سؤال وجواب: ردًا على أبرز تعليقاتكم عن نظرية التطور

اجابات عن نظرية التطور - داروين
7

تفاءلت جدًا عندما قرأت التعليقات على الحلقة الأولى من سلسلة اشرحها وأنا في الخامسة عن التطور – والتي قد نخصص فيها مقالًا ما نتكلم فيه ربما عن التصميم الذكي – ليسَ لأهمية التطوّر كنظرية، ولا لتأييد فريق معين ضد فريق آخر، بل لأن مستوى النقاش والحديث كان يتمتع بشيء من الاتزان والهدوء بعيدًا عن الشخصنة والشتات عن فحوى الموضوع.

لذلك ومن باب احترام الآراء، وجب أن يكون هناك مقالًا آخرًا يتم فيه توضيح ما تم وضعه من نقاط من طرف أصحاب التعليقات السابقة عن موضوع التطوّر، وسنبدأ بعرض هذه التساؤلات وفقًا للترتيب الزمني على المقال.

النقطة الأولى: نظرية التطوّر! أما زلتم تؤمنون بهذا الهراء!

الشكر لخليل صاحب هذا التعليق، ربما يعتقد البعض ألا شيء مهم في هذا التساؤل سوى التوبيخ إلا أنه يحتوي تقريبًا على كل سوء الفهم الذي يحصل عند إثارة هذا الموضوع أو ما يشابهه.

وصف خليل جاء تحت فعل «الإيمان» للحديث عن نظرية «علمية» وهنا تحديدًا يكمن لُب المشكلة.

يوضّح فؤاد زكريا في كتابه المنصوح بقراءته بشدة «التفكير العلمي»: بأنّ أهمية العلم لا تكمن في نتائجه وإنجازاته، فالعلم بالنهاية هو الذي ابتكر الأسلحة والصواريخ، ويمكن اعتبار هذا شيء سلبي، فهل نلوم العلم نفسه؟ قطعًا لا. أهمية العلم تكمن في «منهجية التفكير العلمي» التي يتبنّاها. المنهجية التي تؤمن بالدليل طريقًا للإثبات وليسَ العاطفة أو بعض التفضيلات الاجتماعية مثلًا.

السابقون الذين عرّفوا الإيمان قالوا أنّه عملية إذعان قلبي، بمعنى أن قلبك يستسلم دون الحاجة لأي تدخل عقلي، وبمجرّد تدخل العقل يُلغى فوريًا الإيمان ويُنفى، لأن هو نفسه يعني خضوع القلب فقط. وبالتالي لا يعود هناك إيمان أساسًا.

عند التعامل مع نظرية علميّة، يتم الحديث «بالدليل» وليس «الإيمان». لأن الإيمان قائم على العواطف والمشاعر والتاريخ الديني حافل بالقصص التي تقول أنّ فلان دخل في دين ما لمجرد أنه سمع آية هنا أو موعظة هناك، وبالتالي ما كانت العملية إلا انفعال شعوري لمس قلبه. أما العلم فلا يأخذ بهذا الشيء ويعتمد على الدليل المادي الجامد الصلب.

تخيّل أن يتعرّض بيتك للسرقة، فتقول للشرطة اقبضوا على فلان، لأني قلبي «يشعر» أنه هو السارق. هذا الأمر كارثة إن حدث، الشرطة تحتاج لدليل مؤكّد كي تفعل ذلك، فلو كل شيء كان بناءً على المشاعر لأضحى العالم خرابًا خلال لحظات.

نعود لعبارة خليل «أما زلتم تؤمنون بهذه النظرية» السؤال الاستنكاري هنا كله خاطئ. «الإيمان» يتنافى مع «النظرية العلمية» أساسًا، الإيمان يحتاج إلى قلب يميل، والنظرية العلمية تحتاج لدليل لا يأبه بشيء. لا يمكن الجمع بين شيء يُمليه العقل وشيء يُمليه الشعور، وإن استطعت فعل ذلك، فأنت قد حَللت ثلاثة أرباع مشاكل البشرية.

النقطة الثانية: نظرية داروين أقرب للخرافة وغير مُتماسكة، استمع لمحاضرات ديفيد برلينسكي وإياد القنيبي

لو أراد شخص ما أن يتعلم الديانة الإسلامية فحريٌ به أن يذهب إلى القرآن والكتب الإسلامية ويقرأها لكي يغتني بها. لو أراد شخص ما معرفة الديانة المسيحية فمن الواجب عليه أن يذهب ويقرأ الإنجيل وغيره من المصادر المسيحية لكي يتعلّم مما ورد في كتبهم.

