نظرية “ليس كل شيء” بالضبط… شطط فيزيائي في سبيل توحيد القوى الأربعة!

نظرية كل شيء
0

نظرية كل شيء………ناقصة

يعتبر القرن العشرون هو قرن الفيزياء بلا منازع، فالطفرات التي حصلت في هذا العلم بلغت آفاق لم تحلم البشرية يومًا بها، وإن صحّ القول، ما كان يمكن أن تحلم بها لولا شطط فيزيائيي القرن.

نظرية كل شيء…عبارة سمعناها كثيرًا، وانطوت على الكثير من الغرابة، لكنّها وبحق النظرية التي بذل فيزيائيون كُثر حياتهم للتوصل إليها. ما يمكن القول عنها هنا أنها النظرية التي تسعى إلى توحيد قوى الطبيعة الأربع (القوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية القوية والضعيفة والجاذبية) في صياغة رياضية محكمة في عالمٍ فيزيائي تحكمه انطلاقًا من المستويات دون الذرية وصولًا إلى الحديث عن المجرات والثقوب السوداء.

تنتقل قوى الطبيعة الثلاث الأولى المذكورة آنفًا عن طريق تبادل الجسيمات الكمومية. وفي المجالات التي تحكم فيها الفيزياء الكلاسيكية المكان، تبلي النسبية العامة بلاءً حسنًا، حيث الكتل الكبيرة والمسافات المديدة. إنها تتنبأ بتأثيرات مفاجئة أثبتت التجربة صحتها، كحني الضوء القادم من النجوم البعيدة لدى عبوره الشمس، وذلك بسبب تمزيقه لنسيج الزمكان.

وتظهر المشكلة حين تصبح المادة الممزِقة لنسيج الزمكان مؤلفةً من جسيمات كمومية. إن النظرية الكمومية نظريةٌ احتمالية: فهي لا تخبر عن حال الأجسام تمامًا في هذه اللحظة، إنها تنقل احتمال ما تبدو عليه فقط حين إجراء القياسات. ولك أن تطلق العنان لخيالك.

وفي الحديث عن النسبية، كان عالم الكونيات جون ويلر John Wheeler قد وصف النسبية العامة على أفضل وجه فقد كتب:

“يملي الزمكان على المادة كيفية حركتها، وتملي عليه المادة بدورها كيفية انحنائه. حيث يُحني تكتلٌ كبيرٌ من المادة (كالأرض مثلًا) الزمكان حوله. وتتحرك مواد أخرى (كتفاحةٍ تسقط على سبيل المثال) على طول هذه المنحنيات وبذلك تشعر بالجاذبية”.

نجح العلماء في توحيد القوى الثلاث الأولى في نظريةٍ كموميةٍ واحدة ادّعوا وحدانية صحتّها (نظرية التوحيد العظمى) وهي تحكم العالم الكمومي، وللمفارقة وعلى الرغم من أنّ الجادبية هي التي تحكم المنظور من عالمنا، لكنّها أبت الخضوع.

ضبابيةٌ كُبرى، في ما قد يبدو وكأنّه هراء فيزيائي، لكن ثبتت صحة هذه الضبابية مخبريًا بدقةٍ مدهشة. ونتيجة لذلك، لا يبدو أن للجسيمات الكمومية مواضع محددة قبل قياسها. وإن لم تكن ذات مواضع محددة، فلا يمكنك التنبؤ بالطريقة التي ستحني فيها هذه الجسيمات الزمكان، لذا بالنظريات الحالية كتلك التي انطلقنا منها، لا يمكننا تشكيل نموذج ناجع من الجاذبية الكمومية.

في أواخر الستينيات، شارف العلماء على التوصل إلى حلٍّ يجمع بين النسبية العامة وميكانيكا الكم في ما يُعرف بـمعادلة أينشتاين شبه الكلاسيكية.

تتألف نظرية أينشتاين الأصلية من سلسلةٍ من المعادلات التي يمثل طرفها الأيسر درجة انحناء الزمكان، أما طرفها الأيمن فيتضمن الكيفية التي يتغير بها توزع المادة والطاقة باستمرار مع الزمن مشكلًا الانحناء. ويبدو هذا التوزيع في المعادلات على أنه مصطلحٌ رياضي كلاسيكي محكم يعرف باسم مصفوفة متجهات زخم الطاقة energy-momentum tensor . وفي معادلة أينشتاين شبه الكلاسيكية، يستبدَل بقيمة توقعٍ كمومية تمثل متوسط توزع المادة المتوقع الحصول عليه من العديد من القياسات.

