عن سموم درب التبانة

سموم درب التبانة
0

نستلقي تحت القبة السماوية في ليلةٍ غاب فيها القمر، فتملؤنا لآلئ درب التبانة بالذهول والحيرة والإعجاب طبعًا، جمالٌ فتن البشرية منذ الأزل. صحيحٌ أنّ التقدم العلمي حقّق الكثير في علم الفلك، ويعد بالمزيد والمزيد، لكنّ ذلك لا يعني أبدًا أنّنا سنصل إلى يومٍ يغدو فيه هذا المشهد اعتياديًا لا يثير العجب.

جمال هذا المشهد السريالي يخفي الكثير، وربّما يخفي ما لا نتوقع من جمالٍ كهذا، إنّه يعجّ بالسموم المختلفة، فالفضاء: مكانٌ مظلم بارد، وفي معظم أرجاء المجرة، إنّه لزجٌ جدًا، ولا يَعد ملمسه بالروعة المتوقعة.

تدور مجرتنا درب التبانة وسط غبارٍ وسخامٍ وأشعةٍ كهرومغناطيسية تتخلل النجوم المؤلفة لدرب التبانة، إضافةً إلى ذلك، تعج مجرتنا بشحومٍ سامة. هذه ” الشحوم السامة” والتي هي عبارةٌ عن شكلٍ دهني لمواد تؤلفها روابط بين الكربون والهيدروجين تُسمّى بالكربون الأليفاتي، هي أحد أنماط الكربون الذي انتشر في الفضاء بواسطة الانفجارات النجمية، وقد يكون من بين المكونات الأساسية لتشكّل النجوم والكواكب الجديدة، على حد قول علماء الفلك.

لكن، وبصورةٍ أدق، ما هي كمية هذه الشحوم السامة التي تشوب مجرتنا درب التبانة؟ بالطبع لا يملك العلماء إجابةً دقيقة، لكنّ ورقةً بحثيةً جديدة نُشرت في دورية Notices of the Royal Astronomical Society الشهرية اقترحت إجابة: إنها كميةٌ كافيةٌ لتفسد الحواجب الأمامية لمركبةٍ فضائية.

وقد أشارت دراسةٌ جديدة إلى أنّ كمية هذه المواد في مجرتنا درب التبانة تبلغ خمسة أضعاف ما كان متوقعًا سابقًا. وعبر تخليق وسطٍ من الشحوم الفضائية في المختبر ومقارنته بالمشاهدات السابقة للمجرة، وجد العلماء أن هذه الكمية تقدر تقريبًا ب 11 مليار تريليون تريليون طن (11 إلى جانبه 33 صفرًا) من جزيئات الكروبون الدهني في مجرتنا، ما يعادل 40 تريليون تريليون تريليون شحنة من الزيدة.

يقول مؤلف الدراسة توم شميدت:” هذا الدهن الفضائي ليس من ذلك النوع الذي تحب أن تضعه على قطعة التوست، إنّه سمٌّ زعاف، وهو يتشكل فقط في البيئة بين النجمية ومختبرنا، وربما كانت الرياح الشمسية هي التي تحمي مجموعتنا الشمسية من أن تصبح مغلفةً بعلكةٍ من هذه الشحوم”.

في المختبر، ألقى العلماء نظرةً عن كثب على هذا الشحم الفضائي بتخليقه مخبريًا. ولمحاكاة الطريقة التي تركب فيها النجوم الغازات وتلفظها إلى الوسط بين النجمي، مدّد العلماء بلازما غنية بالكربون، أو غازٍ متأين، في حجرةٍ مفرغة من الهواء. ومن هذه البلازما، كانت أحد النواتج الجانبية هي غبارٌ يشبه نوعًا ما الغبار بين النجمي حيث ينتشر الشحم الفضائي.

وباستخدام مقياس الطيف، حدد العلماء مقدرة الغبار الشحمي على امتصاص أطوالٍ موجيةٍ من الضوء تحت الأحمر، ما يحدّ من استطاعة المعدات على متابعة العمل بوجودها. وبهذه البيانات، تمكن الفريق من النظر إلى عمليات الرصد السابقة للنجوم المجاورة لمعرفة مقدار الكربون الشحمي الموجود على امتداد خط النظر بيننا وبين مختلف النجوم. وقد وجد العلماء أنّ هناك 100 ذرة من الشحم الفضائي مقابل كل مليون ذرة هيدروجين، وهو يمثل ما بين ربع ونصف الكربون بين النجمي في المجرة.

إن معرفة العلماء بهذا الشحم الفضاء قد ساعدتهم على فهمٍ أعمق لمجرتنا، حيث يُعدّ الكربون أحد اللبنات الأساسية للحياة، لذا فإن معرفة مقدار الكربون الموجود في أشكالٍ أخرى في الوسط بين النجمي قد يقدم دليلًا للعلماء حول إمكانية تشكيل أنظمةٍ شمسيةٍ أخرى تدعم وجود كواكب مضيفة للحياة، وربما كانت قد تشكّلت وافترستها تلك الشحوم وكأنها لم توجد!

اقرأ أيضًا:

كل شيء عن نظرية الانفجار العظيم وكيف بدأ الكون – ملف شامل

إرسال صوت ستيفن هوكنغ في الفضاء باتّجاه ثقب أسود تكريمًا لجهوده

0

شاركنا رأيك حول "عن سموم درب التبانة"