وإن أراد أحدٌ ما القراءة عن التطوّر، فمن الواجب عليه قراءة الكتب العلمية التي تحدثت عن التطور، وليس الاستماع لأي أحد يرد على طرف ما لأن أيدولوجيته الخاصة تفرض عليه رفض تلك الفكرة. لو فعلت ذلك، فأنت شبيه بمن يقرأ عن العقيدة الإسلامية مِن كتب الملحدين ويترك القرآن.

الذي يقرأ التطوّر من ردود المتدينين شبيه بمن يفعل ذلك. يجب أن يكون هناك مصدر ذو أهلية تستطيع أن تقرأ منه وتفهم. خُذ أي فكرة من عند أهلها فقط.

الصدق مع النفس أكثر صفة نادرة في هذا العصر المُشتت التائه، لا يوجد أحد يُريد أن يعرف بصدق، كله يُتجه نحو ما يدخله في منطقة الراحة الخاصة به، ليس فقط الصدق، بل الثقة أيضًا. لا أحد يثق بقدراته حتى يقرأ بنفسه هو الكتب، بل تجده ينتظر أحدهم كي يرد على فلان، وفلان بدوره يرد على علان وهكذا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

منذ حوالي خمس سنوات تقريبًا عندما قرأت كتاب أصل الأنواع، الحقته فورًا بكتاب آخر يسمى «صندوق داروين الأسود» وهو كتاب ناقد للأوّل بشدة. هذه الاستراتيجية لازلت استخدمها إلى الآن، بمجرّد أن أتعرّض لأي فكرة، اذهب مباشرة إلى الفكرة المخالفة «من عند أهلها نفسهم» وأقرأها لكي بعدها أعرف ما هو الصحيح هنا.

في صندوق داروين الأسود لعالم الكيمياء مايكل بيهي، كان الكتاب صعبًا في وقته، خصوصًا أنه باللغة الإنكليزية وهناك مَشقّة في فكّ كلماته، إلا أن الفضول والرغبة في معرفة الطرف الآخر دفعني للإكمال حتى النهاية.

المشكلة أن مايكل بيهي هو المخطئ فيما تبيّن لاحقًا، إذ يتحدث عن عدة مفاهيم تحت مُسمى «التطوّر على الحافة» ولعلَ أبرزها التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible Complexity، الذي افترض فيه أن بعض الأعضاء غير قابلة لأن تكون قد تطوّرت وفقًا للزمن، إنما ستأتي كدفعة واحدة فقط، وشبهها بمثاله الشهير عن مصيدة الفئران.

سرعان ما يتضح فيما بعد أن بيهي مخطئ، وأن التعقيد غير القابل للاختزال فتح بابًا كبيرًا لدعم نظرية التطور نفسها – يمكن مُراجعة تفكيك عالم البيولوجيا كينيث ميلر لمفهوم مصيدة الفئران وكيف يمكن ان يتم اختزالها للاستزادة – فالعين التي أدعى بيهي أنه لا فائدة من كونها نصف عين أو أقل، يتبيّن أنها قد تطوّرت وفقًا لعدة مستويات يمكن تلخيصها بالصورة التالية في عيون اللافقاريات البحرية، ابتداءً من الـ Limpet وحتى الـ Octopus:

* في المرحلة الأولى تكون العين بسيطة وفقط تستطيع أن تكشف لك الليل من النهار دون أي رؤية أخرى.

* في الصورة الثانية يمنح التقعر في العين القدرة على تحديد اتجاه الظل لمن يقع في مجال البصر.

* في القسم الثالث زيادة التقعر هي المسؤولة عن التركيز.

* في الرابعة تشكّل العدسة نوعًا من الوضوح وارتفاع حدّة الرؤية.

* وأخيرًا زيادة صقل العدسة يؤدي إلى رؤية متطورة جدًا.

هذا باختصار هو التعقيد «القابل للاختزال والتدرجّ والتطور».

ديفيد برلنسكي هو فيلسوف معروف بدعم الخلقية، لذلك من الطبيعي أن يهاجم التطور دون وضوح أي شيء يناقش فيه، برلنكسي «فيلسوف». هو شبيه جدًا بستيفن هوكينغ «الفيزيائي» حين يتحدث في الفلسفة ستجده ضعيف جدًا وليسَ مُقنعًا وأجزم أنك لا تؤمن بفلسفة هوكنغ المنكرة للإله. كيف إذن يجب التصديق بفيلسوف يتحدث عن العلم والتطور!

