إرادةُ الجهل: ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟

ارادة الجهل - نقد امين صبري علي كيالي
12

في عصر فيضان المعلومات، التي كانت تتضاعف كل 50 سنة مع بداية القرن العشرين، والآن أصبحت كل 12 ساعة تقريبًا. تكون الضحية الوحيدة هي الحقيقة، أو مُقاربتها لو تكلمنا مِن مَنطق ما بعد الحداثة الذي لا يؤمن أساسًا بوجود الحقائق.

السمة الأساسية لهذا السيل المعرفي الذي نعيشه الآن، التشتت، عدم الانتظام، والإباحية التي وفّرته للجميع وجعلته مُتاحًا أمامهم. فما كان الناتج هنا إلَّا جحافل من جيل جديد يَصح وصفه بأنَّه جيل «سمعَ بكلّ شيء تقريبًا، إلَّا أنَّه لا يدري عُمقًا بأيّ شيء أيضًا».

تجمّعات من الشباب الذين يملكون المعلومات، إلَّا أنَّهم لا يملكون منهجًا علميًا يُشكّل إطارًا جامعًا لها، دون إجادة أي من مبادئ المحاكمات العقلية، أو النقد كقراءة ثانية بعد القراءة الأولى التي يكون هدفها الفهم قبل الإقصاء.

في ظل هذا تكون الحيرة واضحة بين ثنائيتين واضحتين، مَن هو المُحق ومَن هو المخطئ؟ أيهم الصواب وأيهم عكسه.


الإرادات ثلاث وفقًا لما يقول البعض. إرادة الإيمان، إرادة الإلحاد وإرادة الجهل.

بالحديث عن الأولى منهم لا بدَّ من طرح المثال التالي، لاحظوا أنَّ أيّ شخص يُريد التخلّص من عادة مزعجة تعكّر صفوه، في حال محاولاته بالتخلص منها ومن ثمّ فشله تكون انتكاسته قويةً وشرسةً، إذ يُصبح يمارس تلك العادة بشكلٍ أكبر بكثير من قبل شروعه بالتخلي عنها.

يرجع السبب في هذا إلى تركيبة العادة نفسها، فهي أشبه ما تكون باختصار Short cut عصبي يوفّر على المخ القيام بالتفكير والمناقشة في قضية ما مُتكررة. لذلك، بعد مدّة معينة يصبح هذا السلوك تلقائيًا ولا يخضع للمساءلة العصبية.

لذلك، الخطوة الصحيحة للتخلص من أي عادة تقتضي تفكيكها من خلال إعادتها للحيز الأصلي الغريب عن الجهاز العصبي، وليس محاولة إزالتها بالكامل.

إرادة الإيمان تكمن في نفس النقطة، ذهن الإنسان يميل إلى توفير قدر كبير من التفكير المجهد وتتابعات من الأدلة والاستدلالات المنطقية. هذه العملية مُرهقة جدًا للدماغ وتدخله في طَور منطقة بدون راحة. لذلك، يلجأ هنا إلى تحقيق ما يعرف بـ «قفزة الإيمان»، وهي عبارة عن قبول أشياء دون محاكمات عقلية عصبية تذكر، صحيح أنَّها غير خاضعة لمبادئ الاستدلال المنطقي، إلَّا أنَّها كالعادة تمامًا، أمر تلقائي مُريح للأعصاب.

الثانية من الإرادات هي الإلحاد وفقًا لوصف الفيزيائي الفرنسي الشهير بليز باسكال، فالإنسان وفقًا لفرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي يميل إلى رفض الإله لا شعوريًا من باب رفض صورة الأب لديه أيضًا. فتبعًا للعقدة النفسية لدى الذكور المُسماة بعقدة أوديب Oedipus Complex يميل الذكور إلى أمهاتهم أكثر من آبائِهم، بينما تميل الإناث للآباء أكثر، وقد صدق مَن قال بأنّ كلّ فتاة في أبيها مُغرمة.

