صديقي ليس طبيبي النفسي…

متى يجب عليك زيارة الطبيب النفسي
2

لستُ مجنونًا لأذهب إلى الطبيب النفسي… هذه العبارة التي كثيرًا ما أسمعها ممن حولي حين أقع منهم موقع الصديق المستمع الذي من المفترض أن يجد حلًا لصديقه، لكني وفي لحظة لا أجد فيها القدرة على تقديم أيّ نصيحة مفيدة تكون نصيحتي الوحيدة هي ضرورة استشارة طبيب نفسي، فلا أتلقى إلّا هذه الإجابة بشكلها الحرفي، أو بطريقة أُخرى ربما أقل أو أكثر استهزاءً بالفكرة.

أغلب هؤلاء الأشخاص – وأنا منهم –  يعيشون حياتهم وهي مليئةٌ بالمشاكل التي تتراكم وتتعقد أكثر؛ لأنَّهم لا يسعون لحلها قبل أن تتحول لكتلة الثلج الكبيرة التي لا يمكن التصدي لها أو الوقوف بوجهها، وحينها سيجدون أنَّهم وصلوا لمرحلة من الصعب أن يتمّ تجاوزها وحدهم، فيصابون بالاكتئاب الشديد، وقد يصل الأمر عند البعض إلى درجة الانتحار لو تمّ تجاهل بعض الإشارات الواضحة.

سيقول قائل… وهل سأذهب إلى الطبيب النفسي كلما وجدت نفسي أشعر بالضيق قليلًا أو عندي مشكلات؟… هذا سيجعل الجميع يقيم عنده لا يبرح بابه، فجوهر الحياة هي هذه المشكلات التي نحلها ونتجاوزها،

إذًا متى علي أن أذهب إلى الطبيب النفسي؟

1- إذا وجدت أن صحتك تتدهور دون أن تعرف سببًا عضويًا لما تمر به.

2- بعد أزمة حياتية كبيرة مثل: الطلاق، وفاة أحد المقربين، الانفصال، الإصابة بمرض خطير… أزمة مالية حادة…

3- انخفاض مردودك العملي أو الدراسي، وعدم قدرتك على ممارسة ما تحب من الأعمال.

4- الرغبة في الانعزال لفترات طويلة، والبكاء المتكرر.

5- الاضطراب في ساعات النوم زيادةً أو نقصانًا، والاضطراب في الشهية.

6- الإدمان على عادة ما بشكل مبالغ فيه مثل: قضم الأظافر أو نتف الشعر أو الحاجبين أو العادة السرية.

7- الأفكار الانتحارية أو التشاؤمية، وعدم الرغبة في الحياة.

باختصار عندما تجد أنَّ مزاجك سيّئٌ لفترة طويلة من الزمن تتجاوز الشهر، وأنَّ ما يحسنه في العادة لا يفيد، وأنَّ مردودك منخفض في الحياة بشكلٍ عام، فهذا إنذار الخطر الذي عليك أن تسمعه ويجعلك تتجه إلى طبيب نفسي موثوق.

راجع: عشرة أعراض اكتئاب تدفعك لزيارة الطبيب الآن! 

أمرٌ آخر سيقوله نفس القائل سابقًا، وكيف سأختار الطبيب النفسي المناسب؟… سمعت الكثير من القصص التي تجعل شعري يشيب عن أطباء استغلوا مرضاهم، أو جعلوهم مدمنين على الأدوية!… كيف أجد من أثق به؟…

عندي لك في هذه الحالة نصيحتين:

الأولى:

اسأل كثيرًا عن الطبيب الذي ستذهب إليه ولا تغريك شهرته، أو أنَّك سمعت أنَّ فلانًا ذهب إليه فشعر بالراحة واستطاع تجاوز كلّ مشاكله.

اسأل عن أسلوب علاجه، عن طرق التعامل معه، هل سيكون هو المعالج أم سيحيلك إلى معالج نفسي، والمعالج هو غالبًا شخص تخرج من كلية علم النفس وتدرب عند الطبيب لكن ليس من حقه وصف الدواء، بل مهمته تتلخص في العلاج السلوكي، وبعض المعالجين أمهر من الأطباء. لذلك، لا بدَّ أن تعرف مع من ستتعامل، فلا تخجل من السؤال عن هذه التفاصيل فهي من حقك.

