أزمة التغيّر المناخي: كيف حولتها القنوات التلفزيونية إلى عراك سياسي!

كذبة التغيير المناخي
0

حتى تفهم الكثير من أمور العلم والدين والأخبار وغيرها مما يُعرض ويمر أمام ناظريك بشكل شبه يومي على مختلف الشاشات، يجب أن تعي أيضًا الكثير من أمور السياسة ودهاليزها وكيفيّة عملها. فالذي قال بأنّ السياسة إن تركتها أنت فهي لن تتركك لم يكن مخطئًا.

لا سيما أن تأثيرها كبير على مختلف نواحي الحياة، خصوصًا تلك التي تمسّك بشكل مُباشر أيضًا.

تقسم التوجّهات السياسية إلى مساريين مُتحاربين بينهما وسط قليل الحظ في معظم الأوقات. الأول ما يعرف بمسار اليمين الذي يغلب على طبعهِ المحافظة. والثاني هو اليسار الثائر الذي تكون سمته الرئيسة الرفض وعدم القبول.

لن نناقش هنا مَباحث التاريخ، وزمنيّة الثورة الفرنسية وكيف انقسم الطرفان وجلس كل منهما في جهة. بل سننتقل مُباشرة إلى وقتنا الحالي دون الحاجة الى إعادة بعث سنن الأولين التي قد مضت وعفا عليها الزمن.

تتلخص توجهات اليمين السياسي بالمحافظة بشكل عام، محافظة على العادات والتقاليد، على أسس المجتمع، المحافظة على الدين، التبعية للملك والحُكم، ودائمًا ما يرون في الأيام الماضية قدوة أفضل مما هو قادم.

أما اليسار فتلخصه الثورة وما يرافقها، فهو غالبًا ما يتبنى العداء مع الدين ورفضه، العداء مع العادات والتقاليد البالية وفقًا لتعبيره، والعداء ضد الملك ونظام الحكم، لذلك اليسار دائمًا ما يكون ثوريًا هائجًا. ولعلَ أبرز رموزه وشخصياته هو تشي جيفارا، الملحد العتيد، والثائر الناقم صاحب مخطط الألف نار وثورة في أمريكا الجنوبية.

بالعودة للإعلام ولوسائله المختلفة، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن مختلف الفضائيات والقنوات ما هي إلا أوجه برّاقة مرئية لصراعات سياسية مريرة، نجد أن القنوات العالمية بشكل عام والعربية بشكل خاص تقسم إلى صنفين أساسين وفقًا لتوجهاتهم السياسية. قنوات يمينية محافظة غالبًا ما تكون هي الإعلام الرسمي لكل بلد. وقنوات يسارية ثائرة حاقدة على كل رئيس وحاكم، عدا طبعًا الرئيس والحاكم الذي يمولّها، لأنه عندها ولي أمر المسلمين وجب طاعته للأبد.

بمعنى أنها: ثائرة على غيرها، في حين أنها خانعة على نفسها.

للإعلام اليساري العربي والعالمي أيضًا، طروحات لا يلبث إلا أن يكررها على الدوام، كونها أفكار ثورية حاقدة على العادات البالية للأفكار اليمينة المحافظة. هذه الأفكار تتركز في سياقات محددة يتم إما تضخيمها أو إلصاقها بمعلومات وأبحاث ودراسات مغلوطة فقط من أجل تغليب الصوت الثوري على الصوت المحافظ. كل ما عليك أن تفعله لكي ترى دليل صدق ذلك هو أن تعرف ما هي هذه الأفكار اليسارية فقط.

تتلخص مجملها بالتالي: النسوية ورفض الهايرركية والذكورية – الثورة على الذكر والنظام السلطوي – قضايا المثليين والمساواة والأدوار الجندرية – الثورة على الأدوار الطبيعية والوظائف لكلا الجنسين – الثورة على الدين والعادات والحاكم – طبعًا عد الحاكم الذي يموّل القناة طال عمره! – والثورة على كل شيء آخر.

فكرة اليسار مرتبطة دائمًا بالرفض لأي شيء!

وبما أن اليمين المحافظ غالبًا ما يكون رأسماليًا من طبقات متوسطة أو أعلى من الشعب، يقوم اليساري الفقير بالحقد عليه والرغبة في تحطيمه وإلصاق مختلف التهم به، فيكون أولها الرجعية والتخلف – بالمناسبة الرجعية فقط تُهمة في الأنظمة التقدمية عد ذلك هي توجه مثلما أي توجه آخر – بالإضافة لمسميات أخرى كالسلطوية والذكورية وغيرها.