تكمن إرادة الإلحاد بشكلٍ واسع عند الذكور بسبب ميول نفسية شخصية متأصّلة لا شعوريًا لدى الذكر في محاولة تحطيم صورة الأب المُنافس على الأم. لذلك، يكون الإله هو أشبه شخصية لذلك الأب الراعي والحامي والمسؤول عن التصرفات والذي يعاقب ويكافئ على النتائج. لذلك، غالبًا ما يحاول الذكر تحييده في إرادة الإلحاد الكامنة داخله، بينما يضعف ذلك لدى الاناث، وهذا ما يفسر نسبة التديّن الكاسحة لهم مُقارنةً مع الذكور.

نجد أنّ روائي روسيا دوستويفسكي وافق هذا المنحى الفرويدي في إحدى كتاباته على لسان أحد الأبطال الذي قال: «مَن منا لم يفكر يومًا في أن يقتل أبيه!». أمّا الإرادة الأخيرة المتبقية فهي إرادة الجهل، والتي خصصنا هذا المقال كاملًا مُفصّلًا لها وعنها.

دائمًا هناك خيار آخر

فكرة أمين صبري وأرضه المُسطّحة، فكرة عدنان إبراهيم ونسخته المُعتدلة من الأصوليّة المُتشددة، فكرة علي منصور الكيالي، فكرة زغلول النجار وإعجازاته، فكرة التطوّر أم الخلقية. فكرة التسطّح أم الكروية، فكرة مَن هو الدين الصحيح. وهذا كان سابقًا؛ لأنَّ الفكرة الآن أي طائفة ضمن الدين هي المُحقة، وهلمّ جرًا على جميع الأفكار الأُخرى التي قد تراودك أو تسمع بها مجرّد سماع هنا أو هناك.

لا أعرف إن كنت تعرف، لكني أرجح ذلك كثيرًا. وهو أنَّ الجميع على عدم دراية بأنّ «اليقين» وما شاكله من مُصطلحات مُشابهة، يتضارب بشكلٍ مُباشر وعلى طول الخط مع علم دراسة طرائق الاستدلال السليمة في الفكر المنهجي، والمُسمى اختصارًا «علم المنطق».

عندما تسمع شريط صوتي يحوي مُرادفة «اليقين» أو تشاهد فيديو مرئي، أو تقرأ كتاب لعلّ اسمه هو «نور اليقين» أو ما شابه من الكتب والفيديوهات وحتى المقالات التي تحاول أن تأتيك بالحقيقة الكاملة بضربة واحدة، فاعلم أنّ هناك خللًا ما في المادة التي تحاول استيفاء معلوماتك وفكرك منها، فالمنهج هنا كله مغلوط. ربما قد تقتنع بما يُقال ويُكتب، لكن هذا يبقى كلامًا غير منطقيًا حتى لو كان مقنعًا. وهنا نجد أنّ عددًا لا بأس به من الناس يُخدع بهذا، فاقتناعك بشيء ما لا يعني منطقيته. على العكس، غالبية القناعات هي واهية في جذورها.

القاعدة المنطقية الرئيسة تقول: «اليقين من علامات العقل المُغلق»؛ لأنَّه من الصعب جدًا أن يتواجد شيء في نطاق هذا العالم المادي المحسوس – عدا بعض الثوابت الفيزيائية والرياضية – يقيني مؤكّد بنسبة 100%. لربما عدد ضخم مما يُعتقد كحقيقة هو مجرد وجهات نظر هنا وهناك. الفرق الوحيد يكمن بمن هو صاحب تلك الوجهة! هل هو عالم فاتبعه في مَناحي العلم المتخصص به، أم هو مجرد مُستغل لوضع ما يهرف بما لا يعرف فيه.

على هذا الكلام يترتب علينا الولوج إلى الاستنتاج التالي، لا سيما إن كنت من أولئك الذين يعانون من سيل أفكار غير منظّم بحاجة لفرز نحو مناطق الصواب والخطأ.

أنا مُسلم، لكن دائمًا لدي خيار أنّ دين آخر هو الصحيح. أنا مُلحد، لكن دائمًا ما أضع في ذهني ارتياب يُجيز أن يكون هناك إله في حال تغيّرت المتغيّرات. أنا مع التطوّر، لكن دائمًا ما أضع هامش فيه احتمال أن تأتي نظرية تفسر الموضوع على نحو أفضل موافق للمنطق العلمي. أنا مؤمن بأنّ الأرض كروية، لكني دائمًا ما أضع في رأسي خيارات أُخرى بين الفينة والأُخرى. وهلم جرًا على كل فكرة أُخرى تصدّقها، دائمًا يجب أن يكون هناك هامش لخيار آخر محتمل.