تسمح هذه الخدعة للمادة بالبقاء في حالةٍ كمومية ملتوية في حين أن تأثيراتها الثقالية كلاسيكية قابلةً للتنبؤ، وأثبتت فعاليتها الكبيرة في العديد من معادلات الفيزياء الفلكية. وقد استخدم ستيفن هوكنج Stephen Hawking هذه الطريقة في سبعينيات القرن الماضي، كاستخدامه لها في عمله الذي يظهر إصدار الثقوب السوداء لإشعاع هوكنج.

اقرأ أيضًا السيرة الذاتية الكاملية لستيفن هوكنج على بايوغرافي!

عند هذه النقطة، تتعمق مشاكل النظرية الكمومية، فهنا ينهار العالم الكمومي الاحتمالي بالكامل بعد أن أصبح قابلًا للتنبؤ. فالحل ناقص، ومعادلة أينشتاين شبه الكلاسيكية لا يمكنها التأقلم مع كل اللحظات الهامة لدى قياس مواضع المادة الكمومية، وستجعلها عرضةً للتداعي في نقطةٍ محليةٍ في المكان والزمان. وتسبب هذه القفزة المفاجئة انفجار المعادلة، في ضوء الهراء الرياضي المتمثل بتقديم كلٍّ من طرفيها لإجابة مختلفة.

ومن نتائج ذلك أن ينتهي المطاف بشيء له كلاسيكية موثوقة كالقمر في حالة تراكبٍ كمومي، بنصف كتلته في مكان والنصف الآخر في مكانٍ آخر، ما يفسد الزمكان نفسه. لقد انهار العالم الكمومي ويرجع السبب في ذلك إلى عملية القياس ذاتها.

حسنًا؛ إليكم الأكثر غرابة: في ميكانيكا الكم الاعتيادية، تتضمن عملية القياس جهازًا خارجيًا، فما الذي يلعب هذا الدور في علم الكونيات، ما المقياس الكوني لأداة القياس؟

من هذا التداعي كانت نقطة الانطلاق، إذ يُرجع الفيزيائيون الفلكيون الكون إلى حالةٍ كموميةٍ مجهريةٍ كان تداعيها هو السبب في الانتقال إلى الحالة العيانية الكلاسيكية.

الغريب في الأمر، أن نظريةً بأكملها في الفيزياء اسمها “نظرية التداعي” واسمها الأصلي نظرية غيراردي Ghirardi، ريميني Rimini ، فيبر Weber واختصارًا GRW. ولسببٍ أو لآخر لم ترَ هذه النظرية النور!

ساعدت هذه النظرية كثيرًا على سدّ الفجوة بين النظرية الكمومية والجاذبية. وبقي الوضع قيد الدراسة حتى عام 2013، حين حاول مانيلي دراخشاني Maaneli Derakhshani الدمج بين هذه النظرية والنظرية الكمومية والجاذبية النيوتونية (شبه الكلاسيكية).

ما شأن الجاذبية في ذلك؟

هناك جانبٌ في الأشياء خاصٌ بالجاذبية. فإن كانت الجاذبية قوةً كمومية من حيث الجوهر، فعليها أن تقوم بشيءٍ يمكن للقوى الأخرى القيام به: خلق الترابط. وهي الحالة التي تبقى فيها الجسيمات المتفاعلة عبر القوة الكمومية متشابكة للأبد، بغض النظر عن المسافات التي ستفصل بينها فيما بعد.

هنا بيت القصيد، سيتطلب منّا ذلك نسف بديهيات ألفناها في حياتنا اليومية، لقد اعتدنا القول أنّ الإناء الكبير يتسع للإناء الصغير، لكنّ المطلوب هنا وضع عباءة ميكانيكا الكم على الجاذبية، لقد اعتقدنا ولوهلة أنّ المقصود أن تبقى الجاذبية على حالها، وميكانيكا الكم كذلك ومن ثمّ السعي إلى تعايشٍ ودي بينهما. لكنّ الجديد حاليًا هو إثبات أنّ الجاذبية من حيث الجوهر هي قوةٌ كمومية.

وللعلم، يعلم كل من يعمل على هذا المنهج أنه ينطلق من أرضيةٍ هي أشبه بأرضية قارب (ثابتةٌ نسبيًا بلغة أينشتاين)، لكنّهم، وبعد فشل الفيزيائيين من أينشتاين حتى هوكنج في الوصول إلى حلٍّ وسطي لا يقاومون إغراء الجائزة التي طال انتظارها.

0

شاركنا رأيك حول "نظرية “ليس كل شيء” بالضبط… شطط فيزيائي في سبيل توحيد القوى الأربعة!"