ومن بين الأمور الذي يحارب اليسار بها اليمين، موضوع أزمة المناخ والاحتباس الحراري، فبما أن اليمين غالبًا ما يكون رأسماليًا، وهو الذي يملك الشركات والمصانع وغيرها. ينتفض هنا اليسار ليضخم موضوع الاحتباس الحراري وأن المصانع اليمينية والملكيات الخاصة ستدمر الكوكب وستغرق المدن، ونجد هنا – على سبيل المصادفة طبعًا – هذا الموضوع لا يلقَ الرواج الهائل سوى على هذا القنوات المعروفة بتوجهاتها الثائرة المُسبقة.

لكن السؤال المطروح: ألا يوجد حقًا أزمة مناخ؟

للإجابة على هذا السؤال سننطلق من هاتفك المحمول. هل تذكر كيف يتنبأ تطبيق الطقس لديك بحرارة اليوم؟ ألم يصادف في كثير من الأحيان – إن لم يكن معظمها حتى – أنه يخطأ في إعطاءك قيمة صحيحة! وأنه في حالة إصابته للقيمة يكون ذلك قبل ساعات ولربما دقائق قليلة من حدوث هذا التغيير وليس على نطاق بعيد الأمد كيوم أو أسبوع ولربما شهر!

نفس الأمر هنا ينطبق على المناخ بأكمله. الطقس صعب التنبأ بشكل كبير إذ دائمًا ما يكون متذبذبًا ومُرتاب بدرجات عالية. لذلك دائمًا في أي بحث يناقش هذا الموضوع يتم إعطاء مجالات قيمية تقريبية يغلب عليها صفة التنبأ فقط وليس التأكيد وإمكانية الضبط والقوننة داخل أرقام محددة.

فلو حدث هذا واستطاع أحد العلماء فعل ذلك، لكان حريٌ باليابان وكوريا وغيرهم من الدول الذكية أن تتجنب عشرات الكوارث التي تضربها ربما بشكل شبه أسبوعي. إلا أن هذا الأمر لا يحدث، لاسيما عندما يكون خصمك هو المناخ بأكمله، ولا سيما عندما يكون الارتياب وعدم القدرة على التوقع والحصر هي ميزته الكبرى وسمته الرئيسة. لذلك يكون التأكيد فقط قبل لُحيظات قليلة من وقوع الكارثة.

على هذا يمكنك بناء قاعدة لفهم كل أبحاث ودراسات المناخ على أنها تنبؤات جدلية متذبذبة لا يمكن تأكيدها. والأسلوب الذي تُعرض به ويُروج لها – ويا للمصادفة لا تجده سوى في قنوات تتبع التوجه اليساري الثوري – هو محض تضخيم لاستمالة الحشود الخائفة من الجماهير، فأي غريزة يمكن استغلالها أفضل من غريزة الخوف!

نعم المناخ يتغير، وبكل تأكيد هنالك مشكلة، وأنا هنا أبدًا لا أنفي ولا أنكر هذا الموضوع، ولم أتبنى وجهة نظر دونالد ترامب ولا غيره عن المناخ. لكن  سيناريوهات نهاية العالم، وتفجر المحيطات، وزوال المدن لا يجب أن تذكرك إلا بالمقالات الساذجة من نمط مذنب سيضرب الأرض ويدمرها، وناسا تعلن أن نهاية العالم في 2012 وما إلى هناك من أمور دعائية جوفاء، وبأحسن الأحوال بأحد مشاهد مسلسل Game of thrones.

هل مرت عليك أحد اللقطات التي تتحدث عن عذاب القبر بعد الموت والضرب والجلد؟! كأن أحدهم عاد من الموت ليخبرنا بشهادته؟ يمكن تشبيه هذا الشطح بهذا النوع من الهراء.

وبالحديث عن الأمور الجوفاء، التي تُطلقها بين كل فينة وأخرى بعض القنوات الفضائية المحسوبة على طرف الثورية الواضح، لابد أن نذكر هنا تقرير شبكة ميدان التابع لقناة الجزيرة القطرية ذات التوجه اليساري المعادي لكل الأنظمة العربية تقريبًا عدا النظام القطري.