إرادة الجهل هنا تكمن في إنسان ليس لديه مجال إلَّا لخيار واحد غالبًا هو نفسه لم يختره حتى بل فُرض عليه تحت شروط جغرافية بيئية. هل يضع أصحاب الأرض المُسطحة في بالهم أنَّ الأرض قد تكون كروية؟ ليس هذا فقط، المُسطِّحون – المُسطَّحون أيضًا – يصدقون بالنتيجة الكارثية المُرافقة لعدم كروية الأرض، ألا وهي عدم دورانها حول الشمس.

أقصى ما يمكن بلوغه في كلّ شيء عدا ثوابت العلم الرئيسة، ما هو إلّا رجحان لوجهات نظر على وجهات نظر أُخرى. أمَّا اليقين بنسبة 100% من شيء ما فهو أمر بعيد المنال. صدق أو لا تصدق، خلال التاريخ البشري ظهرت آلاف الأفكار المتعارضة والمتعاكسة والمتناقضة وكل معتنق لهم كان متيقّن بنسبة مليون بالمئة أنَّه هو المحق، لكن فيما بعد اتضح ربما العكس تمامًا. فأين كل ذلك اليقين ذهب.

كما قلنا الآن؛ لأنَّ اليقين أساسًا مُعاكس للمنطق، وهو سمة للعقل المنغلق الذي ليس لديه خيارات أُخرى ممكنة.

هذا الخيار ستجده فقط عند 5% من البشر. وهذا طبيعي كون البقية هم من أصحاب العقول المتقاعدة عن العمل والتفكير كونها متيقنةً مُسبقًا من كلّ شيء. صدق أو لا تصدق، أزل ثلاثية (النوم – الطعام – الجنس) من حياة بعض الناس، وستجد أنَّ حياتهم فارغةٌ تمامًا. وكما قلنا في مقال منصرم، النوم والطعام والجنس هي أمور تفعلها سائر الحيوانات. لذلك، ليس فيها بُعد إنساني يعطي لحياة الجنس البشري معنى، ومن بعد هذا قد تجد أصحاب هذه الثلاثية يخرجون لانتقاد التطوّر، على الرغم من أنَّهم هم أنفسهم دليل على التطوّر.

أبعد اليقين من حياتك ولتفهم أنَّ اقتناعك بشيء لا يعني منطقيته، بل يعني أنَّك أنت تريد تصديق ذلك لا سيما أنَّه يخالف قواعد المنطق، عدا ذلك لا يمكننا سوى القول أنَّ اليقين ما هو إلَّا كلمة «تجميلية» لمعنى مُظلم بشع هو العقل المنغلق الدوغمائي.

سايكولوجيا الديوك: لماذا لا يصدقون؟

سايكولوجيا الديوك نقد امين صبري

قد يمرّ أمام ناظريك حلقة ما من برنامج الاتجاه المعاكس أو غيرها من برامج الديوك الشهيرة، حيثُ يتمّ استضافة ديكين من اتجاهين متخالفين ويتمُّ بينهم حوار وهمي قائم على الصياح، هكذا إلى أن ينتهي البرنامج. لو شاهدت شيئًا قريبًا من هذا لا شك أنَّك استشعرت شيء مميز جَلي، وهو أنَّ جميع ديوك هذه البرامج المتلفزة لا يقتنعون ولا يصدقون بأيّ شيء.

كم تمنيت أن أرى ضيف ما يتوقف في منتصف الحلقة ليقول، حسنًا لقد تبيّن لي حقائق جديدة أثبتها أنت بالدليل الآن. لذلك، سأتخلى عن موقفي وأتقبل موقفك. هذا لا يحدث أبدًا. لماذا لا يصدّق الناس ما يُقال ويُثبت؟

الجواب يكمن في آلية عمل تفكير الجنس البشري بأكمله. هل الناس أساسًا تعتمد على الدليل والمنطق في تقبّل الأفكار الواردة إليها، أمَّا أنَّها تميل لإنحيازات أُخرى مُريحة كالعاطفية مثلًا؟

في تجربة أمريكية شهيرة، تمَّ اختبار بها مجموعة من مؤيدي مُرشح الحزب الجمهوري، ومجموعة أُخرى من مؤيدي مرشح الحزب الديمقراطي. أخذت إحدى المجموعات المؤيدة وعُرض عليها صور وأدلة تثبت أنَّ مُرشحها مجرم قام بارتكاب أعمال سيئة بالدليل القاطع. أثناء هذا قام العلماء بمسح لأدمغة المؤيدين خلال هذه التجربة، والنتيجة كانت أنَّ المناطق التي نشطت أثناء رؤية أدلة تثبت إدانة مُرشحهم كانت مناطق العاطفة وليست المحاكمة العقلية.

