج!

وبعد كل هذا نرى أن الإلحاد تحول إلى دين اللا دين! فأصبح منظومة ظلامية نابت عن منظومة أكثر ظلاميةً منها، ولا نرى إلا تغير الأسماء والشعارات والألقاب في حين أن المحتوى نفسه سواءً كانوا ملحدين أو مؤمنين، فسيادة متلازمة (التعصب للرأي / عدم تقبل الآخر) لا تزال عند الجميع!

غير مهم أن تكون مؤمنًا أو ملحدًا، المهم أن كل شيء يحصل في هذه المنطقة يتحول إلى داء مثير للضحك، يأتي أحدهم ليكتب عنه مقالًا كونه أصبح مثيرًا للسخرية، وأنا هنا بدوري أفعل هذا.

لكن إلى إشعار آخر، وإلى وجود بصيص أمل في أن يخرج الجميع من تعصباتهم وتحيّزاتهم المسبقة الصنع، يبقى الإلحاد الصاعد في أزمة، وفي رؤية غير ناضجة، على الأقل من منظور الإلحاد كمدرسة قديمة نشأت على يد عقول فذة لربما لن تتكرر.

7

شاركنا رأيك حول "أزمة الإلحاد الجديد: دين اللا دين!"