شاهدت محاضرة القنيبي وأعتقد أنه رجل مهم في أمور الدين، لكن ساحة العلم ليست مجاله، وكما ذكرت في البداية، إن أردت تعلم الدين الإسلامي فعليك بقراءة الكتاب الإسلامية وليس كتب الملحدين عن الإسلام. وإن أردت قراءة التطور عليك بقراءة كتب التطور نفسها، وليس كتب الرافضين للتطور عن التطور.

عدا ذلك، لن يكون سوى مجازفة منهجية كبرى، يتم فيها نحر العلم على مذبحة المنطق.

النقطة الثالثة: خرافة التطور موضة أنتهى أجلها..

التعليق من نصيب أحمد ممدوح، لم يقم بإثارة نقطة مُحددة يتم الرد عليها، بل اكتفى بالتأكيد على أن التطور خُرافة مع وضع كلمة خرافة ضمن أقواس تنصيص للتأكيد على أنها خرافة، وأنها مازالت مؤيدة فقط من قبل بعض الملمعين والتطوريين وما إلى ذلك.

الحقيقة، فلو حاولنا تطبيق تعريف الخرافة على التطور سنجد أنها لا تحقق المعايير المطلوبة. وفقًا للتعريف العام للخرافة فهي الفكرة التي لا تقوم على أية أدلة يمكن إثباتها. ووفقًا لروبرت بارك صاحب كتاب «الخرافة» فإنها تُشير إلى فضيلة الالتزام الجماعي بمعتقد ما على الرغم من وجود أدلة على بطلانه. أي أن هناك فائدة و«فضيلة» مرجوّة من وراء هذه الخرافة، ويمكنك تلمّس ذلك في العديد من القصص والحكايا التاريخية التي هي خرافات، إلا أنها متداولة إلى الآن بسبب فضائل اجتماعية موجودة في سياقها. لذلك التعريف هنا يفرض تلازم بين الخرافة ووجود فضيلة يُدعى إليها من خلالها.

النقطة هنا، هل التطور أساسا يدعوك لفضيلة ما؟ على العكس هو يسقط – لو تعاملنا بماديّة بحتة مع اقصاء كامل للفلسفة وهذا خاطئ حتمًا – بشكل غير مُباشر الفضيلة، أما مثلًا بعض النظريات الأخرى هي التي تحاول رفع من شأن الإنسان لذلك تعطيه نوعًا من الفضائل.

وفي كلا التعريفين – للخرافة – سنجد أن نظرية التطور تنجو.

هناك سوء فهم يحدث عند التعامل مع أي نظرية علمية، النظريات العلمية من شروطها أساسًا أنها قابلة للنقد، لذلك عندما توجه لها نقدًا فأنت بذلك تحاول إثباتها لا سيما عندما تتجاوزه. في بداية التطور كان هناك نقد باختلاف عدد الكروموسومات بين القردة العليا، فتبيّن فيما بعد أنه يحدث التحام فيما بينها لا سيما عند المتطوّرة أكثر، وعند التحليل اتضح ذلك حقًا!

ما حدث مع بيهي نفس الأمر أيضًا، التعقيد الغير قابل للاختزال، كشفَ أنه حتى الأعضاء المعقدة يمكن تفكيكها وتطوّرها، لذلك النظرية العلمية من شروطها أنها تقبل النقد وتستوعبه. وهنا يوجّه التطور نقدًا للخلقيّة بأنها نظرية غير قابلة للنقد أساسًا، بل هي أقرب للإيمان، وهذا ما دفع المحكمة الأمريكية لنزع كلمة نظرية علمية من الخلقية، فالتصنيف المعتمد لها هو Religious Argument وليس Scientific Theory.

وفقًا لمعهد بيو للأبحاث فإن عدد العلماء المصادقين على التطوّر كـ «آلية لتنوّع الكائنات الحية» بلغ نسبة الـ 97%. في حين أنّ فقط 66% من العوام يشاركوهم في ذلك. وهذا يحدث فعلًا، العوام في كل مكان لا يصلون لمستوى العلماء، ولهذا سُموا عوامًا، ويمكننا هنا أن نحمد الله جميعًا على أن العالم هو الذي يصنع الدواء وليس العامي، لأنه لو فعل ذلك لكنا قد متنا.

رفض التطور موجود في الغرب على نحو كبير كما هو موجود هنا أيضًا، النقطة المهمة هي أن العلماء هم الذين يتبنون هذه الفكرة، كما قلنا 97% من العلماء الأمريكيين الذين يمتلكون أفضل جامعات العالم وجُل الحاصلين على جائزة نوبل.

