حتى لا يشعر طفلك بأنَّه “سطل زبالة”… توقف عن Phubbing الآن!

ما هو الفوبنق
2

انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلٌ صوتيٌ من طفل لأمه يعبر فيه عن استيائه وألمه من تجاهلها وانشغالها عنه بهاتفها وعالمها الافتراضي، أمَّا هو فلا تسمعه مهما أرسل إليها من رسائل.

ومن بين كلماته: “كأنَّي أنا مش ابنك، كأنَّي أنا سطل زبالة، يعني أنا سطل زبالة؟ ما بالقليلة اتركي هالتليفون شوية يعني ردي عليا”.

وجد البعض طرافةً في كلمات الصبي وطريقته، ولكنها في الحقيقة تحمل إحباطًا، وشعورًا بالاحتقار، من تعرضه للتجاهل من قبل أمه في العالم الحقيقي، وحتى عندما حاول التواصل معها عبر وسائل التواصل تجاهلته أيضًا.

ظاهرة Phubbing

هذا الطفل ليس استثناءً، ربما استطاع أن يعبر عن معاناته جيدًا، ولكنّه يمثّل ظاهرةً متناميةً حول العالم، وهي الـ “Phubbing” – “فوبنج”، وهو مصطلحٌ جديدٌ صاغه قاموس ماكوراي عام 2012، ولم يتم نحت مصطلح عربي له رغم شيوع الظاهرة في العالم العربي أيضًا، مما يضطرني إلى استخدام الكلمة الإنجليزية.

تتألف كلمة Phubbing من كلمتي phone/ هاتف، وsnubbing/ وتعني التجاهل أو الاحتقار، وذلك لوصف السلوك المتصاعد عالميًا لمن يتجاهلون الأشخاص الذين يحدثونهم ويجلسون معهم لانشغالهم بهواتفهم المحمولة وتعلقهم بها، وتشير الدراسات إلى أنَّه على الرغم من التأثير السلبي لهذه الظاهرة على العلاقات، إلَّا أنَّها تزداد قبولًا كسلوك معتاد.

ترتبط ظاهرة Phubbing بالتعلق بالهاتف، والذي قد يصل إلى حد الإدمان، ويصفه البعض بـ”الكوكايين الرقمي”.

وتأتي الرغبة في تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار في مقدمة أسباب التعلق الزائد بالهاتف، ووفقًا لبحث أجرته جامعة شيكاغو، فإنّ هذه الرغبة الملحة أصبحت أقوى من الرغبة في ممارسة الجنس.

وأوضح  شون باركر، أول رئيس تنفيذي لـ “فيس بوك”، في حوار له مع موقع “Axios” بأنَّ الموقع مصمم لاستغلال الضعف البشري، وحاجة الإنسان للتواصل، ليستهلك أكبر قدر ممكن من وقت المستخدم وتركيزه، حيثُ يقوم بتحفيز هرمون الدوبامين (ويسميه البعض هرمون المكافأة) الذي يحصل عليه الإنسان عادةً بعد التمرين الرياضي أو إنجاز مهمة، أو محادثة دافئة مع شخص يهمه، ويستمر تأثيره طوال اليوم، ولكن مع الفيسبوك فإنّ دفعات الدوبامين تأتي من الإعجابات والتعليقات، ومع كلِّ دفعة تحصل عليها فإنّك تمسك بهاتفك لتلقي أُخرى.

مظاهر الفوبنج

طبقًا لدراسة أمريكية بريطانية، فإنَّ مستخدمي الهواتف الذكية يتحققون منها – في المتوسط – كلّ أربع إلى ست دقائق، أي بمعدل 150 مرة يوميًا، مما يؤثّر على التواصل مع الآخرين، وهذه أبرز مظاهر الفوبنج الشائعة:

  • ـ التحقق من الهاتف أثناء تناول الطعام مع الغير.
  • ـ وضع الهاتف بينك وبين من تحدثه.
  • ـ الإمساك بالهاتف أو الاحتفاظ به في متناول اليد أثناء وجودك مع آخر.
  • ـ الرد على مكالمة أو رسالة في منتصف المحادثة.
  • ـ نظرة سريعة على الهاتف عندما تكون في منتصف المحادثة.
  • ـ التحقق من الهاتف خلال فترات الهدوء في المحادثة.

