التدريب بين ما يحدث في كواليس المدربين وحقيقته التي يجب أن يكون عليها

مدرب مهني نصاب
0

بات للتدريب سمعة سيئة جداً مؤخراً في الوطن العربي، وصارت في بعض الأحيان كلمة المدرب سبة أو شتيمة نتفوه بها، حتى أنني مؤخراً لم أعد أقول أمام أحد أني عملت في التدريب لفترة مافي بداية حياتي العملية وأن هذه الفترة كانت السبب في تعليمي الكثير من الأمور وزيادة مهاراتي التعليمية واكتسابي خبرة مهمة جداً.

لذلك اليوم سأحاول أن أقوم بدور محامي الدفاع عن عملية التدريب وليس عنها كمهنة وإيضاح أهميتها في كثير من النواحي العملية والتطويرية وحتى على الصعيد الشخصي.

ماهو التدريب؟..وما الفرق بينه وبين التعليم؟

التدريب في اللغة: التدريب على وزن تفعيل من دَرِبَ بالأمر دَرَباً ودُرْبة، وتدرّب: ضَرِيَ ودرّبه به وعليه وفيه: ضَرّاهُ. والمدرَّب من الرجال: المجرّب.. والمدرّب: الذي قد أصابته البلايا ودربته الشدائد حتى قوي ومرن عليها. والدُّربة: الضراوة، والدُّربة: عادة وجرأة على الحرب وكل أمر. وقد درب بالشيء يدرُب ودرب به إذا اعتاده وضري به، تقول: ما زلت أعفو عن فلان حتى اتخذها دربة.. والدارب: الحاذق بصناعته (لسان العرب)

وقبل ظهور التدريب والتنمية البشرية وهذه الأمور الحديثة كان التدريب يحمل معانٍ محددة وهي (التدريب العملي على المهنة بالنسبة للطبيب والمهندس أو أياً كانت المهنة – التدريب للرياضيين – التدريب للامتحان من خلال التكرار والحفظ والحل العملي للتمارين الرياضية والعلمية).

ومن هذه المعاني والمرادفات اللغوية يتبين أن التدريب يكون بمعنى التعويد والحذق والتمرين، بحيث يتأهل المتدرب ويتعرف على ما هو بصدده ليكون فيما يتدرب فيه حاذقاً متقناً متمرساً خبيراً، بحيث يعرف دقائق صناعته وأسرارها ويعرف مع ذلك كيف يستفيد من ملكاته وقدراته بدقة وإحكام.

باختصار التدريب هو نقل مهارات يملكها المدرب في مجال معين إلى المتدرب بشكل عملي ليمتلك هو تلك المهارة بالمقابل.

وهو يختلف عن التعليم الذي نتلقاه في المدرسة والذي لا يؤهلنا بأي شكل من الأشكال للحياة العملية لأنه يقتصر على نقل معلومات نظرية للطلاب دون تحويلها إلى مهارات عملية يمكن استخدامها.

كيف تحول التدريب إلى هذه الحال؟

حتى الآن يبدو التدريب مهماً، وعنصرًا فعالًا لا يمكن الاستغناء عنه في حياتنا، والأهم أنه بريءٌ من كل الاتهامات التي نلصقها به من نصب واحتيال وبيع الوهم للآخرين!..فمالذي حدث؟

في الحقيقة ما حدث بسيط جداً، فقد اندمج مفهوم التعليم والتدريب معاً وتحول المدرب إلى معلم ولكن بأساليب مبهرجة وبعض الألعاب الممتعة، والفوضى التي تحكم هذا النوع من الأعمال دون وجود رقابة عليها أو نقابة أو وزارة تنظم عملها جعل كل من هب ودب يصبح مدرباً بكسر الراء، دون أن تصيبه البلايا والشدائد حتى يقوى عليها ويصبح على دراية بها.

الاسكافي حافي..

التنمية بشرية..الموارد بشرية..علوم الطاقة..الإرشاد المهني.. العلاقات الزوجية…التسويق..لغة الجسد ومهارات التواصل وكل ما يتعلق بها…هل نسيت شيئاً؟..لكن كيف يتحول الشخص فجأة إلى مدرب لهذه المهارات الحياتية والعملية؟..الأمر بسيط للغاية:

1- حضور بضع دورات عند من يسمى مدرباً، وإنفاق أموال طائلة على هذه الدورات، والقدرة على التكلم بطريقة تقنع من يسمع بأي شيء.

يهمك أيضًا: كيف تقنع أي شخص بأي شئ خلال 10 ثوان ؟!

