ما وراء الحدود.. حوار مغرق في الجدية مع مؤسس أكثر المواقع العربية سخرية

موقع الحدود
2

لا تختلف مواقع النشر، والصحف والمجلات الرقمية العربية كثيرًا فيما بينها، بل تشترك في الكثير من النقاط التي أبرزها انعدام الموضوعية، فيكفي أن تقرأ الأسطر الأولى من خبر أو مقال على موقع ما لتعرف من هي الجهة المنحاز لها، وفي أحيان أخرى يكفي أن تقرأ العنوان فقط، فتجد لنفس الخبر عناوين متضادة بين موقع وآخر، كل بهدف الترويج لأجندة الداعم سواء كان دولة، أو حكومة، أو أية جهة أخرى بإمكانها الدعم.

ومن الأشياء المشتركة أيضًا هي زاوية الرؤية، فكلٌّ يقدم الخبر بنفس الطريقة الدرامية التي تشعرك أن العالم كله مخادع كذاب، ماعدا وليّ النعمة فهو الملاك الحارس.

ولكن في مكان ما من هذا العالم يبدو أن أحدهم قد لاحظ أخيرًا حجم الكارثة، وقرر أن يرمي حجرًا في مياه هذا المستنقع، ويقدم شيئًا مختلفًا، ربما لا يكون جديدًا من حيث المادة، فالأخبار هي ذاتها لم تتغير، ولكن طريقة العرض والأسلوب المقدم هي ماستجعلك تنظر للأحداث بطريقة مختلفة عن تلك الدراما السوداء، والاختلاف هنا ليس “السوداء” بل بالاستغناء عن الدراما والفانتازية، واستبدالها بالكوميديا بها لتوصل الأفكار والأخبار بطريقة ساخرة هي في الحقيقة الأقرب إلى الواقع، وبتعبير أفضل “الواقع الذي لانقوله” أو ربما لم نستطع التعبير عنه حتى الآن.

منذ أن انطلق موقع الحدود في العام 2013 وحتى اليوم، تعرض للكثير من الانتقادات التي وصلت إلى حد الهجوم عليه وعلى ومؤسسيه، خاصة بعد نقده بشكل ساخر للكثير من الشخصيات التي قد يراها بعضهم بمثابة الآلهة التي لا تخطئ، ومن المحرّم المسّ بذاتها، إضافة إلى إظهاره لكوارث موجودة في الدول العربية بطريقة أزعجت بعضهم الآخر.

[lightgallery images=”204976,204975,204974,204973,204972,204971,204970,204969,204968,204967,204966,204965″]

ما وراء الحدود

أجريتُ حوارًا مع الأستاذ عصام عريقات مؤسس موقع الحدود، وأجاب على كل التساؤلات التي تدور حول مشروع الحدود بأسلوب لم يختلف كثيرًا عن الأسلوب المتداول في الموقع نفسه.

غالبية الأفكار الجديدة والمبتكرة تأتي في ظروف غير معتادة، فأحدهم اكتشف قانون الجاذبية بعد أن سقطت تفاحة على رأسه من الشجرة، وآخر حل معضلة رياضية عندما كان يستحم في حمام عام.. فكرة موقع ساخر مثل موقع الحدود، من أين جاءت؟ أين كنتَ بالضبط، وكم كانت الساعة، وكيف كانت البداية؟

جاءت فكرة الحدود في نهاية شهر 5 من عام 2013. كنا مجموعة من النشطاء السياسيين اليائسين من تغيير الوضع الجامد في الأردن في فترة كانت فيها كل الدول المحيطة على صفيح ساخن. كنتُ وقتها أقود سيارتي متأففًا من زحمة السير من جهة، ومن مشاكل البلاد من جهة أخرى حينما هاجمني سؤال: لماذا ليس لدينا أي موقع لتقديم الأخبار الساخرة باللغة العربية؟ وهنا بدأ كل شيء.. اتصلتُ بصديق لي كنت قد عملت معه من قبل على مشاريع في مجال كتابة السيناريو وما إلى ذلك، وسألته نفس السؤال، وكان جوابه: “لا أعرف، تعال نجتمع الليلة”، وبالفعل اجتمعنا في تلك الليلة ووضعنا خطة عامة للموضوع، وبعد أسبوعين أوجدنا الاسم، ووضعنا تفاصيل أكثر عن خطة إطلاق الموقع، وبحكم دراستي لعلوم الحاسوب قمت بتطوير الموقع بما أملكه من خبرات، ومن ثم قمنا بإعداد مايقارب 15 مقالاً، وبعدها بشهرين بالضبط تم إطلاق موقع الحدود بشكل رسمي.