كيف يقطعنا الـ Phubbing عن محيطنا الاجتماعي؟

توصلت مجموعة من الدراسات إلى أنَّه مجرد وجود الهاتف أثناء محادثتك لشخص ما حتى، وإن كنت غير ممسك به، كأن يكون على الطاولة أمامكما، يشوش إحساسكما بالتواصل، ويضعف مشاعر القرب، ويقلل جودة الحوار.

أمَّا إذا كنا نحدق في الهواتف بالفعل فإنّنا لا ننظر للآخرين، ولا نقرأ تعبيرات وجوههم، ولا نلحظ الفروق الدقيقة في نبرة صوتهم، ولا لغة الجسد.

إنَّ بقاء الهاتف معك أو بقربك وهو في الوضع النشط يجعلك مشتت التركيز، ويضعف تواصلك مع المحيطين، ويوضح نيكولاس كار – مؤلف كتاب The Shallows وغيره من الكتب حول التكنولوجيا – إنَّ مجرد اهتزاز الهاتف ينتج عنه صعوبة في التركيز على مشكلة صعبة أو مهمة.

ويفسر الخبير التقني ذلك بقوله: “تعمل الهواتف الذكية على تذكيرنا دائمًا بجميع الأصدقاء الذين يمكننا الدردشة معهم إلكترونيا، فهم يسحبون عقولنا عندما نتحدث مع الأشخاص في البيئة الاجتماعية الحقيقية، مما يجعلها أكثر سطحيةً، وأقل إشباعا”.

عهد جديد من الأبوة المشتتة

يضر الفوبنج بالعلاقات عمومًا، ويُشعر من يقع عليهم التجاهل بالعزلة وقلة الأهمية، وقد كشفت الدراسات عن تأثيره المتزايد على إنهاء العلاقات الزواجية، ولكن ماذا عن تأثيره على الأطفال؟

الحرمان هو أكثر ما يعانيه الأطفال المتجاهَلون بسبب تعلق آبائهم بالهواتف، فهم يفتقدون إشباع احتياجاتهم النفسية الأساسية من التقدير والانتماء، سواءً في مرحلة الرضاعة، أو الطفولة المبكرة، أو المتأخرة.

التأثير النفسي والاجتماعي

أوضحت دراسة مدعومة من وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية نشرت عام 2017، حول تأثير استخدام الأمهات للمحمول على الأداء العاطفي والاجتماعي للرضع، أنَّ الأطفال من عمر 7 أشهر إلى عامين والذين استخدمت أمهاتهم الأجهزة المحمولة أكثر من المعتاد أظهروا مزيدًا من السلبية، ومستوى أقل في المشاركة الاجتماعية، والاستكشاف، والتعافي العاطفي، وخلص الباحثون إلى أنَّه كغيره من أشكال انسحاب الأمهات وعدم الاستجابة، يمكن للأجهزة المحمولة أن تؤثّر سلبيًا على الأداء العاطفي الاجتماعي للأطفال.

وأظهرت دراسة دولية كبيرة شملت ستة آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين ثمانية وثلاثة عشر عامًا، أنَّ 32٪ من الأطفال يشعرون “بعدم الأهمية” عندما يستخدم آباؤهم هواتفهم المحمولة أثناء تناول وجبات الطعام أو المحادثات أو غير ذلك من الأوقات العائلية.

وقال الأطفال إنَّهم يتنافسون مع التكنولوجيا لجذب اهتمام آبائهم، واعتبر أكثر من نصف المشاركين في الدراسة أنَّ والديهم يقضون وقتًا طويلًا على هواتفهم.