يضيف أحمد صاحب التعليق ليقول أنّ النظرية أصبحت أضحوكة، وأنها نالت من الطعن ما نالت. رغم أنه لم يرفق أي شيء لعالم بيولوجيا وأحياء يعترض ويضحك على التطور، أرى أنه من الواجب أن نوضح أنّ مصطلحات مثل «الطعن» لا تستخدم في المنهج العلمي، هناك شيء عليه دليل، وشيء لا دليل عليه. الطعن هو محاولة النيل تحت مسميات الحقد والضغينة وهذا شيء نوعًا ما بعيد عن العلم الذي لا يناقش بالمشاعر كثيرًا.

يضيف أحمد ليقول أنّ التطوريين يقولون أنّ المتدينين جهلة. هنا سنقول أنّ كلام أحمد غير صحيح، للصراحة فهناك نسبة كبيرة من العلماء الذي يصدقون بالتطور والانتخاب الطبيعي وفي نفس الوقت هم مؤمنون متدينون، لعل أبرزهم البروفيسور الجزائري نضال قسوم، وبروفيسور الجراحة المصري عمرو شريف، والعالم الأمريكي صاحب مشروع الجينوم البشري فرانسيس كولينز. فلا يوجد أحد ينعت المتدين بالجاهل، الجهل يأتي من أي أحد يرفض الدليل سواءً كان غير مؤمنًا أو متدينًا.

ومن هنا يمكنك مشاهدة شرح البروفيسور نضال لهذه النظرية:

«صدفة أوجدت الحياة». هنا يتضح أن أحمد لم يقرأ المقال إلى نهايته، إذ في آخر السطور السابقة تكمن أبرز وأهم جملة عن التطور، وهي أن التطور يفسر فقط «تنوع الكائنات» وعلاقتها ببعضها البعض، ولا يتطرق إلى كيفية وجود الحياة من أساسها، فالقول بأن صدفة أوجدت الحياة أمر خاطئ، لأن بداية الحياة وأصلها موضوع لا يناقش أساسًا. التطور يقتصر على تفسير التنوع بأن الكائنات مرتبطة ببعضها البعض وفق شجرة واحدة تدعى شجرة الحياة.

النقطة الرابعة: التطور هو علم زائف مبني على التدليس.

وفقًا لجميع قوائم العلوم الزائفة التي تعج بها محركات البحث، فإن التطوّر غير متواجد فيها أبدًا، يمكنك التأكد من ذلك بالبحث عن قائمة الـ Pseudoscience List ضمن أي محرك على الشبكة وستجد في قسم البيولوجيا أن نظرية التطور غير موجودة، وأن هناك فرضية أخرى موضوعة تحد بند التزييف. سأترك لك حرية الذهاب والبحث لكي تتعرف على تلك الفرضية الأقرب للحُجة الإيمانية.

العلوم الزائفة وفقًا لويكبيديا.

«التدليس» نفس كلمة الطعن. العلم يناقش الدليل فقط، وجوده أو عدم وجوده. وجود نوع من التدليس والطعن والنيل.. الخ، هي مصلحات لا علمية، بل أقرب لسياقات اجتماعية وعداوات شخصية بين أفراد.

النقطة الخامسة: التطور فرضية وليس نظرية

التعليق من نصيب عبدالرحمن، ويذكر فيه شيء شديد الأهمية وجب اللفت إليه وهو تسمية التطور والصراع على ذلك. وهذا صحيح قطعًا هناك صراع شرس على تسمية التطور لكن ليسَ كما ذكر عبدالرحمن بأن نظرية التطور ليست نظرية بل فرضية. بل أن نظرية التطور هي ليست نظرية ولا حقيقة علمية، بل هي نظرية وحقيقة علمية معًا، كما صرّحت الوكالة الأمريكية الوطنية للعلوم هنا.

يضيف عبدالرحمن ليقول أنها نظرية ليس لها أدلة تؤكدها. نُعيد هنا ما ذكرنا سابقًا، 97% من العلماء في المجتمع الأمريكي يصادقون على التطور، ولا أعتقد أن هناك عقلية أكثر من عقلية العالم تتبع الدليل وتعتمد عليه في الإثبات، لذلك القول بأنه ليس لها أي أدلة تؤكدها مُجازفة كبيرة، على الأقل في المجتمع العلمي الأمريكي.