2- الحصول على شهادات معتمدة من جامعات أو معاهد أو مراكز وهمية لا عمل لها سوى بيع الشهادات مقابل الكثير من المال، رأس مالها مكتب واسم مسجل في دولة أجنبية مقابل 200$ وطابعة لطباعة تلك الشهادات..وكلما أكثر من تلك الشهادات كان الأمر أفضل.

3- عمل صفحات خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي باسم المدرب الفلاني الخبير في الموارد البشرية وتدريب الكوادر وتأهيل المتخصصين واستشاري العلاقات الزوجية والإرشاد المهني.

4- وضع بضعة كتب عميقة على غرار كتب (أوشو) و(باولو كويلو) و(ابراهيم الفقي) وغيرهم ووضع الكثير من الاقتباسات لهم.

أيضًا: عن ملوك التلاعب بالكلام وبائعي الهواء في قوارير.. المرحوم إبراهيم الفقي نموذجًا

5- أخيراً الإعلان عن دورات يقدمها المدرب الخبير الخارق في كل ما سبق ذكره.

هب أنك تحمل شهادة جامعية في الفلسفة، ثم قمت بحضور بضع دورات في الكيمياء وشاهدت عشرات الفيديوهات وقرأت كتباً كثيرة في الكيمياء دون أن تدخل مخبراً يوماً، ثم ذهبت إلى معمل مواد كيميائية وتقدمت بطلب توظيف، هل سيقبلون توظيفك؟ أو إلى أي درجة ستكون قادراً على العمل كمدرس كيمياء؟

بناءً على هذا، كيف يمكن لشخص لم يسبق له العمل في شركة ما أن يتجرأ ويقدم دورة تدريبية في الموارد البشرية أو التسويق، أو لشاب لم يسبق له الزواج، أو ربما مر بعلاقات فاشلة بتقديم دورة تدريبية في الحياة الزوجية للمقبلين على الزواج، أو لسيدة لم تدرس التربية في الجامعة وتعمل مع الأطفال وتختبر كل الحالات ولم تربي أطفالاً أن تقدم دورات في التربية والتعامل مع الطفل؟.

ربما يمكن أن نسمي هذا الشخص (مقدم معلومات) أو خطيب يجيد التحدث للآخرين وجذبهم وإقناعهم بما يقول مثل السياسي الذي لا يجيد سوى الكلام!..قد يكون معلماً حيث أنه لا فرق بينه في هذه الحال وبين مدرس جغرافيا لا يعرف أكثر من حدود محافظته أو دولته بأحسن الأحوال!..أما أن نسميه مدرباً فهذا الأمر أبعد ما يكون عن حقيقة التدريب، تخيل مدرب كرة قدم لم تلمس الكرة قدمه يوماً أو لم يحرز في حياته هدفاً!..هل هناك نادٍ يحترم نفسه يقبل أن يدربه هذا الشخص؟.

عن التدريب والتطوير:

لا ريب أن التدريب مرتبط بالتطوير إلى حد كبير وأي شركة تريد أن تطور من عملها تسعى باستمرار لتدريب موظفيها على المهارات التي يحتاجونها أو ماهو جديد في عملهم، وهناك الكثير من المهارات الحياتية التي يحتاج أن نتدرب عليها إما بإشراف أحد أو من أنفسنا، والحقيقة أن بعضاً من الدورات التي قمتُ بها كانت مفيدة للغاية لحياتي المهنية لأنها كانت تعتمد بالدرجة الأولى على الممارسة والتجريب، وكانت تتمحور حول أساس التدريب هو الإلقاء فهذا هو المجال الذي يمكن أن يقدمه أي مدرب بكامل الثقة لأنه مارسه وأصبح خبيراً به.

متابعة مباريات كرة القدم خلال المونديال لا تجعل منك لاعباً محترفاً، وقضاء النهار في متابعة قنوات الطهو لا يمكن أن يجعلك طاهياً محترفاً تقدم الولائم أو تكون قادراً على افتتاح مطعم، هل تقدر على حل مسألة في الفيزياء عن قوانين الكهرباء وأوم وفولت من المرة الأولى بشكل صحيح كامل بعد رؤية الأستاذ وهو يقوم بحلها؟

إذا استطعت هذا، فأي شخص يقرأ بضعة كتب عن الحياة الزوجية وتربية الأطفال يقوم بالخطوات المذكورة أعلاه، فهو يقدر أن يكون مدرباً في العلاقات الأسرية، مهما كانت الفوضى تعم حياته الخاصة.

0

شاركنا رأيك حول "التدريب بين ما يحدث في كواليس المدربين وحقيقته التي يجب أن يكون عليها"