نفس المجموعة عُرضت عليها أدلة وصور تثبت ارتكاب المُرشح الخصم لجرائم وأفعال سيئة، ونتيجة المسح الدماغي أظهرت أنّ المناطق التي تفاعلت مع أدلة الخصم هي مناطق المُحاكمة العقلية وليس مناطق العاطفة.

النتيجة من هذه التجربة كانت أنَّ الإنسان كائن مزدوج المعايير ومُنحاز عاطفيًا. فهو مع الخصم عقليًا صلبًا كالصخرة يريد أدلة وبراهين، بينما مع المُرشح الذي من «نفس الجماعة» يتفاعل عاطفيًا وكأنَّه يقول: تبًا لكم كيف يكون هذا مُجرم، إنّه حليفنا وفي نفس صفنا!

وهذا باختصار هو الذي يفسّر آلية سلوك الديوك ذلك.

نفس الأمر يمكن تطبيقه على مثال واقعي حي وهو نظرية التطوّر. لاحظ أنّ الخلقيين لا يكفون عن نقد نظرية التطور ومحاولة هدمها، وهذا شيء مهم، النقد مهم دائمًا وأبدًا، لكن ضع في رأسك أنّ نقد التطور لا يعني إثبات الخلقية.

هو يطبق مبادئ العلم وآراء العلماء على التطوّر ويحاول هدمه، لكن إن طبّق نفس المبادئ على خلقيّته لما تطبقت لأنَّها أساسًا مصنفة كعلم زائف.

لدينا أحمد ولدينا سمير. أحمد – الخلقية – دائمًا تحاول أن تثبت أن سمير ليسَ هو سمير. حسنًا أنا سأصدق أن سمير ليس سمير، لكن هذا لا يعني أنَّ سمير هو أنت! نفيك للآخر لا يعني اثبات نفسك.

لماذا لا يصدقون؟ يا صديقي هم لا يستخدمون عقولهم أساسًا. الأمر لا يتعدى كونه محاولة انتصار كلامية في جدال عقيم موجه لجمهور غير متعلّم لأبسط قواعد المنطق. برامج الديوك شبيهة بتلك المصارعات التي كانت تجرى في الكولوسيوم الروماني بين مصارعين اثنين تكون النهاية بقتل أحدهم للآخر. كلّ شيء غير مهم، المهم هو الذي سينتصر جسديًا، والديك صاحب الصوت الأعلى سيفعل ذلك أيضًا.

لماذا التغيير صعب في الرأي الديني والسياسي حصرًا؟

مِن الملاحظ بوضوح أنَّ الموقف الديني والسياسي أحد أهم أسباب التفرقة في المجتمع ككل، أو في المدينة، ولربما حتى على نطاق أصغر كالأسرة مثلًا. لذلك، وجب هنا طرح التساؤل التالي: لِمَ الناس لا تغيّر رأيها السياسي وموقفها الديني؟ لِمَ هناك مُدن وقرى بأكملها تخضع لنفس الدين ولنفس الرأي أيضًا؟ لماذا حدوث التغيير على هذين المستويين يكون أمرًا صعبًا؟

يجيب على هذا التساؤل علم النفس التطوّري في سياق حديثه عن مفهوم «الجماعة». دائمًا ما يخاف أيّ فرد من أيّ جماعة من أن يُترك من قبل بقية أفراد هذه الجماعة، الأمر فطري وغريزي وأصيل في جميع الكائنات؛ لأنَّ عواقب تركه ونبذه ستكون وخيمةً، لعلّ أبرزها التعرّض لقلة الموارد، افتراس الحيوانات الكاسرة، وعدم القدرة على التكاثر وتمرير الجينات.

من هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم لماذا التبديل في الرأي السياسي لأحدهم أو الديني سيكون صعبًا جدًا.

على نطاق أوسع من الأسرة. يعتبر الدين واليافطات السياسية على اختلافها من قومية ووطنية أكثر الأفكار القادرة على حشد الجماعات وتكديسها، وبما أنَّ الإنسان في تكوينه الغرزي هو كائن اجتماعي يسعى لتأمين نفسه من خلال التماهي في جماعة أكبر منه قادرة على حمايته، يكون للتمرد عواقب وخيمة في حال مخالفتها كما ذكرنا سابقًا. من الطبيعي أن يلتزم الإنسان سلوك جماعته بغض النظر عن مدى أصحيته أم خطأه.

الأمر وُجدَ على نطاق زمني قديم، لا سيما قبل تمدّن الإنسان وعيشه في الحواضر. مما يعكس رغبة دفينة فيه في الالتزام برؤية جماعية يراها أحد غيره وليس هو فقط؛ لأنَّ نبذه وعدم التزامه بما يقولون سيؤدي لإبعاده وتعرضه لخطر الافتراس، حتى إن كان هو نفسه لا يعي ذلك.

يقول ديفيد باس في كتابه علم النفس التطوري: يمتلك الإنسان الحديث العاقل دماغ قديم يفوق عمره الـ 2 مليون سنة. فبالرغم من أننا نعيش في حواضر متمدنة، لا يزال الكثير منا يعاني من الخوف غير المُبرر من الأفاعي والعناكب. السبب في هذا يرجع إلى تركيبة الدماغ نفسها، فهو لا يزال يمتلك نفس مخاوف الإنسان القديم الذي عاش عاريًا قبل 2 مليون سنة. فالأفعى والعقرب ولدغاتهما كانت هي الخطر الأكبر الذي يجب على الإنسان أن يكون حذرًا تجاهه.

لكن مع تطوّر الإنسان وتمدنه لم تبقَ كل هذه المُهددات، وأصبح تواجدها ضئيًلا. ومع هذا لا يزال الإنسان يمتلك نفس المخاوف القديمة. فلو أردنا اسقاط التطوير عليه، لكان حريٌ به أن يخاف من السيارات كون خطر موته بحادث أكبر من خطر موته بلدغة ثعبان أو عقرب، إلَّا أنَّ قدم دماغ الإنسان هو الذي يساهم في تحديد كل هذه العوامل.

بالعودة هنا للرأي الديني والسياسي سنجد نفس المعنى متواجد. عقل الإنسان الحديث هو نفس عقل الإنسان القديم الذي عاش قبل 2 مليون سنة. لذلك، من الطبيعي أن تكون مخاوفه القديمة متواجدةً للآن. مخاوف ترك الجماعة مما يجعله عرضة للافتراس وقلة الموارد. لكن الآن الجماعة أصبحت أكثر تنظيمًا وانضباطًا، وأكثر ما يقولبها ويحشدها هو الدين أو السياسة. لذلك، تغيير رأيك فيها سيكون صعبًا جدًا، كون المخاوف القديمة في تركها والنبذ منها لا تزال موجودةً إلى الآن بشكلٍ غير واعي.

هل علمت الآن لماذا هناك مدن وقرى كاملة تتبع نفس النمط الديني – السياسي؟ هل علمت لِمَ تغيير هذا الرأي يعتبر جحيمًا لشدة صعوبته على الرغم من تقديم الأدلة والبراهين.

عقل الإنسان قديم، ولا تزال مخاوفه القديمة هي نفسها، الفرق الوحيد هي أنَّها لبست ثوبًا جديدًا.

العامل الوراثي: أفراد أذكياء وآخرين أغبياء

دعني أخبرك بسر صغير عزيزي القارئ بعيدًا عن أعين رؤساء التحرير ومدراء المحتوى العربي على الإنترنت. إنّ المقالات التي تحمل عناوين من نمط: «5 خطوات تزيد الذكاء» وما يشابهها، هي مقالات بلا أي فائدة عملية حقيقية؛ لأنّ الذكاء بنسبته الكُبرى هو مفهوم وراثي، يرثه الإنسان كما يرث لون عينيه، فمقال سيزيد ذكاء، نفس مضمون عنوان يقول لك، مقال سيغير لون عيونك!