«فرضية داروين». هذه اللفظة إن دلت على شيء فهي تدل على العقلية الدوغمائية التي تلعب على وتر الأشخاص، بمعنى أنها تؤمن بشيء لأن «شخص» قاله وترفض شيء لأن «شخص» آخر قاله، وهذا أمر غير موجود في المنهج العلمي، العلم يقول تبًا لداروين لا يهمني، المهم هو النظرية واكتمالها والقدرة على التكرارية والاثبات. لو قرأت نظرية التطور كما خطها داروين لقلبت على ظهرك من الضحك، لأنها لا تناقش سوى فكرة أن الكائنات مرتبطة ببعضها، أما بقية ما كُتب فهو إما عن كلام غير مؤكد، أو فجوات عوّل بها داروين على من يأتي بعده من علماء كي يسدوها، وهذا ما حدث فعلًا.

لا يوجد شيء اسمه نظرية داروين، هناك نظرية تطور خضعت لترقيات كثيرة جدًا، ومن ينقد التطور بنسخة داروين، كمن يحاول نقد الآيفون 7 بنقد النوكيا 3310.

كما أن لهذه النظرية تاريخ أقدم من داروين نفسه، ابتداءً بالاغريق أنفسهم وليسَ انتهاءً بالتاريخ الإسلامي عند ابن خلدون وإخوان الصفا. لكن لا بد أن أحد ما لم يعر اهتمامًا لابن خلدون ولا لإخوان الصفا في وقتها لأن أمورًا كانت تحدث هي أهم ووجب الالتفاف حولها.

كلمة «نظرية داروين» في القرن الـ 21 لا تدل إلى عن بعد صاحبها عن مفهوم التطور، هناك ملحد رأيته منذ فترة يعرف نفسه كشخص «دارويني» وهذا ما يعطيك انطباع فوري عن مدى ضحالة هذا الشخص، شخص داروين غير مهم، نظرية داروين غير مهمة في تلك الفترة لأنها كانت خام في شكلها الأولي، العلم لا يأبه بالأشخاص والمسميات أساسًا. المهم هو التطور الذي تطوّر هو نفسه على مدار 200 سنة لتصبح النظرية الأولى المتفق عليها في تفسير تنوع الكائنات، وليس نشأة الحياة كما يقول البعض.

لكن للأسف البعض ما يزال عالق عند تاريخ 1859 إلى الآن.

لم نسمع بقرد تطوّر خلال المئة عام أو العامين الأخيرة. بما أن الاستنكار هنا كنتيجة لمقدمة وهي «التصديق بالتطور» فيجب علينا أن نناقشك من خلال التطور نفسه الذي تستنكر عليه فعله. وفقًا للتقدير العلمي فإن عمر الحياة هو 3.8 مليار سنة. لذلك مُطالبتك بحدوث تطوّر مرئي يُرى خلال آخر 100 سنة. شبيه بمن يُطالب بمشاهدة هدف كرة قدم يدخل في الثانية الأخيرة من الشوط الاضافي الثاني للعبة كرة قدم استمرت 38 مليون سنة! ما احتمالية أن ترى ذلك؟

يجب أن يتم تصوّر كامل للزمن في ضوء المعطيات، إلى الآن لم يدرك البعض حجم الأزمنة الجيولوجية السحيقة التي يستغرقها. لكن مع ذلك هناك مفاجئة! نعم، في 2015 أعلنت الـ بي بي سي من خلال مراقبة لمجموعة من القردة العليا في غابات غرب افريقيا، أنهم دخلوا إلى مرحلة شبيهة بمرحلة «العصر الحجري» التي دخل بها الإنسان، ذلك بعد أن اكتسبوا عدة طفرات جعلتهم قادرين على استخدام الحجر وتكسير الطعام به.

قردة الشمبانزي في غرب افريقيا تدخل العصر الحجري بعد اكتسابها لطفرات ساعدتها على التعامل مع الحجر واستخدامه.

يضيف عبدالرحمن ليقول أنّ الإنسان يصبح أقصر عمرًا وهذا خاطئ، وفقًا لمتوسط عمر الإنسان في القرن العشرين فإنه كان 45، أما في القرن الـ 21 فإن المتوسط 67 سنة، لذلك عبارة أن الإنسان يصبح أقصر عمرًا خاطئة، العكس هو الصحيح فبفضل اللقاح الطبي ووسائل العناية والصحة والأدوية والمضادات الحيوية تطوّرت مناعة الإنسان أكثر وأصبحت حياته أطول.

تصريح العالم نفسه أن القردة تتطور إلى الإنسان وهو تحوّل. للصراحة لم أقرأ ولم أمر على أي شيء يقول فيه داروين وكل علماء البيولوجيا التطورية أن الإنسان يتطور لقرد والقرد لإنسان. الملخص أنه كان هناك جد كبير يسمى «سلف مشترك» هو كائن وسيط لا إنسان ولا قرد، أنجب طفلان. طفل عاش في بيئة معينة خضع فيها لتطورات فأصبح شبيه بالقردة العليا، وطفل آخر عاش في بيئة أخرى خضع لتطورات أخرى فأصبح الإنسان. هذه هي الفكرة باختصار، ليس هناك قرد إنسان وإنسان قرد.

لماذا لم نستمر بالتطور يصبح لنا أجنحة ونطير؟ الطفرة الناجمة عن البيئة كما قلنا هي من أعمدة التطور، واستبقاء الطفرة المفيدة ضمن آلية الانتقاء الطبيعي هي المسؤولة عن سيرورة التطور، لا يوجد أجنحة لأن طفرة ما لم تحدث، وإن حدثت لم يكن هناك فائدة تكيفية مرجوّة منها، الإنسان هو الكائن الأول المهيمن على الكرة الأرضية، ليس كالفراشة البيضاء التي تقتنصها المفترسات. عمليًا الإنسان هو المفترس، لا يريد طفرات ولا تغيرات، لربما فقط يحتاج لطفرة تخفف من غطرسته وكبره.

هذا الرد الكامل على تعليق عبدالرحمن، لربما لا تهتمون به عندما تعرفون أن هناك سيد آخر قام بالرد عليه واختصر كل كلامي قائلًا: «أسعدني وعيك».

صراحة أريد أن أرد عليه أيضًا، كلمة «الوعي» تدل على الحالة العصبية لكل إنسان يستطيع إدراك نفسه ووجوده، وهو شيء مميز وموجود عند كل الجنس البشري، لذلك أن تمدح إنسان بقول أسعدني وعيك، شبيه بقولك أسعدني أنك تملك معدة! فجميع الجنس البشري يملك وعي!

النقطة السادسة: جرح البشرية، لم يتم رصد الطفرات النوعية، الطفرات معظمها ذات ضرر، كيف يعلم الانتخاب الطبيعي أن الطفرة جيدة، التعقيد غير القابل للاختزال.

للتوضيح فقط، مقال فرويد عن الجروح النفسية كان فقط للحديث عن كيفية زوال الغطرسة البشرية مع تقدم العلم، بمعنى أن قبل مركزية الشمس كان الإنسان يعتقد أن الأرض هي المركز وبالتالي كوكبه هو المركز وهذا ما تم نفيه، ومن ثمّ أتى التطور لينفي مركزية الإنسان عن الحيوانات الذي قال أنّه خلق مستقل عنها، بالرغم من أن القردة العليا تملك حمض نووي يشترك مع الإنسان بنسبة 98% منه.

«كلامك عن أن نظرية التدهور تفسر ظهور الكائنات الحية بغير خلق الى اخره من الهراء كله كلام مرسل لا معنى له». لا تفسر ظهور الكائنات بغير خلق، بل تفسّر تنوّع الكائنات الحية وأنها على صلة مع بعضها البعض. أما بخلق وبغير خلق، ومن أين أتت فهذا السؤال لا يتم نقاشه، لأن العلم يهتم بتفسير الظاهرة فقط، دون التطرق إلى كيف نشأت الظاهرة.

«كلامك مرسل لا معنى له». صراحة أهنأ المعلّق عمر على استخدام كلمة «مرسل»، تذكّرني في أيام طفولتي عندما كنت أحضر ندوة لشيخ المسجد فيقول أنّ الحديث مُرسل، أي أنه بلا سند وغير مدعّم بدليل. لكن بعيدًا عن تلك الأيام، عمر يقول هنا أن النظرية مُرسلة أي أنها بلا بُرهان. رددت في النقاط السابقة على أن 97% من العلماء في أمريكا مصادقين على التطور كنظرية تفسّر تنوع الكائنات الحية، لذلك الحديث على أنها «مُرسلة» أمر خاطئ. أو صحيح، هي نظرية مرسلة لدى العوام من الناس فقط، كما قلنا 33% من الشعب الأمريكي، أما عندنا فلا يوجد إحصائيات ترصد ذلك لكي نسوقها هنا.

«لم يتم رصد طفرات. جميعها سلبية، ومُسرطنة». الحقيقة أن جسم الإنسان والفيروسات المُهاجمة تعتبر من أبرز الطفرات التي تحدث حاليًا، لاحظ أن الإنسان عندما يمرض يتعاطى مضاد التهاب من النمط 500، فيما سبق من الأجيال كان يُعطى مضاد من درجة 250. الآن أصبح يأخذ كبسولتان 500. فيما سيأتي لربما الـ 1000 لن تكفيه.

يرجع هذا لتطوّر الفيروسات نفسها، إذ أن سحقها في جسم الإنسان، يفرض حدوث طفرات فيما يعرف لدى «المُستضدات ذات الذاكرة» وهي التي تبقى في الجسم بعد تناول المضاد الحيوي وزوال أعراض المرض. لذلك مع قدوم العامل المُسبب مرة أخرى يتم التنبيه وإحداث نوع من التطور الأصغري فتكون الانتكاسة أكبر.

«الطفرات سلبية» هذا الأمر صحيح، لا أعرف كيف سقته كنقد موجّه للتطور، لأنه أكبر نقد ضد التصميم الذكي والخلقية، فلماذا إذن يتم خلق أفراد عاطلين جينيًا. لماذا يتم خلق إنسان مشلول أو أعمى أو يمتلك قلب هاجر وهو اضطراب وراثي بحت بحيث يتوضع القلب في مكان خاطئ كُليًا وتعتبر عملية إرجاعه من أعقد العمليات الجراحية في التاريخ الطبي. هذا يدل، على تطور يعمل على استبعاد الطفرات، وليسَ على مشيئة ذكية لديها إرادة خلق أفراد مُشوّهين.

القلب الهاجر أو مايعرف علميًا بـ Ectopia Cardios. إضطراب وراثي تطوّري، ينشأ في الطفل بقلب يتوضع خارج القفص الصدري.

الطفرة شيء رئيس في التطور، لكن التكيّف هو من يحكمها كما أوضحنا في مثال الفراشات، فلو كانت طفرة جيدة سيتم استبقائها لأنها ستنجو وتكون مفيدة ضمن البيئة وإن كانت سيئة سيتم وأدها مع الزمن.

لكن ما الدليل على هذا؟

هل نظرتم إلى الكائنات الحية الآن وإلى الإنسان نفسه. لماذا كل هذه المرونة في جسمه. لماذا الكائنات كلها كذلك. السبب يعود لـ 3.8 مليار سنة من التراكم التطوري والانتخاب الطبيعي، أنت لم ترَ النسخ التي ماتت، لم ترَ النسخ المشوّهة. وفقًا للتقدير العلمي فإن 97% من الأصناف الحية قد أبيدت. هل هذا يصب في إطار خلق قد تم الندم على خلقه، أم في إطار تطور يسعى للوصول للأفضل!

«كيف يعلم الانتخاب الطبيعي ان الطفرة مفيدة فيبقيها، وماذا عن التعقيد الغير قابل للاختزال». كما قلنا، الانتخاب خاضع للمتغيرات البيئية، الطفرة المفيدة ستكون ذات قيمة تكيفية عالية، كالفراشة التي هربت من المفترسات، لذلك ستبقى، لأنها ستنجو في حين أن البقية ستفترس بواسطة الطيور. أما بالنسبة للتعقيد الغير قابل للاختزال فقد تم تفنيده في الفقرتين السابقتين، فمصيدة الفأر والعين يمكن لها أن تتدرّج، والقلب في بعض الحيوانات عبارة عن بطين وأذينة، ومن ثم بطينين وأذينتين كما في الإنسان وما إلى ذلك. ويمكنك الاطلاع على قوائم العلوم الزائفة وستجد أن التعقيد من ضمنها.

«سمكة التيكتاليك». في الحقيقة، ليسَ فقط التيكتاليك، بل لأضيف إليك من الشعر بيتًا فإن هناك أحد القردة العليا من أقرباء الإنسان قد تم اكتشافه في العام المنصرم، وسبب شيئًا الإرباك في الوسط العلمي.

لفهم التيكتاليك والقردة العليا يجب أن نضع التخيل التالي، المنهج العلمي يشبه ألعاب الفيديو عندما تكون الخريطة سوداء، وعندما يمشي اللاعب يتم اكتشاف مناطق جديدة لم يكن يعرفها مسبقًا، التطور هنا نفس الأمر. التيكتاليك والقرد أعطوا للعلماء فهمًا جديدًا بترتيب الأنواع وعلاقتها مع بعضها، فالقديم اتضح أنّ هناك من هو أقدم منه، ومَن كان هو حلقة وسيطة أصبح هناك من هو أسبق منه أيضًا.

هذه الفكرة، العملية تعيد ترتيب التصنيف فقط، ولا تنفي الفكرة. لاحظ أن علماء التطوّر نفسهم هم من أعلنوا عن هذه الحفريات والاكتشافات الناقدة لهم، هل سمعت أحدهم يقول: «تبًا، لقد تم خداعي وتدليسي وطعني من قبل داروين!» قطعًا لا، عقلية العالم تعمل بآلية مختلفة عن العوام، الدليل الجديد يعطي فكرة للبحث وإعادة التقييم. وهذا شيء يحدث مع المنهج العلمي فقط. النظريات العلمية ليست كقارورة الزجاج عندما يأتيها نقد تتحطم بكاملها، بل هي عملية مستمرة من التراكم والنقد وإعادة البناء.

«الحمض النووي الخردة». للصراحة فهذا شيء يُحمد لعلماء التطور أنفسهم، فهم مَن فك شيفرة هذا الحمض واستطاعوا معرفة أن المناطق الغير مرمّزة «مشفّرة» هي مناطق التحكم. وهذا ما يعيد وجهة النظر في كيفية شفاء الأمراض الوراثية والسرطانات وغيرها من التي تقول أنّ الخلق الخاص يُرغب بولادة أفراد عاطلين تحت مشيئة ما. والتي هناك تفسيرات أخرى تشير لأنّها تشوهات تطورية حدثت بسبب تغيرات إشعاعية مثلًا، لكن طبعًا هذا التفسير لا يؤخذ به لأن العلماء يصدقونه ونحن لا نتبعهم.


إلى هنا ينتهي الرد على أبرز التعليقات التي دوّنت عن الحلقة الأولى من التطوّر، والتي أعتقد أنها تميزت بشيء من الرقي في الطرح وهذا ما دفع للرد عليها بنفس الطريقة التي سيقت فيها. النقاش كان عن شرح التطور فقط وعرض بعض من الحقائق، ولربما نخصص حلقة أخرى لشرح التصميم الذكي أيضًا.

في النهاية يجب أن نتطرّق للكلمة التي قالها عالم الأحياء ريتشارد دوكنز – باحث في علم البيولوجيا من جامعة كامبريدج المصنفة في المركز 5 عالميًا – في أحد مناظراته مع رجل دين. ما الذي سيجعلك تصدّق بالتطوّر؟ رجل الدين يرد: «لا شيء».

يسأله رجل الدين، ما الذي سيجعلك تترك التطور وتصدق الخلق: الجواب كان، «الدليل».

هنا يبرز الاختلاف بين عقلية العالم وغير العالم، لذلك من الأفضل عند رفض أي فكرة علمية القول بصراحة لا أريد تصديقها كون إيماني يتعارض معها، وهذا يُعد كأقوى رد ممكن، ليسَ هناك داعٍ لأن تقف ضد العلم كله من أجل ذلك.

يقول العالم التطوّري «المؤمن» فرانسيس كولينز عند انهاءه لمشروع الجينوم البشري في كتابه المنصوح بقراءته أيضًا «لغة الإله»: «هل سنترك العلوم ونرميها وراء ظهرنا فقط لأنها تزعزع إيماننا وتشكّل تهديدًا لوجود الإله، ونتخلى بذلك عن وعود جمّة في فك شيفرات الطبيعة وتحسين مستوى الحياة البشرية! وفي نفس الوقت، هل سندير ظهرنا للإيمان ونرفض الإله ونتخلى عن كل مظاهر الروحانيات ونستبدل ذلك بمستحاثات وأحافير!

كلا الخياران خطيران للغاية، كلاهما ينفيان الحقيقة، كلاهما يقومان بسحق الخصائص النبيلة لدى الجنس البشري. كلاهما سيدمران مستقبلنا، إله الكتب المقدسة هو نفسه إله الجينات، يمكنك أن تعبده في دارة العبادة، أو في المختبر العلمي».

محاولة إثباتك للإيمان عن طريق العلم أمر خاطئ سيجعل الناس في مشاكل في غنى عنها، لذلك من الأفضل تبني الموقف «الكولينزي» في هذا المجال، التطور صحيح نعم، لكن الإيمان أيضًا مهم، الإيمان لا يُريد إثبات أساسًا هو فقط إذعان قلبي لا يحتاج دليل.

من الأفضل ألا تنفي التطوّر، من الأفضل ألا تحاول إثبات الإيمان علميًا، الأمر باختصار أن لكلٍ سياقه، قُل أنا أعارض التطور لأنه يتضارب مع إيماني، هذا أقوى من كل أدلة التطور وغيرها. لكن أن تحاول مسح العلم وطعنه وتدليسه وفقًا للمصطلحات التي رددها جُل معلقي ذاك المقال. فهذا أمر مُتعب، وسيفتح أبوابًا أنت في غنى كبير عنها.

7

شاركنا رأيك حول "سؤال وجواب: ردًا على أبرز تعليقاتكم عن نظرية التطور"