شياطين ماكسويل والقانون الثاني في الترموديناميك

شيطان ماكسويل
3

لا تقتصر التجارب في الفيزياء على تجارب مخبرية تتماشى مع ما نعلم، فللعلم مفارقاته أيضًا التي تتحدى المنطق السليم، إضافةً إلى تجارب فكرية قائمة على افتراضات من قبيل سيناريوهات “ماذا لو” المضحكة التي تلقي الضوء على وجه آخر لمكون غامض من مكونات العلم مثل: “قطة شردينغر، أو ما شابه ذلك”.

جميعنا نسمع بالقانون الثاني في الترموديناميك والذي نصه: “الأنتروبي الكلية لنظامٍ معزول يمكنها أن تزداد مع مرور الوقت أو أن تظل ثابتة في الحالات المثالية عندما يكون النظام في حالة ثابتة أو يمر بعملية انعكاسية”، لكنّ شياطين ماكسويل التي تراقب الأمر من زاويتها تقول بخلاف ذلك، وقد نفهم الأمر على نحوٍ أفضل إن كنّا مكانها.

لكن لا بدَّ من مقابل لذلك…

بالحديث عن شياطين ماكسويل، سنذكر بدايةً بهذه المفارقة العلمية، (وستعلم لاحقًا أنّ تسميتها مفارقة جاءت من مخالفتها للقانون الثاني في الترموديناميك): أول من قدّم هذه التجربة الذهنية هو الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كليرك ماكسويل في كتابه Theory of Heat الصادر عام 1871 فيما سُمي (أكثر مقاطع الفيزياء اقتباسًا)، وفيها بدأ ماكسويل وضع القانون الثاني في الترموديناميك، والعناصر الوثيقة الصلة بالموضوع هنا هي إن كان لديك توزعٌ متساوٍ لدرجة الحرارة والضغط في نظام مغلق، لا يمكنك أن تجعل هذا التوزع غير متساوٍ بشكلٍ قسري دون بذل جهد – أي تقديم طاقة.

شياطين ماكسويل

يريدك ماكسويل أن تتخيل وجود كائنٍ ذكي صغير (شياطينه مثلًا) رغم أنَّ هذا الاسم يُطلق على تجربةٍ فكرية. يمكن لهذا الشيطان أن يراقب جزيئات منفردة ليخبرنا أيٌ منها حار (ذو حركة سريعة) وأيّ منها بارد (ذو حركة بطيئة)، بالطبع هو لم يقل: “تخيل أنّ السحر أمرٌ حقيقي”؛ فما أسماه شيطانًا لا يتعدى كونه مجازًا استخدمه للتعبير عن نوع التكنولوجيا المتقدمة التي يمكن أن نتوصل إليها يومًا ما.

استخدم ماكسويل في هذه التجربة الفكرية حجرةً ممتلئةً بالغاز، لكنّه افترض على أرض الواقع أنّها حوض سباحة ممتلئ بالماء ويُقسم في المنتصف بجدار صلب، وللماء على كلا الجانبين درجة الحرارة نفسها، ما يعني أنّ سرعة المزج هي نفسها على الجانبين للجزيئات السريعة والبطيئة، لكن الماء لا يمكنه المرور سوى عبر فتحةٍ صغيرة لها حجم جزيء.

يجلس شيطان ماكسويل مرتديًا لباس السباحة والغطس بجانب الفتحة، ولا شكّ أنّه على أهبة الاستعداد لمراقبة الجزيئات المتحركة السريعة منها والبطيئة. حين يقع نظره على جزيء حار وسريع يرسله إلى الجانب B، وحين يمسك جزيئًا باردًا وبطيئًا يرسله إلى الجانب A. على هذا النحو، ودون بذل أي عمل – كما يستخلص ماكسويل – سترتفع درجة حرارة الجانب B وتنخفض درجة حرارة الجانب A، فيما يعارض القانون الثاني في الترموديناميك.

استخدم ماكسويل هذه التجربة الفكرية للإشارة إلى أنّ بعض قوانين الكون يمكن أن توجد فقط بسبب محدوديتنا العلمية، فعلماء اليوم لا يملكون التقنية التي تحدد الجزيئات المنفردة وتتحكم بها، ولكن لو أنَّهم فعلوا، لأمكنهم انتهاك القانون الثاني في الترموديناميك. سيغير ذلك بالكامل مفهومنا عن الطاقة، وذلك يعني في المقام الأول أنَّك إن تمكنت من استغلال الطاقة الحرارية دون صرف أية طاقة حصولك على طاقةٍ حرة. نحن لسنا بحاجة الاعتماد على النفط أو الألواح الشمسية أو الطاقة النووية، ويمكن لتكنولوجيا بدائية كالمحركات البخارية أن تعمل للأبد دون الحاجة إلى الوقود. لقد انقضى أكثر من قرن من التقدم التكنولوجي منذ تجربة ماكسويل الفكرية، لكن أين هي آلاتنا دائمة الحركة؟

الشيطان والتفاصيل

ربما خمنت، وسنخبرك أنّ تخمينك في محله، هناك مشاكل تحيط بشياطين ماكسويل، وأكبر اعتراض عليها هو: “إن كانت الشياطين أجهزةً حقيقيةً، وليست بعض الكائنات السحرية، ستستخدم الطاقة للكشف عن الجزيئات المنفردة ولصنع الفتحة بين الحجرتين، وبشكل أكثر تحديدًا، ستستخدم الشياطين فعليًا طاقةً للتعرف على الجزيئات وتحريكها أكثر مما سنحصل عليه في الناتج النهائي”.

بالطبع ما كان يمكن لهذه التجربة الفكرية أن تستمر بالتصاعد والإثارة عبر الدوريات العلمية إن كان تفنيدها ممكنًا ببساطة. لقد تابع العلماء الجدل بالتفاصيل الجوهرية لشياطين ماكسويل وقد أحرزوا بعد التقدم، وخاصةً في مجال ميكانيكا الكم، وقد نبلغ يومًا ما ذكاء مخلوقات ماكسويل الصغيرة، وحينها لن تكون مضطرًا لشحن هاتفك ثانيةً.

وبانتظار ذلك، ما زالت شياطين ماكسويل حرّةً طليقةً.

3

شاركنا رأيك حول "شياطين ماكسويل والقانون الثاني في الترموديناميك"