لنوضّح الموضوع سنأخذ لعبة الشطرنج كمثال. التدريب على الشطرنج ثبت فعلًا أنّه فعّال في إعطائِك «مهارة» – دقق على كلمة مهارة – في سياق اللعبة نفسها فقط. أيّ أنّك ستصبح ماهرًا في الشطرنج، أمَّا محاولة توسيع الذكاء من خلال لعبك لها، فهو أمر غير قابل للحدوث. فالذكاء التجريدي المعروف قياسه باختبار الـ Intelligence Quotient أمر ثابت.

قد يقول البعض لكن أعتقد أنّه بإمكاني أن أحسن لياقاتي وقدراتي. هذا صحيح، لكنه يبقى محدودًا. الأمر أشبه بمحرك ألماني قوي ومحرك صيني ضعيف، يمكنك أن تقوم بـِ «تزييت» المحرك الصيني ليعطي أداءً جيدًا، إلَّا أنَّه من غير الممكن أن يصل إلى مستوى المحرك الألماني.

جرى إثبات ذلك من خلال إجراء الدراسات التي حدثت على توائم متشابهة بالحمض النووي، إذ تم فصلهم فور ولادتهم وعاش كل منهم في بيئة مختلفة عن الأُخرى. نتيجة ذلك، كان أنَّ كلا الطفلين كانا قد طوّرا نفس اللياقات المعرفية. مما قاد الباحثين للتوصل لنتيجة مفادها أنَّ الذكاء يرتبط بعدة عوامل مؤثرة فيه إلَّا أنَّ الاختلاف يكمن فقط في النسب. وهي كالتالي: 80% وراثي جيني، 20% بيئي.

فالعامل الأول المُحدد للذكاء هو الوراثة وهذا ما لا دخل لأحد به، أم الثانوي فهو البيئة وما يلحقها من تربية اجتماعية وتثقيفية. مِن هذا المنطلق، وجب علينا طرح السؤال الحرج التالي، السؤال الذي سبب كوارث القرن العشرين وما تبعها من عنصرية شهيرة يعرفها الجميع. بما أنَّ الذكاء مفهوم وراثي، هل هناك إذن شعوب ذكية وأُخرى غبية؟ دول أذكى من دول أُخرى؟

من باب عرض الأمور كما هي، لا بدَّ من إيضاح النقاط التالية المُتجادل عليها إلى الآن. مُعظم البشر يتمركزون حول معدّل ذكاء متوسط، فالغالبية هي ضمن المعدل العادي أو الطبيعي. إلَّا أنَّ الانحراف يكون فقط عند الأفراد الأذكياء جدًا والأغبياء جدًا، ليكونوا أكثر ندرةً من المتواجدين ضمن الحدود الطبيعية.

ليس هناك شعوب أذكى من شعوب بشكلٍ مُباشر، هناك شعوب متوسط الذكاء فيها أعلى من شعوب أُخرى. وبناءً عليه يمكن عرض النقاط السريعة التالية:

  • في جميع الإحصاءات التي قامت بقياس الذكاء التجريدي اعتمادًا على اختبار الـ IQ كان العرق الأصفر – الشرق آسيوي – دائمًا هو الأذكى.
  • الدول والشعوب الأذكى تُعتبر دولًا ذات معدل ولادات منخفض جدًا، وعلى العكس تكون الشعوب غير الذكية، بولادات مرتفعة جدًا.
  • يُلاحظ مُسايرة المستويات العالية من الذكاء التجريدي مع نزعة لادينية واضحة، في حين تسود النزعة الدينية في الدول المُعاكسة.

# وفقًا لاختبار الـ IQ الذكاء التجريدي والترابط المنطقي، فإنَّ أذكى الدول والشعوب هي التالية:

  • في المرتبة الأولى تقبع هونغ كونغ وسنغافورة بمتوسط ذكاء 108 نقطة. يبلغ معدّل الولادات في كل من الدولتين 8.6 و8.9 وهو معدّل منخفض جدًا. وتُعتبر هاتان الدولتان تابعتان للحيّز الصيني في النزعة اللادينية الموروثة من شيوعية الصين.
  • في المرتبة الثانية تقبع كوريا الجنوبية بمعدل ذكاء 106 نقطة. في حين يبلغ معدل الولادات 8.3 وتسود النزعة اللادينية بنسبة تتراوح من 30 – 52%.
  • في المرتبة الثالثة اليابان بمعدل ذكاء 105 نقطة، ومعدل ولادات يبلغ 7.7 وتسود نزعة اللادينية بنسبة 64 – 65%.
  • الصين أيضًا بالمرتبة الثالثة بمعدل 105. تلحقها تايوان في المركز الرابع بمعدل 104 نقطة ومعدل ولادات 8.3 ونزعة لادينية تبلغ الـ 24%.