هذه أمور تهتم بها لو كنت تذهب لطبيب عضوي لأجل أمر بسيط، فكيف بما يتعلق بروحك التي هي حياتك؟… أعتقد أنَّه من الأولى بك أن تهتم بها مع الطبيب النفسي.

الثانية:

لا تتردد بتغيير الطبيب حين لا تجد الفائدة عنده، أو ترى منه تصرفًا ينافي أخلاق المهنة، فالاستمرار مع طبيب سيّئ أكثر خطرًا من البقاء دون اللجوء إليه.

سيعود ويسألني عما يمكن أن يفعله هذا الطبيب؟… كلّ ما سيقوم به هو أن يستمع إلي ويعطيني بعض الأدوية… يمكن لصديقي أن يقوم بالجزء الأول والثاني لا أريده… إذًا ما الفرق بينه وبين صديقي الذي أجلس معه على المقهى كلّ يوم وأحكي له مشاكلي، ويحكي لي مشاكله؟.

هناك عدّةُ فوارق مهمة جدً ابين الصديق والطبيب النفسي:

الثاني لا يقلل من أهمية الأول، لكن في مرحلة ما لن يفيدك هذا الصديق، بل بالعكس ربما أساء إليك أكثر عن طيب خاطر منه:

1- الطبيب يستمع إليك فيرى ما وراء الكلمات والأحداث، بينما يرى الصديق الحدث مجردًا مما يمكن أن يكون خلفه من مشكلات نفسية متجذرة، فهذا الصديق غير مؤهل ليشخّص الأمراض النفسية ويعالجها.

2- علاقةُ المريض أو العميل بالطبيب علاقةٌ رسميةٌ لا تحدها الأهواء والمصالح، فهو يقوم بعمله فقط، صديقك يتفاعل معك عاطفيًا حتى لو كنتَ مخطئًا، ولن يوجهك نحو التصرف الصحيح بل سيتعامل مع الأمور بشكلٍ غير موضوعي، ولو حدث خلاف بينهما فإنَّ الصديق ربما يتبين أنَّه ليس صديقًا حقيقيًا، وترى أسرارك مفضوحةً على الملأ، والتي ربما تكون مخزيةً وهذا سيولد لديك أزمةً جديدةً.

الطبيب محلّف بالقسم ألّا يفشي أسرار أيّ مريض لأيِّ شخص حتى أهل هذا المريض لو لم يكن العلاج يتطلب أن يعرفوا بالأمر، ولو رأيت من طبيبك غير هذا وجب عليك أن تبلغ نقابة الأطباء أو ترفع دعوى عليه.

3- الاستمرار بمحادثة شخص والارتياح له سيولد تعلقًا به، وخصوصًا لو كان الصديق من الجنس الآخر، وهذا سيسبب مشاكل كبيرة أنت بغنى عنها، وتدخل في دوامة أبسطها التعلق والحب من طرف واحد، الصديق لا يجيد غالبًا هذا الفصل العاطفي، بينما الطبيب والمعالج النفسي مدرّب على هذه، ولو وجد من مريضه تعلقًا عرف كيف يتعامل معه بالشكل الصحيح ويوجهه.

4- كثرة الاعتماد على الصديق تضع على عاتقه حِملًا كبيرًا ومنهِكًا قد لا يكون قادرًا على تحمله وإعطاءه حقه، وتعطي للصداقة بينكما أكبر بكثير من معانيها وواجباتها، مما قد يؤدي به في لحظة ما إلى الانفجار في وجهك والتوقف عن مساعدتك لتضيف إلى قائمة مشكلاتك مشكلةً جديدةً.

لستَ بصدد الترويج للطبيب النفسي أو التقليل من أهمية الصديق، فأنا ممن يرى أنَّ الصداقة تأتي في المرحلة الثانية بعد العلاقة الأسرية، لكن لنعطي كلّ ذي حق حقه… صديقي مهما كان متفهمًا ومستمعًا جيدًا ربما ستأتي اللحظة التي لن يستطيع أن يفيدني بها، وتكون أفضل نصيحة يقدمها لي هي أن ألجأ إلى الطبيب النفسي.

2