هل انقضى عصر التوظيف التقليدي إلى غير رجعة؟

العمل الحر فريلانس مستقبل التوظيف
0

سوق العمل الحر يزخر اليوم بالكثير من النماذج العملاقة مثل: Uber و’Upwork‘، وغيرهما من الأمثلة الجذّابة التي تشجّع الشباب لغضّ البصر عن الطُرُق التقليدية التي اتّبعها آباؤهم لكسب المال، والمشي في طريق ريادة الأعمال بشكلها الجديد؛ إذ أنَّه لا يمكن لأيٍّ كان إنكارُ قوّة تيّار “العمل الحر” الذي بدأ بالفعل باقتلاع الكثير من الشباب – حول العالم – من مناصب عملهم ليرمي بهم في غمار حياة عمليّة جديدة، سواءٌ كان ذلك بمحض إرادتهم أو رُغمًا عنهم؛ بسبب قلّة المال الذي تدرّ به مناصب العمل المعتادة.

اقتصاد العروض الموسيقية

يُسمّى اقتصاد الأعمال الحرّة في الغرب بمصطلح معبِّر جدًّا: “Gig Economy”، حيثُ أنَّ كلمة “gig” هنا تشير إلى فرق العزف والغناء التي تؤدّي عروضها الموسيقية حسب الطّلب، ويتمّ تحديد الأجر وفق الاتفاق المُبرم بين صاحب الدّعوة والفرقة المعنيّة.

هذا الاقتصاد يخرج عن نطاق التوظيف والعمل براتب شهري ثابت، ويتبلور جوهره في دفع قيمة العمل المُنجز مهما كان حجمه والوقت المستغرق لإنجازه وفق ما يتّفق عليه الزّبون وصاحب العمل، مع انتهاء الارتباط بينهما بتنفيذ المهمّة المُوكلة، وضمان حريّة صاحب العمل في تسيير جدوله الزمني اليومي، وفي التعاقد مع عملاء آخرين في أيِّ وقتٍ شاء طالما يقوم بأداء مهمّته في الوقت المحدّد، والوفاء بطرف الاتفاق الخاص به.

طبعًا، أُسلوب العمل الحر ليس جديدًا أبدًا، فالعالمُ مليءٌ بالناس الذين تمرّدوا عن سلك التوظيف منذ عقود طويلة ليقدّموا خدماتهم الخاصّة من مكاتب مستقلّة… فما الجديد إذًا؟

الأمر المُستحدث هو توغّل الإنترنت في ممارسة الأعمال الحرة، فنحن حينما نتحدّث عن الـ “gig economy” نركّز بصفة أكبر على الذين أطلقوا منتجاتهم وقدّموا خدماتهم في غلاف رقمي يعتمد على الأجهزة الذكية، التطبيقات، المواقع الإلكترونية، وغيرها من الوسائل الحديثة التي لا غِنى لجيل الألفية عنها، حيثُ أنَّ استعمال الإنترنت والتكنولوجيا الرّقمية هو العامل الأساسي الذي خلق نوعًا من ‘عولمة’ الخدمات، وقام بإقصاء الحيّز الجغرافي والقُرب المكاني من لائحة شروط تقديم الخدمة ووصولها للمستهلك، وهذا ما أدّى إلى جعل “جودة الخدمة/ المنتج” معيارًا أساسيًا لتقييم العمل، ممّا سمح لبعض الأحرار بتحقيق ثروات طائلة من قبو منازلهم.

هل يجب الاتجاه إلى العمل الحرّ الآن؟

تقدّر الدّراسات أنَّ العمّال المستقلّين (freelancers) يشكّلون أكثر من ثلث اليد العاملة الأمريكية، وأنَّ نسبة نزوح الموظّفين من مؤسساتهم إلى ميدان العمل الحرّ ترتفع باستمرار. هذا الأمر يعطي فكرةً جيّدةً عن مستقبل العمل في العالم، حيثُ يُنتظر أنَّه في حدود سنة 2020: أكثر من نصف الشعب الأمريكي سيكون قد اتّجه نحو العمل الحرّ.

