نظرةٌ على أحدثِ عمليات زراعة الوجه… قصةٌ أقرب إلى الخيال!

زرع الوجه: صورة من الوجه المنقول
1

تنويه: يتضمن هذا المقال صورًا قد يراها البعضُ صادمةً وقاسيةً، الرجاء عدم متابعة القراءة إن كانت لديك حساسية من هذا النوع من الصور.

خذ لحظةً للنظر في المرآة… ماذا ترى؟ معظمنا سوف يجيب، «نفسي»… فهل نحن وجوهنا؟! 

للحظة مُدهشة يقعُ وجهٌ بشري بداخل علبة جراحية، والجراحون والممرضات ينظرون إليه في رهبة، ومثل المصورين المهرة على نحو غير عادي، يتحركون مع الكاميرات لتوثيقه، ويقف حوله عيون فارغة وغير متوقعة، وأفوه فاغرة كما لو كانت تصيح «أوه… يا إلهي!» يبدو الأمرُ كما لو كان أشبه بقناع الموت في القرن التاسع عشر.

مهلًا! هذا ليس وصفًا لمشهد سينمائي، هذه قصة حقيقية تحوي مزيجًا من الصدمة، والإنسانية، والمعجزات الطبية المدهشة، فاليوم وبعد مرور أكثر من 20 عامًا على طرح الفكرة سينمائيًا ضمن أحداث الفيلم الشهير Face/Off، باتت الآن عمليّات زرع الوجه Face Transplant ممكنةً فعليًا على أرض الواقع.

نلقي نظرةً على قصة «Katie Stubblefield – كاتي ستولبفيلد» المدهشة، من حافة الموت تقريبًا إلى جراحة الوجه غير العادية التي منحتها بدايةً جديدةً، وظهور على غلاف مجلة National Geographic لعدد سبتمبر القادم.

زرع الوجه: قصة غلاف مجلة ناشيونال جيغرافيك


ترجع الأحداث إلى يوم 25 مارس 2014، عندما كانت «كاتي ستولبفيلد» في سِنِّ 18 فقط، وتمرُّ بسلسلة من النكسات الشخصية، المُتزامنة مع أزمة عاطفية جرّاء انفصالها عن صديقها عقب اكتشافها أنَّه كان يرسل رسالةً نصيةً إلى فتاةٍ أُخرى.

مما دفعها لمحاولة انتحار فاشلة، وذلك بأن وضعت ماسورة بندقية صيد من عيار 308 أسفل ذقنها وسحبت الزناد، ليجدوها فيما بعد في حمام شقيقها مغطاة بالدم، بينما وجهها قد ذهب بغير رجعة.

نجت «كاتي» ولم تموت، لكنَّها لم تصبح هي… هذا الوجه القديم موجود الآن فقط في الصور. في انعكاسٍ قاسٍ لصور قبل وبعد في برامج تلفزيون الواقع، وعلى تطبيق إنستجرام تظهر صورها السابقة فتاة شابة وجميلة ذات ابتسامة عريضة وبشرة خالية من العيوب، كان بإمكانها أن تطل علينا كوجه جميل على غلاف مجلة موضة وأزياء.

فقد فقدت جبهتها وأنفها والجيوب الأنفية، وذهب فمها أيضًا باستثناء زوايا شفتيها، وفي الوقت نفسه انفجرت الكثير من العظام التي تشكّل الفكين وأمام وجهها أيضًا، وبقيت عيناها لكنَّها منحرفةٌ وألحق بها أضرارًا بالغةً.

ولفترة من الوقت لا تبدو جراحات إعادة البناء وكأنَّها ضمانٌ، فقد فقدت «كاتي» جزءًا كبيرًا من وجهها وتقريبًا حياتها؛ بعد إطلاق النار على نفسها في محاولة الانتحار عام 2014. في أعقاب ذلك خضعت وقتها لعملية جراحية بعد الأُخرى. أولًا لإنقاذ حياتها، ثم محاولة إصلاح الضرر.

عرفَ الفريقُ الطبي أنَّ الأمرَ سيكون صعبًا، كانت إصابات «كاتي» واسعةَ النطاق، كان صغر عمرها وشبابها يعني أنَّ جهازها المناعي قويٌ بشكلٍ ما، مما قد يزيد من فرص رفض أنسجتها لعملية الزرع، كما أثارت محاولتها العديدة السابقة للانتحار مخاوف تتعلق بالصحة العقلية.

وكانت فرصُ العثور على متبرعٍ بوجه مناسب لأنثى، وفي نفس العمر تقريبًا والبشرة ضئيلةً، ولكن بعد فترة تقييم مطولة شملت عدّة أشهر لضمان أنَّ «كاتي» تفهم مخاطر ومتطلبات الإجراء، ضغط الفريقُ الطبي إلى الأمام.

