عن صناعة الإبداع: أنت مخطئ… لا علاقة لأصولهم بنجاحهم على الإطلاق!

نجاح المهاجرين
1

البداية من كأس العالم الأخيرة التي فاز بها المنتخب الفرنسي بفريق يحوي عددًا كبيرًا من اللاعبين من أصول إفريقية، ورغم ذلك لا يمكننا أن نقول أنَّ فرنسا فازت بكأس العالم عن طريق التجنيس؛ لأنَّ فرنسا ببساطة لم تُجنِّس لاعبين محترفين جاهزين بل هي التي صنعت هؤلاء اللاعبين، فأغلبهم قد ولد وعاش في فرنسا وتدرّب فيها، هؤلاء اللاعبون هاجروا وهم صغار أو هاجر آباؤهم إلى فرنسا بحثًا عن حياة أفضل، وهناك وجدوا بيئةً حاضنةً للمواهب وتدربوا في المدارس الرياضية الفرنسية، وانتسبوا لنُخبة الفرق الفرنسية والأوربية، وفي النهاية فازوا بالكأس الأغلى تحت ألوان العلم الفرنسي.

المثال الشهير الذي نعرفه جميعًا هو اللاعب الفرنسي من أصول جزائرية زين الدين زيدان أحد أفضل لاعبي كرة القدم في التاريخ (يقول البعض أنَّه أفضلهم على الإطلاق)، والذي ولد لأبوين (إسماعيل ومليكة) هاجرا من منطقة القبائل في الجزائر إلى أحد ضواحي مرسيليا، وهناك كانت بداية قصة زيدان التي يعرف الجميع نهايته.

مثال شهير آخر نجده في جامايكا البلد الفقير ضعيف الإمكانيات، ومع ذلك فقد هيمن رياضيوه على الساحة العالمية في ألعاب القوى بعد أن بدأت جامايكا نظامًا تدريبيًا طويل الأمد لرياضييها في الولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا ظهر أسافا باول وشيلي فريزر وفرونيكا براون، وأخيرًا أوسين بولت الذي حقَّق معجزةً بكلِّ ما للكلمة من معنى في سباق الـ 100 متر عندما قطعها خلال 9.58 ثانية متفوقًا على أبطال أمريكا أنفسهم.

السؤال المطروح هنا: هل كان زيدان وأوسين بولت سيصلان إلى قمة الإبداع الرياضي لو عاشا في الدول الإفريقية، أو الدول النامية التي لا تتوفّر فيها الإمكانيات الهائلة الموجودة في أوربا وأمريكا ؟؟؟ الجواب بالطبع لا.

أردت أن أبدأ من الشق الرياضي لاعتبار هام: الرياضة إلى حدٍّ ما تعتمد على القوة البدنية والموهبة الفطرية، ومع ذلك فبدون التدريب والرعاية والاهتمام لا يمكن للموهبة بمفردها أن تُحقِّق شيئًا… إذا كان هذا حال الرياضة فما بالكم بالإنجازات الفكرية والعلمية!!!

بالانتقال للإبداع الفكري تُطالعنا في البداية مقولة العالم المصري الكبير أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء 1999: “الغرب ليسوا عباقرةً ونحن لسنا أغبياء، ولكنَّهم يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل!!!” بمعنى آخر فالإنجازات العلمية والنجاح والفشل مرتبط بالظروف المحيطة، والدعم بمختلف أشكاله أكثر من ارتباطه بالذكاء والملكات الفكرية، وهذا ما حصل بالفعل مع الدكتور أحمد زويل نفسه، والذي استطاع – خلال عمله في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وهو المكان الذي تتوفَّر فيه إمكانيات هائلة جدًا، وفريق عمل على درجة عالية من الكفاءة وأجهزة بالغة الدقة والتطوّر – استطاع أن يخترع مجهره الشهير القادر على تصوير حركة الذرات وتفاعلها مع بعضها بزمن يُقدَّر بالفيمتو ثانية.

في مكان آخر (افتح في تبويب جديد): عذرًا د. زويل، لا يجب علينا أن ندعم الفاشل حتى ينجح.

