الكل ديكتاتور… عندما أصبح الاستبداد سلوكاً مجتمعياً متأصلاً

الاستبداد المجتمعي - المجتمع المستبد
2

لطالما ارتبط مصطلح الاستبداد بالحكومات والسلطات وما تمارسه من ظلم على المواطنين، لكن الاستبداد وبحسب المعجم هو الظلم والقهر والتعسف بشكل عام والذي لا يكون مقتصرًا على الحكومات فحسب، بل نحن كأفراد نمارسه بل ونتفنن به أيضًا.

الاستبداد في العائلات

عائلة سيمبسون حزينة مستبدة

على الرغم أنه من المفترض أن تكون العائلة هي المكان الذي يجب أن يشعر به المرء بالأمان والراحة والاستقرار، وكل هذه الأحاسيس والمشاعر الإيجابية، إلا أن البيت الأسري يمكن أن يصبح مكاناً للاستبداد وعرض السلطات، ويتمثل هذا بدءاً من ممارسة العنف ضد الأطفال أيًا كان شكله لفظياً أو جسدياً، انتهاءً بفرض أمور لا يحبونها عليهم، وقد يتفنن الآباء والأمهات بممارسة فرض سيطرتهم هذه، فنجد من يُجبِر أو تُجبِر ابنهم على دراسة تخصص لا يحبّه، ناهيك عن الأم التي تفرض على ابنها تزويجًا من واحدة رأتها مناسبةً له، وهذا ما نراه كثيرًا مؤخراً!

لكن مهلاً! ماذا لو قلبنا المشهد فهل يمكن أن يُستبَدَّ الآباء؟

نعم، يمكن للآباء أن يُستبدوا وتُقمَع حقوقهم من قبل أبنائهم، وهذا يكون شائعاً أكثر عندما يكون الأبناء قد كبروا ونمت أجسادهم وقست أعوادهم، فيستخدمون قوتهم تلك تجاه آبائهم -للأسف- فيمنعونهم من حقوقهم ويفرضون عليهم ما لا يريدون ومن تلك الممارسات التي يمارسونها تجاه آبائهم أن يمنعوهم من الزواج في حال وفاة أحد الأبوين خوفاً على الميراث وقد يمنعون أحد الأبوين من الحصول على حقوقه في أملاكه.


الاستبداد في العلاقات

الغيرة في العلاقات

إن الحب والغيرة والاهتمام مفاهيم خرّبها الاستبداد وعاث بها فسادًا. فماذا يعني أن يقوم شابٌ ما بمنع صبية “لا يربط بينهما سوى رابط حبٍ ضعيف” من نشر صورها على وسائل التواصل الاجتماعي “وتعنيفها لفظيًا” إن فعلت ذلك ولو عن طريق الخطأ!

وماذا يعني أن يمنع ذلك الشاب الغيور والحبيب الرجولي “حبيبته سندريلا” من الخروج من المنزل أو الذهاب إلى مكانٍ ما في حين يسمح لها والدها بذلك؟! أتكلم هنا عن اثنين ليسا زوجين ولا مخطوبين، هما فقط متحابان!

لعلي مررت مؤخرًا بموقف مشابه حين قال لي شابٌ أراد التقدم لخطبتي أنه سيحاسبني حسابًا عسيرًا إن بانت وبالخطأ خصلة من شعري! وبرّر كلامه طبعًا بأنه شاب غيور!

حينها نظرتُ حول كل هذه النماذج التي لا يخلو منها أي حديث من أحاديث الفتيات واستنتجت أن الاستبداد هو السلوك الرئيسي في الكثير من علاقات الحب، حتى وصل صداه إلى كاظم الساهر والذي غنّى أغنيته المعروفة “يا مستبدة”.

وحتى لا يُساء فهمي، أنا لست ضد الغيرة والحب والاهتمام فما أتحدث عنه هو حين تتحول هذه المشاعر إلى مسبب لعدم الاحترام والتعنيف والتسلط والذي يمارسه الطرفان ودون أدنى حق، رجلًا كان أو أنثى باختلاف الأساليب والمعدات والوسائل طبعاً!


استبدادنا في المدارس والجامعات وأماكن العمل

المدير الدب

يأتي مدير المدرسة غاضباً مزمجراً فيصبّ جامّ غضبه على أحد المدرسين الذي وبدوره يمارس استبداده على طلابه، فيسبُّهم ويضربهم ويعنّفهم ويسخر منهم أو يقوم بتهديدهم بخسف درجاتهم، ليمارس هؤلاء الأطفال استبدادهم أيضاً على كل من هم أضعف منهم وأدنى. ولا يكون المشهد مختلفًا كثيرًا في الجامعات حيث يذيع هناك سيط العديد من الأساتذة الجامعيين الذين يتفننون بخسف معدلات الطلاب وقد يطلب بعضهم استقبال الرشاوي لقاء حصول الطلاب على علامة النجاح.

وقد تنقلب الآية ويصبح الأساتذة هم العرضة للاستبداد من قبل طلابهم، يكون هذا السلوك واضحاً في المدارس الخاصة حيث يقول الطلاب لمعلميهم نحن من ندفع لكم رواتبكم!

أما بشأن أرباب العمل والموظفين وكوني أعيش في بلد تجتمع فيه كافة الأيادي العاملة من كل مكان، فكان لي أن أسمع العديد من القصص عن استبداد أرباب العمل وأكل حقوق عامليهم. وقد ساعد نظام الكفالة أربابَ العمل على ممارسة استبدادهم بأبشع الصور، فيستطيع الكفيل تسليم مكفوله للسلطات أو ترحيله أو إلغاء خدماته أو منعه من السفر، ولا يخلو هذا السلوك السلطوي من إيقاف رواتب العاملين أو التملص من دفع أجورهم. فقد قابلتُ مؤخراً العديدَ من الأفراد الذين لم يدفع لهم أربابُ عملهم كامل مستحقاتهم، وحين لم يستجب ربّ العمل توجّه المظلومون إلى المحاكم التي لم تكن تسمن ولا تغني من جوع، بل زادت الطين بلة من دفع تكاليف وأجور ومواصلات قد تزيد على المستحقات كاملة.

لكن مسألة الأجور والرواتب ليست محصورة حيث أقطن فحسب، فكثيرون أولئك الذين يعانون من تسلط واستغلالية رب العمل التي تتمثل بتدني الرواتب وسوء المعاملة واستغلالات عديدة يطول ذكرها، ويحدث هذا في جميع أنحاء العالم.

أخيراً دعونا نتساءل ما مصير أي شخص تعرّض للاستبداد؟

حسناً، لا توجد قاعدة حقيقية وراء أي شيء، لكن باعتقادي ومما شاهدته فإما أن يبقى الشخص الذي تعرض للاستبداد ضعيفًا ممارساً لدور الضحية ويصبح ملكاً للدراما، أو يتحول موقفه إلى موقف قوة ويمارس الاستبداد الذي وقع عليه على أحد ما، لتصبح العقيدة الوحيدة التي ينتهجها هؤلاء هي “حكم القوي على الضعيف” وكلّما تعرض الشخص للاستبداد كلّما كان مستبدًا وسلطوياً أكثر.

وربما يفسر هذا تسلط واستبداد أي شخص كانت لديه سلطة على أحد ما بدءًا من “أدمن على مجموعة فيسبوك” انتهاءً بالسياسيين وذوي السلطة الحقيقية.

 

2

شاركنا رأيك حول "الكل ديكتاتور… عندما أصبح الاستبداد سلوكاً مجتمعياً متأصلاً"