إنَّ زراعةَ الوجه كانت نوعًا ما هبةً في السماء، مع أنَّها ربما كانت ثانويةً مقارنةً باحتياجات «كاتي» الطبية الأكثر إلحاحًا. لكن في النهاية، ومع استقرار حالتها بدأت العمليةُ تبدو ممكنةً. واليوم، وهي في سِنِّ 21، أعطى الأطباء لها وجهًا جديدًا عبر زرع وإعادة تشكيل وجهها التالف؛ لتصبح أصغر شخص في الولايات المتحدة يخضع لتلك الجراحة التجريبية.

صاحبات قصة عملية زرع الوجه
يسار: كاتي المتلقية في عام 2013، يمين: أدريا شنايدر المتبرعة في عام 2017.

ففي 4 مايو من العام الماضي قام الجراحون في «كليفلاند كلينيك» بخياطة وجه «Adrea Schneider – أدريا شنايدر» والبالغة من العمر 31 عامًا، والتي قد توفت بسبب جرعة زائدة من المخدرات، واختارت عائلتها التبرع بكلِّ أعضائها تقريبًا.

أنهى الجراحون في غرفة العمليات رقم 19 في مستشفى «Cleveland Clinic – كليفلاند كلينك» في ولاية أوهايو العمل الدقيق لانتزاع وإزالة وجه امرأة متبرعة بالأعضاء، سبق وأن أُعلن عن موتها قانونًا وطبيًا قبل ثلاثة أيام، وعلى مدار عملية استمرت 31 ساعة، عمل الفريقُ الطبي على إرفاق وجه «أدريا» بجسم «كاتي».

وقام الجراحون في 15 ساعة بقطع جبين «أدريا»، بعد الخط الذي رسمه على جلدها. لزرع الوجه بدأوا من عنقها، وعملوا على ربط الأوعية الدموية والعظام والأعصاب، ولتقطيع الأوعية الدموية والأعصاب استخدموا خيوطًا في حجم شعرة الإنسان.

وقضى الجراحون 16 ساعة أُخرى يربطون الوجه بـ «كاتي»، ومع اكتمال عملية الزرع، لا تزال «كاتي» بحاجة إلى عمليات إضافية، وعدّة أشهر من إعادة التأهيل، وبقى عليها التكيف مع الحياة الجديدة والهوية والواقع الذي يأتي مع ظهورها الجديد.

أثناء جراحة زرع الوجه
الجراحة استمرت 31 ساعة، لتكون هي الأطول على الإطلاق.
ومع اكتمال عملية الزرع ، لا تزال كاتي بحاجة إلى عمليات إضافية وعدة أشهر من إعادة التأهيل.
قام الجراحون بقطع جبين «أدريا» بعد الخط الذي رسمه على جلدها.

فيما انتظرت «كاتي» أكثر من ثلاث سنوات لتُمنح وجه جديد، فضلًا عن وجود وجه. يمكنها الآن أن تمضغ وتبلع وتتنفس بشكلٍ مستقل لأول مرة منذ سنوات.

يقول الدكتور «Brian Gastman – براين جاستمان»، جراح التجميل في كليفلاند كلينيك، والذي كان جزءًا من فريق رعاية «كاتي»، إنَّ الفصلَ التالي من قصتها سيكون حول كيفية تبني هذا الوضع الطبيعي الجديد.


كيتي ووالديها في قيلولة في حديقة بالقرب من كليفلاند كلينك
كيتي مع والديها في قيلولة في حديقة بالقرب من كليفلاند كلينك قبل إجراء الجراحة.
فقدت كاتي جبهتها وأنفها والجيوب الأنفية بعد أن أطلقت النار على وجهها، ولكنها تلقت وجه امرأة ماتت بجرعة زائدة من المخدرات
فقدت كاتي جبهتها وأنفها والجيوب الأنفية بعد أن أطلقت النار على وجهها، ولكنها تلقت وجه امرأة ماتت بجرعة زائدة من المخدرات.
كاتي قبل الحادث وبعد زرع وجهها - قد لا تبدو النتيجة النهائية تمامًا كما فعلت ، لكنها أعطتها وجهًا
«كاتي» قبل الحادث وبعد زرع وجهها. قد لا تبدو النتيجة النهائية تمامًا كما كانت قبل الحادث، لكنّها أعطتها وجهًا.
بفضل عمليتها المذهلة، تعمل كاتي على إقامة حياة جديدة
بفضل عمليتها المذهلة، تعمل «كاتي» على إقامة حياة جديدة.

هكذا، بعد أكثر من 20 عملية جراحية على مدى أربع سنوات، أصبحت «كاتي ستولبفيلد» تمتلك وجهًا جديدًا، لتصبح بهذا الجراحة رقم 3 في تاريخ المستشفى، والـ 40 على مستوى العالم، ولكنّها الجراحة الأكثر شمولًا بينهم؛ مما يجعلها موضوعًا مدى الحياة لدراسة هذه الجراحة التجريبية.

1

شاركنا رأيك حول "نظرةٌ على أحدثِ عمليات زراعة الوجه… قصةٌ أقرب إلى الخيال!"