اختصارًا للكلام بدون فائدة، شاهد الفيديو من هنا ثم عُد لكي نناقش بعض الأمور المهمة.

للفيديو أهمية واحدة تكمن في قوّة مونتاجه فقط، الأمر شبيه جدًا بفتاة جميلة جدًا لكنها غبية حمقاء. أنت ستغتر بمظهرها إن كنت ساذجًا لكنك عندما تقترب من العمق ستجد مدى الضحالة. ولتتأكد من هذه الضحالة شاهد التعليق الأول والأكثر إعجابًا على الفيديو وسترى تلك النتيجة الباهرة بأمّ عينيك.

النتيجة غير المهنية المأخوذة من الفيديو هو محاولة ربط موضوع المناخ بموضوعات ميتافيزيقية لها علاقة بأدبيات يوم القيامة ونهاية الحياة. وكيف أنّ الفرات ودجلة ستجف وما إلى هنالك، وكأن الذي ينقص من الفيديو هو فقط أن يقولوا كما أن علماء المناخ أثبتو وجود جبل من ذهب تحت هذا النهر ستتكالب عليه الأمم!

هناك فرق بين أن تقتبس شيء للمساعدة في المحتوى المُقدّم وبين أن تختلق شيء غير موجود عن طريق ربطه بموضوعات ايمانية موجودة في وجدان الجمهور المتلقي فقط من أجل تعزيز الموقف! هذا بحد ذاته عار مهني. أكّد فقط على دجلة والفرات ولم يأتي مثلًا بالنيل في مصر، وكأنه يريد أن يلفت النظر لهذين النهرين تحديدًا.

ثمّ يقول المعلق في نهاية الفيديو أن الجفاف قبل 4 سنوات كان سببًا في اندلاع الحرب السورية؟ ما علاقة الربط هنا؟ أين الدليل على ذلك؟ هذا مثال واضح على مغالطة منطقية في الربط غير المتناسب، فقبل 4 سنوات من حرب سوريا يمكنن أن نربط أمور كثير معها، من ضمنها سعر الأرز والسكر ولربما عدد ساعات تقنين الكهرباء. ما علاقة هذا بذلك؟

ثم يعرض في النهاية لك كتابًا لكريستيان بارينتي يستدل به، وبالمناسبة هو صحفي وليس عالم. لا أعرف كيف يستدل على المناخ بشيء ليس له علاقة به. تخيل من يستدل على الفيزياء الكمية، بكتاب مؤلفه صحفي مصري مثلًا، هل تتخيل مستوى السذاجة هنا؟

يقول أيضًا أنه خلال 13 عام ستدخل المنطقة عصر الجفاف المائي الشديد والأزمة. وأنا أقول لك دعنا ننتظر حتى مرور 13 عام لترى ذلك، وستعلم حينها مدى ضحالة هذا الفكر والتوقع المرتاب أيضًا.

هذه هي مشكلة الفيديو والمرئيات التي تقدمها هذه الشبكات في آخر فترة، تُلقي إليك أكبر كمية من الهراء بأسرع وقت وبأجمل صوت ونبرة دون أن تترك لعقلك المجال للتفكير ولو بنصف جنيه حتى! معلومات معلومات معلومات تقدم كحقائق مطلقة لا شك ولا جدال فيها، حتى يتوقف عقلك كالأبله عاجزًا عن المحاكمة ومصدقًا لكل شيء!

لا تكن ساذجًا يا صديق، لا تخدع بأي شيء تراه وتسمعه. أبحاث المناخ اليوم لا تتعدَ كونها تنبؤات وتوقعات تدخل فيها الآراء والأجندات كما لاحظنا، لا شيء مثبت بشكل قاطع حتى اللحظة ليتم التسليم به كأمر واقع وحقيقة مطلقة، لولا ذلك لرأيت العلماء يسقطون الأمطار بإرادتهم ويوقفون الزلازل والبراكين، إلا أنهم لا يفعلون فتنبأ الطقس شبيه بتنبأ متى يموت أحدهم، أمر صعب جدًا، ولا يخرج من كونه تخمين، توظفه بعض القنوات في سبيل خدمة أهدافها ليسَ أكثر.