مرَّةً أُخرى نعود لنسأل: هل كان الدكتور المُبدع أحمد زويل ليفعل ما فعله لو بقي في مصر؟ ويُطرح السؤال عينه أيضًا عن البروفيسور المصري مجدي يعقوب أحد أبرز جراحي القلب في العالم منذ نصف قرن.

ستيف جوبز مالئ الدنيا وشاغل الناس عبقري التكنولوجيا ومؤسس شركة آبل، والتي حقَّقت ضجةً كبيرةً عندما تجاوزت قيمتها قبل أشهر تريليون دولار لتكون بذلك أول شركة تتجاوز هذه القيمة في التاريخ البشري… تقريبًا الجميع يعلم هذا عن ستيف جوبز، والبعض يعلم أيضًا أنَّه ابن عبد الفتاح الجندلي، وهو مهاجر سوري من مدينة حمص، ولكنَّ ستيف عاش كطفل بالتبني عند عائلة آل جوبز ودرس في أرقى المدارس والجامعات الأمريكية، وهذا ما أهَّله لاحقًا لقيادة ثورة الكمبيوتر والهواتف الذكية في أمريكا والعالم.

لو أردنا استعراض العلماء والأدباء والمبدعين والسياسيين ورجال الأعمال الذين هاجروا من دول العالم الثالث إلى أمريكا تحديدًا، أو ولدوا لآباء مهاجرين إليها فالقائمة ستكون طويلةً جدًا، ولن يكون أولها العبقري الكرواتي نيكولا تسلا، ولكن يكون آخرها رئيس أمريكا الرابع والأربعين باراك أوباما سليل قبيلة اللوو الكينيَّة.

لو تتبعنا أهم الإنجازات والاختراعات العلمية عبر التاريخ سنصل للنتيجة نفسها، كان التفوق العلمي يظهر في الحضارات المتقدمة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا وفق خط السير التاريخي الذي نعرفه جميعًا: مصر وسومر، اليونان، روما وفارس، الحضارة العربية الإسلامية، أوربا… خلال هذا الاستعراض التاريخي سنلاحظ أنَّ العلماء والفلاسفة والمخترعين كانوا تقريبًا يظهرون ضمن إطار تاريخي وجغرافي وحضاري واحد، فمثلًا في الفترة التي ظهرت فيها المدرسة الفلسفية الإغريقية، وقادت الفكر العالمي من خلال (سقراط، أفلاطون، أرسطو) لم يظهر تقريبًا أيّ فيلسوف أو عالم عربي مكافئ أو حتى قريب منهم، وخلال الثورة العلمية التي اشتعلت اشتعالًا في أوربا، وقلبت العالم رأسًا على عقب لم تظهر أيّ إنجازات علمية وفكرية هامة في الشرق الأوسط وآسيا، ونفس الكلام يُقال عن الفترة الذهبية للحضارة العربية الإسلامية، والتي كانت في أوربا بشكلٍ مناقض تمامًا هي العصور المظلمة Dark Age!!!

إذًا ما هي الخلاصة التي قد نستطيع تكوينها من كلِّ ما سبق؟؟؟

الإبداع بكلِّ أنواعه: الرياضي الفكري الأدبي العلمي التكنولوجي… يحتاج إلى دعم وبيئة محيطة تتوفّر فيها الإمكانيات التي ترعى هذا الإبداع وتنمِّيه… إن جاز التعبير فالإبداع صناعة أكثر من كونه موهبةً وفطرةً.

مايهمنا كدول وشعوب عربية من كلِّ هذا أنَّنا إذا أردنا أن نحاول اللحاق بالقطار الذي فاتنا منذ زمن بعيد، وأن نجاري – ولو جزئيًا – التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، فعلينا أن نصنع الإبداع والنجاح، علينا أن نُعوِّل على المؤسسات لا على الأشخاص، علينا أن نبني ونطور الجامعات ومراكز الأبحاث، وفي النهاية هذه المؤسسات والجامعات ومراكز الأبحاث هي التي ستصنع لنا – ولو بعد حين – المبدعين الذين سيقودون الأمة نحو التقدم!!!

1

شاركنا رأيك حول "عن صناعة الإبداع: أنت مخطئ… لا علاقة لأصولهم بنجاحهم على الإطلاق!"

أضف تعليقًا