أخصائي تغذية، مدرب طاقة حيوية، وتاجر دين.. تخصصات وهمية جديدة للنصب والاحتيال في العالم العربي

تخصصات كاذبة
0

بما أن الشهرة باتت هدف الجميع في الفترة الأخيرة، وخصوصاً بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح كل من هبّ ودبّ ولديه هاتف بكاميرا مهما كانت دقتها يستطيع أن يسجل أي هراء ويعرضه على صفحته أو المجموعات التي اشترك بها كي يروج لموهبته الخارقة بعد أن قام بالبحث على غوغل وسأله: كيف تصبح غنياً ومشهوراً؟ فيعرض له قائمة تبدأ ولا تنتهي من الأشخاص المشهورين وبعض الأغنياء، فالشهرة لا تعني الغنى على كل حال..

وطبعاً هناك وسائل أخرى للشهرة في عالمنا العربي الجميل الواعي:

  • أن تكون الوليد بن طلال أو تملك أموال الوليد بن طلال..
  • أن تدخل أي مجال من مجالات الغناء والرقص والموسيقى والتمثيل أو تشترك ببرامج الهواة..
  • أن تكون عبقرياً وتقدم اختراعات عظيمة للبشرية وهذا غير مضمون في ظل وجود جامعات تُخرّج أشخاصاً أمثال مخترع جهاز الكفتة..
  • الخيار الأخير يُعتبر خطيراً بعض الشيء لذلك لن أقوله.

كثير من المهن العلمية تحتاج في الدرجة الأولى إلى تعليم جامعي عالٍ، وشهادات جامعية وساعات طويلة من المذاكرة والتدريب ومجتمع يقدّر العلم الحقيقي، لذلك وبما أننا في الوطن العربي ولا توجد مشكلة لا حلّ لها، فقد أوجدوا مهناً أخرى ونسبوها إلى العلوم وأوجدوا لها شهادات من جامعات لا أصل لها أو مكان، أسماء افتراضية أجنبية مع اختصارات وشهادات منمقة لتعطي للأمر وزنه وثقله، فما زال للشهادات وزنها وقيمتها ولو كانت من بلاد الواق الواق، ويا حبذا لو كانت باللغة الأجنبية فهذا سيجعلها أكثر هيبة للآخرين.

اقرأ أيضًا: عن ملوك التلاعب بالكلام وبائعي الهواء في قوارير – المرحوم إبراهيم الفقي نموذجًا

مدعو أخصائيي التغذية

لم يكن هذا المصطلح قبل سنوات متداولاً كثيراً، وكان الطبيب هو من يتحدث عن بعض الأغذية وأضرارها وفوائدها، ولا أعرف كيف دخلت هذه الثقافة إلينا، لكن أول أخصائية تغذية رأيتها على التلفاز كان يُكتب قبل اسمها حرف الدال الشهير، وهذا كان كافياً لإعطاء كلامها صيغة مقدسة ومسموعة من الكثيرين. وبدأ الأمر بالانتشار بشكل مخيف، وأصبحت هذه المهنة التي اخترعوها وخوّلت صاحبها أن يفتح مايشبه العيادة ويأخذ مبلغاً محترماً عن كل زيارة لا يقوم فيها إلا بقياس وزن الشخص وإعطائه ورقة تحوي نظاماً غذائياً لا يوجد مصدر علمي موثّق له بل ويكون موحداً لجميع الأشخاص، أصبحت عبارة عن (صنعة) يمكن لأي شخص ممارستها دون رقابة.

فيما بعد تبين أن هذا عبارة عن علم جادّ وفرع من فروع الجامعات الأجنبية، حتى بدأت بعض الجامعات بتدريسه في الوطن العربي وتخريج أخصائيين حقيقيين، لا يكتبون قبل اسمهم حرف الدال.

لكن للأسف، هذا لم يمنع الطفيليين من ادعاء هذا والظهور على التلفاز في برامج صباح الخير ويسعد مساكم وفقرات الطبخ ومواقع التواصل والحديث عن الغذاء والريجيم واستقطاب المتابعين… لاتفعل إلا قراءة بعض الكتب ومشاهدة بعض الفيديوهات، وفي أحسن الأحوال كورس من يومين في مركز ما مع شهادة من جامعة لا أصل لها، ثم تصبح أخضائية التغذية الموقرة، ومع الوقت تتحول إلى الدكتورة فلانة.


مدرب الطاقة الحيوية وممثل دور الاستشاري النفسي 

أصبح مؤخراً مصطلح التنمية البشرية متهماً عند الجميع، وصارت البرمجة اللغوية العصبية تعتبر سبة لدى الغالبية، وهو الذي بدأ مع بعض المدربين الذين قدّموا هذه الكورسات وتبنوا هذا الأمر ورفعوا لواءه ونشروه بين الناس على أنه علم، ثم تبين أنه علم زائف لا أصل له ولا يستند على أبحاث حقيقية، وكل مافيه عبارة عن بعض الإرشادات الحياتية التي قد تكون مفيدة أو أقرب للفلسفة منها لعلم النفس.