الإصابات والمخاطر

يؤدي استخدام هذه الأجهزة إلى إلهاءات الأبوة والأمومة مما يعرّض الأطفال للكثير من السلوكيات الخطيرة، وقد ارتفعت حوادث إصابات الأطفال دون الخامسة في الولايات المتحدة بنسبة 10% بين عامي 2007 و2012 بعد انخفاضها خلال جزء كبير من العقد السابق، بالتزامن مع إصدار آبل لأول هاتف iPhone في عام 2007.

يتعرّض الأطفال أيضًا للعنف بسبب انغماس الآباء والأمهات ومقدمي الرعاية في هواتفهم، مما يجعلهم أكثر توبيخًا وغلظةً، وقد يصل الأمر للضرب ودفع الأطفال بعيدًا إذا حاولوا رفع وجوههم عن الشاشات.

تأثير الـ phubbing على الأمهات

تواجه الأم وخاصةً ربة البيت تحديًا كبيرًا في إدارة الوقت، تتشابه الأيام، ولا تكاد تشعر بإنجاز ملحوظ، إلَّا أنَّ وجودها مع الصغار والقيام على شؤونهم وشؤون البيت يحتوي على الكثير من الإنجازات، ولكنها في الغالب لا تشعر بها، فهي خفية في البيت، منقطعة إلى حد كبير عن الأنشطة الاجتماعية، ويصعب عليها المضي في أيِّ مهمة تحتاج إلى تركيز. لذا، فإنَّ الهاتف يأتي هنا كمنقذ كاذب، وكأنَّه يفتح لها المجال للتعلّم والاطلاع، وللبقاء على اتصال مع أشخاص كثيرين، ومواكبة الأحداث، والكثير من الترفيه، وربما فرص العمل، ولكن الحقيقة أنَّ التصاق الهاتف بيدها دون تخطيط يزيدها عبئًا، ويقلل ساعات نومها أكثر، ويضاعف شعورها بالضيق وقلة الحيلة وعدم السيطرة.

اقرأ أيضاً:

الإحباط والشعور بالذنب

الأم المفرطة في التعلق بالهاتف تكون في العادة مشتتة التركيز، فهي باستمرار محبطة من ضغط الأبناء، ولا تتمكن من إكمال مهمة، أو حتى الحصول على الترفيه من خلال الهاتف لأنين الأطفال ومطالبهم واستقطاعاتهم المختلفة، وفي الوقت ذاته يزيد شعورها بالذنب لتجاهلها الأطفال، وربما عنفها اللفظي أو البدني معهم نتيجة لرغبتها في التركيز على الهاتف، فلا هي تحصل على وقت لنفسها، ولا تمنح الأبناء ما تريده لهم، وقد تدفعها هذه الحالة للاكتئاب.

تجاهل النفس!

أول من يقع عليه الفوبنج هو الشخص ذاته، وبحسب عالمة النفس جين إم توين، فإنَّ الناسَ في عصر الهاتف الذكي أصبحوا أقل نومًا، وأقل ممارسةً للجنس، وتلبية لاحتياجاتهم الشخصية.

وتؤكّد توين في حديثها لصحيفة الإندبدنت على أنَّ التفاعلات عبر الشاشات وإن كانت سهلةً، لكنّها لا تلبي حاجتنا للاتصال مثل التفاعلات الشخصية التي ترتبط بصحة نفسية أفضل.

سيطرة الهاتف تسرق من ساعات نوم الأم – الضئيلة بالفعل – وتقطعها عن التواصل الفعلي، وتقلل حركتها.

تنشئة Phubber!

طفلك الذي تتجاهله اليوم وأنت محدق في هاتفك، سيتجاهلك غدًا للسبب نفسه.