عمالة على مستوى!

حسنًا لا يمكن لناشط سياسي في دولة عربية سوى أن يكون عميلًا للغرب الشرير، ولكن من خلال قراءتي لما تنشروه على موقع الحدود، وعلى عكس جميع المواقع الإخبارية العربية التي تروج أفكار داعميها، لم أتمكن من تحديد الجهة التي تعملون من أجلها، فعندما أقرأ مقالًا ينتقد ظاهرة أو “رفيقًا مناضلًا” في دولة عربية ما، أجزم أنكم عملاء للدولة المعروفة بعدائها لها، ولكن ماهي إلا دقائق حتى أرى مقالًا لاذعًا ضد الدولة الأخرى، فأصبحت في حيرة من أمري، فهل يمكن أن تخبرني بصراحة أنتم عملاء لمن تحديدًا؟

في الحقيقة نحن عملاء مزدوجون وربما أكثر من مزدوجين، فنحن عملاء لكل جهة في العالم إذا جمعنا الاتهامات الموجهة ضدنا، ومن يدفع لنا أكثر اليوم هو من سيحصل على أفضل مقال يناسب توجهاته على المنصة 😂… هههه لو كان هذا الكلام صحيحًا لكنا الآن من أغنياء العالم.

منذ انطلاق الموقع في شهر تموز 2013 وحتى نيسان 2014 (أي على مدى 9 شهور) كنت أعمل على الموقع بنفسي مع اثنين من أصدقائي دون أي تمويل، وبعد فترة من العمل المضني حاولنا الحصول على بعض التمويل من خلال الإعلانات، ولكن لم يرغب أحد بأن يعلن لدى موقع مثل هذا، فعندما كنا نتوجه إلى شركات الإعلانات لنعرض عليهم الإعلان معنا كانوا يضحكون ساخرين بصوت عالٍ. الأمر ذاته تكرر مع المستثمرين الذين كانوا يخبروننا بأنه من الممكن أن يتم إغلاق موقعكم في أي وقت من قبل أية حكومة، وينتهي أمركم.

ولكن في النهاية حصلنا على تمويل من المؤسسة الأوروبية للديموقراطية، وهي مؤسسة تهدف إلى التشجيع على حرية الرأي والتعبير، في منطقة شرق أوربا، والشرق الأوسط أيضًا، وكان الاتفاق معهم من البداية ألّا يتدخلوا في عملنا أو يملوا علينا أي توجهات كي لا يقول أحد لنا أننا عملاء للخارج بتمويل أجنبي. ومن ثم حصلنا في وقت لاحق على تمويل من مؤسسة Open Society Foundation.

غرفة العمليات

كيف يتم إعداد المواضيع، واختيار العناوين، وهل هنالك آلية معينة لاختيار الكتاب، ومواصفات معينة مثل فحص دم بحثًا عن مستوى معين من الحشيش؟

ههههه لا.. يظن الكثيرون أن الموضوع هو عبارة عن مجرد اختلاق بعض النكات ووضعها في إطار معين، لكن في الحقيقة تستغرق المقالات الكثير من الوقت والجهد، فقد يعمل الكاتب لمدة 8 ساعات متواصلة على مقال قد لا يتجاوز 400 كلمة، فالموضوع يجب أن يتضمن كلامًا حقيقيًا تمامًا كما تصاغ الأخبار الجدية، فإلى جانب الجانب الكوميدي، والترفيهي وراء الخبر أو المقال، يجب أن يقدم في النهاية رسالة، أو أن يقول شيئًا معينًا، والموضوع ليس مجرد “تخويت” ولعب على الكلام والسلام.

يجتمع فريق العمل الأساسي يوميًا لمدة ساعة، قد تمتد أحيانًا إلى ساعتين بحسب كمية الأخبار والأحداث المتاحة وسخونتها، وتتم مناقشة الأخبار بشكل عفوي وتلقائي، وأثناء هذا النقاش تظهر العناوين، والاقتراحات، وهكذا يتم اختيار العناوين بشكل “ديموقراطي”، والعمل على تنفيذها خلال اليوم، ولكن كلمة ديموقراطي لا تمنع وجود حق “الفيتو” في بعض الأحيان، ويتم استخدامه فقط في حالة كان العنوان أو الموضوع قد يشكل خطرًا مباشرًا على سلامة كاتبه، أو قد يوقعه في مشاكل.