حتى تضخم الأمر وتعملق ولم يعد ممكناً أن يسيطر عليه، فأي شخص حضر بضع كورسات ولو كانت عبارة عن ساعات قليلة، وحصل على شهادات من مراكز أجنبية لا أصل لها سوى أنها تمارس نفس عملية النصب في الدول الأجنبية ولكن على نطاق واسع – حيث تصدّر نفسها للدول النامية أمثالنا والذين ينبهرون بأي شيء قادم من هناك، على أنها مراكز معتمدة وتطالب بدفع مبالغ طائلة لها مقابل تلك الشهادات – أي شخص يمنح نفسه الحق بتسمية نفسه استشاري والعمل بالمهنة الأخطر على الإطلاق، لأنها لا تمسّ فقط جسد المرء ولكن تمسّ روحه وعقله.

وتطور هذا ليتحول من استشاري إلى خبير طاقة حيوية، وهو الأمر الذي يبدو أنه قادم من الثقافات الهندية ولكننا أعطيناه لمسة متطورة فبات له أجهزة تكشفه وتقنيات وتمارين تقوم بإعادة تلك الطاقة إلى مسارها، وهي لا تختلف عن طقوس رهبان التيبت في شيء.

ويمكنكم أن تتخيلوا نتيجة هذا الزواج بين التنمية البشرية والطاقة الحيوية ليخرج لنا أشخاص يتحدثون مصطلحات غريبة ويُدخلون معها أموراً أيضاً لا أسس علمية لها مثل الكارما والشاكرات والتأمل، مع كثير من الدعاية الإعلامية والعبارات الرنانة التي تجذب الناس وتوحي لهم بالسعادة والهناء والنعيم الذي سيعيشونه لو تعلموا هذه الأمور واتبعوها ومارسوا تلك التمارين.

ثم يصبح هدف الجميع التحول لنسخة من هذا المدرب، ليعيشوا النعيم الذي يعيشه!.


لم أجد لهذا تسمية!

يقال والله أعلم إن غالبية العرب متدينون بطبعهم، أو يحبون الدين، وإن أي شخص يتكلم بصيغة دينية فهو شخص محترَم لهم وواجب عليهم أن يستمعوا له وينفذوا ما يقول، طبعاً بغض النظر أن في داخل كل شخص مفتياً دينياً يخرج في لحظة ما ليقول كلاماً يظهر فيه أنه شخص جدير بالاحترام.

لذلك كان لابدّ للأشخاص في الفئتين السابقتين من إدخال الدين في كلامهم، فيأتون بآيات وأحاديث تثبت صحة ما يقولون، وكل عبارة يتبعونها بدليل ديني يحوّلون تفسيره ومعناه إلى مايريدون حتى لو كان بعيداً عن ذلك، وهذا يضمن لهم شريحة أكبر من المخدوعين بهم وخصوصاً عندما يتحدثون عن السعادة والراحة الداخلية والصحة النفسية والجسمية.

وبعضهم مثل أحمد عمارة الذي بدأ يظهر مدّعياً أنه طبيب نفسي، ليظهر فيما بعد أنه أخصائي فقط، هذا إذا كان بالفعل يحمل شهادة جامعية بعلم النفس، فهو يتجاوز هذا كله ليتحوّل إلى اعتبار نفسه مفتياً وعالم دين ويبدأ بنشر تعاليمه الخاصة وتفسيراته الشخصية التي يدّعي أنها على أساس نفسي وتتوافق مع الطاقة الحيوية التي لا أعرف ماهي! ثم دعوة الناس لاتباعها لأنها ستجلب لهم النعيم في الدنيا والآخرة كما هو يعيش بهذا النعيم الدنيوي بعد أن كان يعيش في جحيم الموروث، وهي الكلمة التي يركّز عليها كثيراً ويكررها في كل عبارة وتعليق وفيديو، رغم أنها كلمة مطاطة تحتمل الكثير من المعاني والأمور التي وصلتنا من الماضي، حتى التقاليد الاجتماعية المتعارف عليها تُعتبر موروثاً، فأي موروث هو الجحيم وتركه انتقال لنعيم الدنيا وجنة الله في الأرض؟

لا أعتقد أنه يقصد سوى أنه انتقل من جحيم الفقر إلى نعيم المال والجاه الذي جاءه بعد كل هذه الكورسات التي يقيمها بمئات الدولارات ليقدّم للناس بعض الإيحاءات العقلية الواهمة ويضخّم كل شيء ممزوجاً بالإبهارات البصرية والسمعية والأداء الذي يقوم به كأنه حاوٍ يقوم بألعاب خطيرة مبهرة للجمهور، فلا يملك إلا أن يصدقه ويسير وراءه كالمنوَّم مغناطيسياً.

 

يُقال إن الغريق يتعلق بقشة، ونحن غرقى في هذه البقعة من العالم، غرقى بالكثير من الجهل والتخلف والفقر والآفات الاجتماعية التي زدنا عليها اتباع الناس الأعمى مهما كان ما يقدمونه منطقياً وممكناً دون أي تفكير أو حساب.. فقط لأننا نريد الخلاص من هذا الهراء الذي نعيشه ولو كان هذا فقط بأن نضحك على أنفسنا ونصدّق الخرافات والأوهام.

0

شاركنا رأيك حول "أخصائي تغذية، مدرب طاقة حيوية، وتاجر دين.. تخصصات وهمية جديدة للنصب والاحتيال في العالم العربي"