على العكس تمامًا، تسيطر معدلات الولادة العالية على الدول غير الذكية. كما تسود فيها النزعات الدينية الواضحة. ولعل أبرز تلك الدول هي التالية:

الكاميرون بمعدل 64 نقطة ومعدل ولادات 35.4 الغابون 64 نقطة ومعدل ولادات 34.2 غينيا معدل ذكاء 67 ومعدل ولادات 35.1 الصومال معدل ذكاء 68 ونسبة ولادات تبلغ 39.6 لكل ألف من السكان.

رسم يوضح معدلات الذكاء ونسب تواجدها

قد يسأل أحدهم الآن، ألا يعتبر هذا عنصريًا؟ الجواب باختصار نعم. مُعدلات الذكاء هي أحد الأسباب التي اشعلت شرارة الحروب العالمية بالإضافة لشرارة استعباد بعض الشعوب والأعراق للآخرين. والسبب في ذلك أنَّ الشعوب الأذكى وجدت أنَّ الشعوب الأقل ذكاءً غير قادرة على إدارة بلدانها. لذلك، قامت باستعمارها لإدارتها بالإضافة لأطماع أُخرى لا تخفى على أحد.

ألم تتساءل يومًا لِمَ شركات النفط الفرنسية والأوربية بشكلٍ عام تعمل في أفريقيا دون أيّ حسيب أو رقيب؟ السبب يدور حول نفس النقطة، حجة أنَّ هذه الشعوب غير ذكية بما يكفي لاستثمار ما فيها من ثروات. لذلك، تقوم هذه الشركات بفعل ما تفعله.

نُعيدها ثانيةً. الذكاء يتراوح دائمًا في المتوسط، إلَّا أنَّ الانحراف يكون في الأفراد الأغبياء والأذكياء فقط. قد يسأل أحدهم، وماذا عن الشعوب العربية؟ متوسط الذكاء العربي يقع في المنتصف تمامًا أي بين الـ 80 – 90 نقطة. لذلك، العامل الثانوي يصبح شبه جوهري في تحقيق ذكاء الفرد العربي ألا وهو عامل البيئة، فإن كان التعليم والتربية الاجتماعية تحفزك نحو الأمام فمن الطبيعي أن تكسب 20% من نسبة الذكاء غير الوراثية، وإن كانت البيئة هي العكس فستخسر 20% هذا إن كنت قد استغللت الـ 80% كاملةً أيضًا.

للأسف ما نشاهده حولنا من أخبار وبرامج وترفيه وغيرها، هي مواد تساهم بشكلٍ كبير في عملية الإغباء وليس الإذكاء. كما أنَّ هناك عوامل أُخرى تحد من النبوغ، كزواج الأقارب الذي يعيق الحركة الجينية، ويساهم في إنتاج أفراد محدودي الذكاء والدخل، بالإضافة لكونهم مستودعًا من الأمراض الوراثية.

يمكنك مُشاهد شرح مُبسّط عن هذه المفاهيم من خلال الفيديو التالي:

بالعودة لإرادة الجهل وعلاقتها ها هنا. قد يكون هذا السبب واردًا في تشكيلها. لماذا البعض لا يمكنه التصديق بالدليل؟ لماذا البعض مُقتنع بأنَّ الأرض مسطحة؟ ويقول أنّ ناسا تكذب، على الرغم من أنَّ كروية الأرض مثبتة من جميع وكالات الفضاء الصينية والروسية وليس ناسا الأمريكية فقط، كما أنَّ كروية الأرض تمّ إثباتها من مشاهدات أرضية، وليس من خلال وكالات الفضاء والأقمار الصناعية أساسًا.