الأمر يبدو مثيرًا، أليس كذلك؟

في الحقيقة، الإثارة لا تقتصر على ضخامة الأرقام، ولا حتّى على سَير العالم نحو نظام اقتصادي واجتماعي مختلف عمّا سبق، ولكنّها تكمن في تجربة العمل الحرّ بحدّ ذاتها.

الإيجابيات

  • العمل الحرّ يخرجك من نظام العمل الاستعبادي الذي يحتكر معظم وقتك وسنين عمرك داخل مكتب صغير. هذه التجربة تضع بين يديك مفاتيح وقتك وحرّية تنظيم جدولك الزمني الأُسبوعي حسب ما يرضي مزاجك، ووفق ساعات العمل التي تساعدك، أي أنّك تصير “سيّد نفسك”.
  • العمل الحرّ طريقةٌ فعّالةٌ لتطبيق قاعدة “النجاح يأتي عندما تفعل ما تحبّ”؛ فغالبًا ما يتّجه الأشخاص نحو تطبيق الأفكار التي تحرّك شغفهم، وتشعل استعدادهم لبذل الجهد والوقت.
  • العمل الحرّ يخرجك من دائرة ضيّقة محدّدة بمهام ثابتة وروتين واضح ويدخلك إلى عالم المغامرة، حيث لا نتائج مضمونة ممّا سيحرّض عقلك على التفكير بطرق إبداعية؛ لإيجاد الحلول والخروج من المتاعب. إنَّ التجارب التي تخرجك من المساحة التي تكون فيها مرتاحًا ومحميًا وتدفعك لبذل مجهود إضافي، وانتهاج طُرُق جريئة وجديدة هو ما يبني قاعدة خبراتك، ويصقل ذاتك ويزيد من ثقتك بنفسك.

السلبيات

  • العمل الحرّ يجعلك السيّد المطلق لنفسك… ولهذا، قبل أن تبدأ عملك الحر عليك أن تكون واعيًا تمامًا بقدراتك ومَواطن ضعفك وقوّتك، فمثلًا إن كنت شخصًا عديم الإرادة ضعيف العزيمة فكيف سترغم نفسك على العمل يوميًا وضمان حدّ أدنى من الإنتاجية، والسير على وتيرة منتظمة لتطوير ذاتك ومنتجك؟ يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أنَّ الكثير من العمال المستقلّين يضيعون بسبب التسويف، وتفتُر قواهم مع الأيام التي تمضي دون عمل أيّ شيء بسبب الكسل وخمود العزيمة.
  • ضياع الشعور بالأمن المادّي مع غياب الراتب الشهري المضمون، وغياب عدد من التأمينات المرتبطة بالتوظيف.
  • ارتباط الدّخل المادي بالإنتاجية وبقدرتك على بيع منتوجك وتسويقه… تخيّل وضعك المادّي في حالة مرورك بشهر سيّئ!

هناك إيجابيات وسلبيات أُخرى طبعًا، لكنّنا اكتفينا بذكر الأهم.

ويبقى قرار الخوض في غمار العمل الحرّ لك وحدك، إلّا أنّنا نعتقد أنَّه إن لم تكن لديك فكرة تسكن خيالك، وإن لم تكن قد طوّرت مهاراتك بالشكل الذي يجعل منها تنافسيةً عالميًا، فمن الأفضل أن تكون بداياتك أكثر تقليديةً، وأن تجعل العمل الحر إضافيًا، تخصص له وقت فراغك من العمل وعطلة نهاية الأُسبوع.

سيهمك قراءة: 20 موقع لتبدأ بعملك الحر

0

شاركنا رأيك حول "هل انقضى عصر التوظيف التقليدي إلى غير رجعة؟"