هذا الكوكب سوف ينتهي…

ثم ماذا؟ … ثمّ يا صديقي إن هذا الكوكب سينتهي على أي حال، حتى لو أن كل المصانع على سطحه قد أغلقت، حتى لو أنّ الجميع بدأ باستخدام الطاقة البديلة، طاقة الرياح والمياه، حتى لو أنهم تخلوا جميعهم عن الوقود والغاز والفحم والكهرباء وعادوا لما كانوا يستخدمونهم من قبل.

هذا الكوكب رغم كل شيء سينتهي وفي طريقه للزوال، سينتهي لأن الشمس نفسها تتداعى وتتجه نحو الأفول بسبب زيادة حرارتها، وبسبب الانهيار التدريجي المستمر لها.

يظن البعض مخطئًا أن كل شيء يحصل سيئًا هو من فعل الإنسان وبسببه وهذا بحد ذاته أمر ساذج. الكون والحياة والطبيعة التي نعيش ضمن نطاقها هشة إلى حد كبير، فعمر نظامنا الشمسي يقدر بحوالي 900 مليون سنة بعدها سينتهي مُجبرًا نحو التدمير الذاتي والضياع شأنه شأن عشرات النُظم الشمسية التي تموت كل يوم. هذا الأمر سيحدث بغض النظر عن كل شيء، سواءً كان هناك أزمة مناخ أم أزمة ثوم وبصل، الأمر واقع لا مناص من ذلك.

يظن البعض أن الطبيعة رحيمة، وأن كل شيء مهيأ للتكيف والعيش، وهذا قد يكون صحيحًا إلى حد ما، إلا أن الشذوذ موجود، وهو سيؤدي في النهاية إلى فوضى الفراشة المعروفة لدى الفيزيائي الفرنسي بوان كاريه، والتي ستؤدي بدورها لقلب كل شيء رأسًا على عقب، وفي النهاية سيكون الاضمحلال الذي لا مفر منه.

كل هذا سيحدث بأزمة مناخ أو بدونها، الكون سينتهي ونظامنا الشمسي كبقية الأنظمة التي ليس فيها أزمة مناخ سيحترق أيضًا.

الأمر فقط مجرّد تأخير وتسريع، وفي سبيل الحداثة التي جلبت لك هاتفك الذكي، وجلبت لك الكهرباء التي تستخدمها في كل شيء، وجلبت لك التقنية وكل شيء حسّن حياتك للأفضل، هل أنت مستعد لكي تترك كل هذه الرفاهيات ولربما الضرورات وتقول تبًا لكم أعيدوني للخلف وابعدوا الحداثة عني فأنا أحب هذا الكوكب وأريد إنقاذه؟

قطعًا لا، حينها ستعرف أن الأمر مُبالغ به وأنه مدفوع وموجه من أطراف سياسية معينه حاقدة على الطرف الرأسمالي المالك للشركات والمصانع التي أتت بإنجازات سهلت حياة الإنسان وزادت من رفاهيتها.

نفس هذه الأطراف اليسارية الثورية هي تلك التي تقول أنّ العلماء وجدوا دواء للسرطان إلا أنهم قتلوا العلماء وأحرقوا كتبهم من أجل الحفاظ على الدواء الكيميائي والشعاعي المُكلف من أجل استمرار تحقيق المكاسب والأرباح!

تخيّل مدى الغباء والقفزات اللامنطقيّة التي يفعلونها دائمًا في سبيل تحقيق أجنداتهم الساذجة!


نعم سينتهي هذا الكوكب، لكن هذا في كل الأحوال وليس بالصورة الدرامية التي يعرضونها لك لكي يثيروا غريزة الخوف ويحشدوا الرعاع من حولهم.

كن ذكيًا أيها القارئ، حاكم كل شيء قبل أن تصدقه، حاكم ما ترى وتشاهد وحاكم حتى هذا المقال إن أردت، المهم أن تكون أرقى من تتأثر بحركات مونتاجيّة ونبرة صوت يُقرأ بها في فيديو يدفع فيه أصحاب تلك القنوات مئات الدولارات من أجل بضعة دقائق فقط.

كن أذكى من كل هذا ولا تتبع القطيع وتخاف مما يخافون. اصنع رأيك الخاص، اصنع فكرك الخاص، دون أن تتأثر بكلام أحد.

0

شاركنا رأيك حول "أزمة التغيّر المناخي: كيف حولتها القنوات التلفزيونية إلى عراك سياسي!"