لماذا هذا؟

الجواب هو سبب دمار القرن العشرين بسبب سوء التوظيف الذي سيق فيه. الجواب هو سبب حرق هتلر لكل فرد عدا العرق الآري؛ لأنَّه كان يعتبره الصفوة. الجواب للأسف عنصري. لذلك، يتمّ التعتيم عليه سياسيًا في القرن الـ 21 كونه سبب من المتاعب ما سبب. الجواب يكمن في أنَّ هناك أفرادًا أغبياء حقًا، بنفس نسبة وجود أفراد أذكياء أيضًا، والغباء هنا ليس نتيجةً بيئةً أو ظروفًا اجتماعيةً، بل نتيجة جينات ضعيفة مثل جينات قصر القامة وغيرها.

تُريد أن تعرف ما هي صفاتهم؟ وفقًا لتأثير Dunning–Kruger، فإنّ الأشخاص الأغبى هم الأكثر ثقةً وعنجهيةً. بمعنى أنَّ عقلية الغبي تفرض عليه دائمًا عدم رؤية إلّا رأيه وفكره على أنّه الصحيح المُطلق بنسبة 100%. هو لديه «يقين» منه، هؤلاء نفسهم الذين ليس لديهم خيار آخر ونسبة ارتياب كما ذكرنا في الفقرة الأولى. هذه هي سمتهم الرئيسة.

إرادة الجهل: دعوني أبقى سعيدًا

بعد أن مررنا على جميع الأفكار السابقة، أصبح بالإمكان أن نستشف الملامح العامة لإرادة الجهل، والتي تلحق أخواتها من إرادات، فالإيمان والإلحاد ومن ثم يأتي الجهل.

تكمن إرادة الجهل في الإنسان الذي ليس لديه خيار آخر، الذي ليس لديه مجال شك ولا ارتياب، الذي يريد أن يموّه حياته بألفاظ تجميلية لشيء قبيح من نمط «اليقين» عدو المنطق اللدود.

مَن ليس لديه خيار آخر محتمل، هو من يمتلك هذه الإرادة طوعًا.

تكمن إرادة الجهل في الرغبة الدفينة في عدم مفارقة الجماعة على الرغم من تطوّر الإنسان وتمدنه. العواقب الوخيمة كانت في الماضي، أمَّا الآن فلا وجود لا لمفترسات ولا لغيرها، والذين لم يجرؤوا على ذلك، هم لم يخطئوا بشيء سوى أنَّهم أضافوا دليلًا حيًا للسجل التطوّري، بأنّ الإنسان يحتاج لجماعة تحميه ولا يستطيع تركها إلى الآن. لذلك، من الصعب جدًا أن يبدّل موقفه الديني السياسي؛ لأنَّها هي من تحشده حول جماعته.

لا تقل لي قناعة ودليل، أنت هنا مجرد فرد تطلب الحماية لا أكثر، وما أنت هنا إلّا مَطية لإرادة الجهل.

مما لا شك فيه أنَّ لبيولوجيا الجسم دور كبير أيضًا، فالوراثة تدلي بدلوها لتحدد صفات بعض الأشخاص، كالطول، لون العيون، البشرة، ودرجة ذكاء الفرد أيضًا. فأحيانًا قد يكون الأمر خارج عن نطاق إرادتك بشكل جزئي، ولتداركه يمكنك اللعب بحوالي 20% من ظروف البيئة المحيطة لتعيد ضبط تلك الإعدادات.

أخيرًا يجب القول أنّي كتبتُ هذا المقال ولدي خيار آخر في أن أكونَ مخطئ، إلَّا أنَّي حسب المشاهدات التي وجدتها، وبعض الدراسات التي قرأتها تبين لي هذا الذي أوردته حديثًا وكتابةً عن هذه الإرادة. فالجميع يملك خيار آخر، غير مهم ما هو هذا الخيار، المهم أنَّك تملكه لتعلمني أنَّك بعقل متفتح يملك منهجية احتمالية «منطقية» وليس كالإنسان الذي يملك نور اليقين المطلق.

لتعلمني أنَّك إنسان يملك عقلًا أفضل ما فيه هو أنَّه يحاول أن يسعى نحو الحقيقة، بغض النظر عن كلّ شيء آخر.

12

شاركنا رأيك حول "إرادةُ الجهل: ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟"