من كان يعتقد أنّ المراحيض ستصير “ذكية” يومًا ما؟ بيل غيتس يفعلها مجدداً!

مراحيض بيل غيتس الذكية
0

لطالما كنتُ من محبّي قصص “هاري بوتر”، ولطالما قمتُ -أثناء طفولتي- بمقارنة واقِعنا بعالمه، حينها كان يبدو الواقع شاحِبًا جدًّا ومُمِلّا للغاية مقارنةً بالسيارات الطائرة والصّور المتحرّكة والقبّعات التي تتحدّث.

اليوم، ومع اختراع الهواتف والألواح الذّكية التي تتحرّك فيها الصّورُ باستمرار، ومع اختراع نماذج فريدة لسيّاراتٍ تَطيرُ بالفعل، وروبوتاتٍ تفكّرُ باستقلالية وتتحدّث من تلقاء نفسها، يبدو أنّ الواقع قد صار مثيرًا أكثر من العالم السّاحر، وخصوصًا باقتراب عصر المراحيض “الذكية” التي أكّدت أنّ عقل “بيل غايتس” أكثرُ جُنونًا من خيال “ج ك رولينغ” كاتبة “هاري بوتر”.

مراحيض اليوم ومراحيض الغد.. ما الفرق بينها؟

مراحيض اليوم:

آخرُ مرّة عرف فيها المرحاض تطوّرًا تكنولوجيًا حقيقيًا كانت سنة 1775م عندما حصل الاسكتلندي “الكسندر كمينغ- Alexhander Cumming” على براءة اختراع “المرحاض الدّافق- flush toilet” الذي مازال يُستعمل اليوم مع إضافة بعض التعديلات عليه.

ومع ظهور الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، حدث أمران مُهِمّان أحدثا نقلة نوعية في تاريخ علاقة البشر مع المراحيض، وهما:

  • أوّلًا: أدّت الثورة الصناعية إلى انتشار المصانع في المناطق السكانية ممّا زاد من تلوّث الشوارع وسبّب تفاقمًا كبيرًا في انتشار أوبئة قاتلة، مثل: الكوليرا والتيفويد التي تنتج عن استعمال الماء الملوّث من طرف الإنسان.

وقد كانت ردّة فعل السلطات لهذه الكارثة محمودةً وفعّالة، فقد بدأت المدن الصناعية الكبرى حينها -مثل: لندن- بتطوير أنظمة الصرف الصحي التي كان يُفترض بها استقبال الماء الملوّث الصادر من المصانع، إلّا أنّ الأثرياء الذين اقتنوا المراحيض الدافقة استعملوا مكانتهم للتأثير على صنّاع القرار واقتناء الموافقة كي يتمّ وصل مراحيضهم بالمجاري أيضًا.

  • ثانيًا: سمحت الثوة الصناعية بتصنيع وتسويق المرحاض الدّافق بشكل حقيقي، وانتشر استعمال هذا النموذج بين العامّة في البلدان الأوروبية وأمريكا ثمّ بقية بلدان العالم، ورافق ذلك اهتمامٌ عالميٌ بتطوير أنظمة الصرف الصحي.

ونتيجةً لهذين الأمرين، لم نعد نسمع اليوم في بلداننا عن أمراض كالكوليرا والتيفويد، وانتهت معاناة البشرية في هذا المجال.

مراحيض الغد:

هذه القصّة تبدأ من حيث انتهت سابقتها، فالحقيقة أنّ معاناة البشرية لم تنتهِ -أو لِنقل لم تنتهِ معاناة كلّ البشرية فيما يتعلّق بإيجاد حلول للتخلّص من الفضلات بعيدًا عن الأماكن العامة والمصادر المائية التي يستعملها الجميع.

وهنا يأتي دور بيل غيتس..

“بيل غيتس” مؤسِّسُ مايكروسوفت هو ثاني أكبر بيليونير في العالم سنة 2018، و سابع أقوى شخص في العالم سنة 2018، وتُعتبر مؤسّسة “Bill & Melinda Gates Foundation” التي أنشأها مع زوجته “ميلندا غيتس” أكبر مؤسّسة خيرية خاصة في العالم.

يقول أنّه بدأ يهتم بنظام الصرف الصحي منذ عقدٍ من الزمن عندما توقّف عن العمل في مايكروسوفت لدوامٍ كامل، وركّز أكثر على السّفر إلى المناطق الفقيرة حول العالم ليرى بنفسه كيف يعيش الناس في البلدان التي تعاني من الفقر والتّخلف، وقد تفاجأ ممّا رآه: فضلات البشر تملأ الأزقة التي يلعب فيها الأطفال وتلوّث الماء الذي تشربه العائلات، والأمراض التي ظنّ الكثير أنّها انتهت مازالت في الواقع موجودة في الكثير من المناطق حول العالم.

هذه الحقائق تصف معاناة ناس لا يستطيعون آداء وظائفهم الحيوية الأساسية دون تعريض حياتهم وحياة أطفالهم للخطر.

ومن هنا، ترسّخت في ذهن غيتس القناعة بأنّ نظام المجاري بشكله الحالي لا يفي بالغرض في الدول التي لا تملك ما يكفي من المال لإنشاء البنى التحتية الضرورية لإقامة نظام الصرف الصحي أو لا يمكنها تغطية تكاليف الكهرباء باستمرار أو أنّها تعاني من فقر في الماء.. وحين لا تكون المجاري موجودة، كيف يتمّ التخلص من الفضلات؟

هذا هو السّؤال الذي طرحه “بيل” سنة 2009م على مجموعة من العلماء والمهندسين؛ وسنة 2011م قامت المؤسّسة الخيرية للزوجين بإطلاق “تحدّي إعادة اختراع المرحاض- Reinvent the Toilet challenge” الذي يدعو الباحثين لتصميم مرحاض يتخلّص ذاتيًا من الفضلات أو يحوّلها إلى أشياء ذات قيمة كالسماد أو الماء الصالح للشرب.

اشترطت قواعد التحدي أن يكون المرحاض “خارج الشبكة – off the grid” أي أنّه لا يتّصل بشبكة المجاري، ولا بالكهرباء ولا بالماء؛ كما اشترطت ألّا تتجاوز تكلفة  الاستعمال الواحد لليوم الواحد 5 سنتات أمريكية، وأن يرغب الناس في استعمال هذا المرحاض في الدول الغنية أيضاً.

فاز في هذا التحدي “معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا – California Institute of Technology” الذي قام باختراع نموذج أوّلي لمرحاض مستقلّ، يعمل بالطاقة الشمسية، يمكنه إنتاج ما يكفي من الطاقة لتشغيل مفاعل إلكتروكيميائي يمكنه توليد الهيدروجين أثناء التخلص من الفضلات.

النماذج المقترحة مازالت أوّلية وتحتاج للكثير من الوقت والتحسينات لتصير قابلة للتصنيع والتسويق بشكل كبير، إلّا أنّه في مكان آخر من العالم، هناك من قام بالخطوة الأولى لجعل المراحيض مستدامة بالفعل.

سنغفورة أوّل من بدأ بمعالجة مياه المراحيض

المفاجأة الكبرى هي أنّ “الوكالة الوطنية للمياه في سنغفورة – The Public Utilities Board” قد بدأت في سبعينيات القرن الماضي بالبحث عن طرق لمعالجة المياه المستعملة لجعلها صالحة للشرب!

وسنة 2003م، قامت شركة NEWater بإنتاج مياه عذبة قابلة للشرب من مياه المراحيض، وسكّان سنغفورة يشربون من هذه المياه منذ 15 سنة!

سنغفورة انتهجت هذا الطّريق لكي تتمكّن من التغلب على أزمة الماء التي تشكّل خطرًا على البلد وأهله، وقد نجحت بالفعل في توفير طريقة مستدامة لتوفير الماء الصالح للشرب للسكان.

صحيحٌ أنّ المراحيض المستعملة في سنغفورة ما زالت تعتمد على نفس تكنولوجيا القرن الثامن عشر، لكنّ نظام الصرف الصحي هناك اقترب كثيرا من طموحات “بيل غايتس”.

عندما تَحُلّ أزمةَ المراحيض ستصبح بطلًا وتَجنِي المال!

يقول “بيل” -بتصرّف-:

“في الأماكن التي تخلوا من نظام صرف صحي، أمراضٌ مثل الكوليرا والتيفويد تقتل سنوياً نصف مليون طفل أعمارهم أقل من خمس سنوات.. لقد استثمرنا في السنوات السبعة الماضية أكثر من 200 مليون دولار في العمل مع شركاء لتطوير جيل جديد من المراحيض المستقلة عن نظام الصرف الصحي.. وهذا ما يمكننا فعله كمؤسّسة: الاستثمار في مرحلة البحث والتطوير ثم فتح المجال أمام الخواص لتسويق التكنولوجيا والمنتجات التي تساعدنا في بلوغ أهدافنا.

تخيّل الجيل الجديد من المراحيض.. نحن نقدّر أنّه بحلول 2030م، سيكون هذا المجال سوقًا بمقدار 6 بلايين دولار، وإن أضفت إلى ذلك منتجات وخدمات أخرى، ستصير قيمة هذه السوق أكبر بكثير.”

ما رأيكم، هل ستستثمرون في الجيل الجديد من المراحيض؟

0

شاركنا رأيك حول "من كان يعتقد أنّ المراحيض ستصير “ذكية” يومًا ما؟ بيل غيتس يفعلها مجدداً!"