أولًا: لأنَّ الأبناء يقتدون بآبائهم، فإذا كان المربي متعلقًا بهاتفه، سينشأ الصغار على أنَّ هذه الهواتف تستحق الأولوية في الانتباه.

ثانيًا: لأنَّ هؤلاء الآباء – في الغالب – سيعودون صغارهم على الانشغال بالهاتف، حتى يتخلصوا من ضغطهم وملاحقتهم.

ثالثًا: لأنَّ تجاهل شخص ما بسبب الهاتف تجعله يتحول هو أيضًا إلى هاتفه لتشتيت المشاعر المؤلمة لإهماله اجتماعيًا، وقد كشف التصوير الدماغي أنَّ المخ يتعامل مع الاستبعاد الاجتماعي كألم جسدي حقيقي. لذا، فإنَّ الأشخاص المهملين يكونون أكثر عرضةً للتعلق بهواتفهم بطرق غير صحية، وأكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب.

كيف تتوقف عن الـ Phubbing؟

1ـ إدارة الوقت.

من حق الأم أن تمسك بهاتفها، وتتصفّح وسائل التواصل، وتحظى بالفرصة كاملةً للتعلّم والترفيه، ولكن حتى تحقق هذا بدون أن تتأثّر حاجاتها الشخصية، وحاجات أطفالها، عليها أن تدير الوقت بكفاءة.

2ـ احصلي على وقتك الخاص، وامنحي الأطفال وقتًا مميزًا.

إلى جانب الوقت العام الذي تقضيه بصحبة أطفالك، فإنَّ إعطاءَهم وقتًا خاصًا لممارسة نشاط يقربكم له تأثير كبير على شعورهم بالأهمية والإشباع، كالمشاركة في لعبة، أو سرد قصة، وغيرها.

تحتاجين كي تؤدي هذا إلى الحصول على وقتك الخاص. هذا حقك، وعلى زوجك، وأسرتك أن يقدموا لك الدعم.

3ـ السيطرة على الرغبة في تصفّح وسائل التواصل.

إنَّه أمرٌ صعب ولكن ضروري، قد يساعد إزالة التطبيقات الخاصة بها من على الهاتف، واستخدامها في أوقات محددة من على الجهاز المكتبي، أو إيقاف تنشيط الحساب بين الحين والآخر.

إجراءات بسيطة لحصار الـ Phubbing في حياتك

لا تحتاج إلى أن تبقى 16 ساعة على الهاتف لتستفيد منه، يقدّم موقع الجمعية الأمريكية لعلم النفس نصائح للوالدين:

  • ـ استيقظ قبل أطفالك بنصف ساعة، تحقق فيها من البريد الإلكتروني، وقم بالمهام العاجلة على الإنترنت.
  • ـ اجعل أوقات الوجبات، والقيادة، والدخول للنوم خالية من التكنولوجيا، مما يسمح للأسرة بالاتصال والحوار حول يومهم أو الجلوس بهدوء وإعمال التفكير والخيال، والذي هو أمر ضروري لنمو الأطفال.
  • ـ ضع هاتفك بعيدًا.
  • ـ افصل هاتفك يوم العطلة الأسبوعية تمامًا.
  • ـ احصل على هاتف “غبي” يسمح لك بالاتصال والرسائل النصية فقط.
  • ـ أوقف الإشعارات.
  • ـ لا تأخذ هاتفك إلى السرير. اشحنه خارج غرفة النوم، ولا تتحجج بالمنبه، اشتري ساعة منبه!
  • ـ ضع الشواحن في الأماكن المفتوحة بالمنزل
  • ـ اجعل الهاتف في وضع عدم الإزعاج، ويمكن استثناء جهات الاتصال المهمة، مثل شريك الحياة، ومدرسة الطفل.
  • ـ حمل تطبيقًا لمراقبة الوقت.
2

شاركنا رأيك حول "حتى لا يشعر طفلك بأنَّه “سطل زبالة”… توقف عن Phubbing الآن!"