لدينا أيضًا مجموعة من المستقلين الذين يرسلون إلينا مقترحات بشكل دوري، وأيضًا مجموعة على فيسبوك تضم 1300 شخص يتم فيها النقاش في الأفكار على نطاق أوسع بغض النظر عن توجهات الشخص، فلدينا المسلم، والمسيحي، والملحد، وكل أطياف المجتمع العربي تساعدنا على إنتاج محتوى ساخر، وذي مغزى في نفس الوقت.

الخطط المستقبلية

هل ستستمرون بالنشر بنفس الوتيرة الحالية، وهل ستكتفون بالمقالات النصية فقط، ماهي مشاريعكم ومخططاتكم للمرحلة القادمة؟ لاحظتُ أنكم تنشرون رسومًا كاريكاتيرية ساخرة بين الفترة والأخرى، هل من الممكن أن يتطور الوضع أكثر لنرى فيديوهات من إنتاجكم مثلًا؟

قمنا بالفعل بإنتاج مجموعة من الفيديوهات في السابق، ولدينا الآن مشروع أكبر لإنتاج الفيديوهات على مستوى أقوى بشكل يصل إلى شريحة أكبر من الناس، ولكن هكذا مشروع يحتاج إلى الكثير من الوقت والتخطيط ليتم عمله بأفضل صورة ممكنة، وهذا ما نبذل جهدنا في تحقيقه الآن.

التبعات غير المتوقعة لقتل إناث العائلة بداعي الشرف

التبعات غير المتوقعة لقتل إناث العائلة بداعي الشرف

Posted by ‎AlHudood شبكة الحدود‎ on Friday, 6 April 2018

 

نعمل أيضًا على توسيع الرقعة الجغرافية للأخبار التي نقوم بتغطيتها، لتشمل المزيد من الدول العربية، ودول العالم، نخطط لتجاوز الحدود نحو المزيد من الأمور والتفاصيل الداخلية التي تهم كل الناس في كل الدول العربية.

نسعى لإيجاد المزيد من الكتاب الساخرين من الدول العربية نفسها لنحصل على وجهات النظر المختلفة، ولنشجع على حرية التعبير وتقبل الرأي الآخر الذي هو هدفنا الأول والأساسي من مشروع الحدود، إلى جانب نقد الأفكار وعرض المشاكل، فهدفنا الأخير هو المساعدة على تغيير الوضع الراهن بما نملكه من أدوات، وعرض المشاكل وانتقاد الوضع من أجل الوصول إلى حلول، ودفع المجتمع نحو الأفضل، أي أن هدفنا ليس أن نهاجم أحداً بهدف الهجوم عليه، أو السخرية منه فقط.


يحظى موقع الحدود اليوم بمتابعة جماهيرية كبيرة، ومتابعوه على شبكات التواصل في ازدياد يومي، ولكن ليس كل الجمهور المتابع يتفاعل مع الأخبار المنشورة بنفس الطريقة، فمازال هنالك من يقرأ العناوين الساخرة كما لو كانت جدية، خاصة إن كان الخبر ينتقد أو يسخر من تيار أو جهة أو أخرى ربما “يقدسها” بعضهم، فلم يسلم الموقع من الهجوم والتقييمات السلبية من قبل بعضهم، ولكن مؤسس الموقع يرى في ذلك أمرًا إيجابيًا يسعد بوجوده ربما أكثر من الإطراء والمديح الذي يرد إلى الموقع.

لعل ذلك يساهم فعلًا في تعزيز ثقافة الديموقراطية، وحرية التعبير، واحترام وتقبل الآراء الأخرى في الدول العربية، وبذلك يكون موقع الحدود يسير على الطريق الصحيح.

إن تجربة الحدود فعلًا من التجارب الجديدة التي تستحق الإشارة إليها، وقد ساهم بشكل كبير في تسليط الضوء على الكثير من الأمور والأحداث في الدول العربية من منظور آخر ربما يكون أقرب إلى الواقع من منظور الفانتازيا الذي تقدمه المنصات الإعلامية الأخرى. اختتمتُ لقائي المغرق في الجدية مع الأستاذ عصام عريقات متمنين على الشعوب العربية أن “يروقو شوي”ولا  “يشدّو على حالهم كتير” لعل القادم يكون أفضل للجميع نحو مستقبل ما..

 ما رأيك أنت عزيزي القارئ في موقع الحدود؟ هل أنت من متابعيه؟

2

شاركنا رأيك حول "ما وراء الحدود.. حوار مغرق في الجدية مع مؤسس أكثر المواقع العربية سخرية"

أضف تعليقًا