كيف تتحدى شعوب العالم ظروفها؟ التجربة الكوبية

التجربة الكوبية
7

بمناسبة نهاية هذا العام الذي مرّ بخطوات ثقيلة وموجعة على المواطن العربي عمومًا، وعلى الكثير منّا ومن الذين نعرفهم بشكل خاص، أردتُ أن أقدّم لقارئ أراجيك جرعة بسيطة من الأمل وشيئًا من الإيجابية المستوحاة من واقع شعوبٍ أخرى مختلفة عنّا ثقافيًا وبعيدة عنّا جغرافيًا، لكنّها تُشاركنا نفس ذلك الشعور العميق الذي تغلغل في عظامنا بأنّ البقعة الجغرافية التي وُلِدنا فيها تتحكّم بأقدارنا بشكل بغيض، وبأنّها كثيرًا ما تصبح أكبر منّا ومن إرادتنا بكلّ ما لها من توابع تمسّ أسلوب الحياة وطريقة التفكير وحتى الحالة النفسية!

لذا، سأحدّثكم في سلسلة مقالات عن أمثلة لشعوبٍ أبدعت في تجاوز الظروف، وأذهلت العالم!

كوبا

لقطة من البلد

تشي غيفارا في هافانا

في كوبا، صورُ الزعيم الثوري “تشي غيفارا” تزاحم صورَ أفراد العائلات على جدران المنازل، ونظامُ الدولة الاشتراكيُ لا يزال صامدًا بعناد لمدة 60 سنة، يضمن مجانية التعليم والخدمات الصحية وينادي بالمساواة بين فئات الشعب باختلاف جذورها: الأوروبية الغازية، والأفريقية ضحية الاستعباد، والأصلية ضحية الإبادة.

في كوبا، الهواء مزيج من الأوكسجين والغناء، والمنازل التحامٌ بين فخامة القصور الإسبانية برفاهيتها المطلقة، وبين الحطام الذي يؤول إليه كلّ مبنى لا يسكنه سوى الفقراء لأكثر من نصف قرن.. في الشوارع هناك عملتان: البيزو الكوبي الذي يملكه الفقراء، يُجبرهم على الانتظار في الطابور ولا يكفيهم لسدّ حاجيات آخر الشهر؛ وهناك البيزو الكوبي القابل للتحويل الذي يساوي الدولار الأمريكي، ويُغنِي أهله.

كوبا ليست مسيحية تمامًا، كما أنّها لا تنتسب لديانة إفريقية صافية تمامًا.. ربّما هي تؤمن بالرقص والموسيقى أكثر من أيّ إله آخر.. ففي بلدٍ يخضع لحصار اقتصادي وتجاري أمريكي منذ سنة 1960م، كثيرًا ما لا يجد الشعب ما يتّكئ عليه سوى الأمل، ولا ما يتشبّث به سوى البهجة الحاضرة، والكثير الكثير من الإبداع.. مثل:

السيارات الأمريكية أو “حسناوات هافانا”

سيارات كوبا

سنة 1959م، نجحت ثورة “فيديل كاسترو” في الإطاحة بنظام “فولنجسيو باتيستا” العميل للولايات المتحدة الأمريكية.. وقرّرت الجزيرة الصغيرة التي تبعد أقل من 90 ميلا عن ميامي (الولايات المتحدة) انتهاج الاشتراكية والوقوف بجانب الاتحاد السوفييتي في وجه العملاق الأمريكي.

كان ردّ العملاق عليها سريعا وقاسيا، فقد فُرِض على كوبا حصارٌ اقتصادي أمريكي منع المبادلات التجارية بأشكالها مع الجزيرة الكاريبية الكوبية، مما أوقف حملات التمويل بالسيارات الأمريكية وبقطع الغيار اللازمة لتصليحها.

ولسبب غير مفهوم، منعت السلطات الكوبية بيع وشراء السيارات الجديدة في البلد لأكثر من 50 عاما، وقد تراجعت عن ذلك في السنوات القليلة الماضية بالسماح لبعض السيارات الصينية -مثلا- بالدخول إلى أسواق البيع في الجزيرة، إلّا أنّ أسعار السيارات التي تفوق بكثير القدرة الشرائية للمواطن الكوبي جعلت من كسب سيارة جديدة حلما بعيد المنال.

فكيف يتنقّل الكوبيون يا ترى؟

يستعمل الكوبيون إلى اليوم السيارات الأمريكية التي تعود لخمسينيات القرن الماضي، وقد أبدعوا في تجديدها لكي تتمكن من الاستمرار في القيام بعملها كما يجب.

الميكانيكيون في كوبا يستبدلون قطع الغيار المُتلفة بأكثر ما يشبهها ممّا يتوفّر في السوق (من علامة تجارية غير أمريكية)، وإن لم تتوفر القطعة الشبيهة فإنّ الميكانيكي يحاول صُنعها بنفسه انطلاقا من المواد الأولية المتوفرة.

قد وصل الأمر بالكثير من الكوبيين إلى تغيير معظم قطع السيارة الأصلية، فتجد أنّ السيارة التي أمامك شيفروليه لكن محرّكها من صنع فولزفاغن، والمكابح لمرسيدس.. فلا يبقى إلا هيكل السيارة الذي غالبا ما يعاد إصلاحه وتجديده لتكتسب السيارة حيويةً افتقدتها السوق الكوبية لوقت طويل.

أمّا أنت، عزيزي القارئ، إذا ما قادتك الأقدار إلى هافانا، اعلم أنّ أساطيل الحسناوات الأمريكية المغرية بطلائها الجديد وزجاجها البرّاق التي تغزو الطرقات ما هي إلا نتيجة إبداع العقل الكوبي الذي عرف كيف يجعل من كارثة اقتصادية مصدر دخل ووسيلة جذب سياحي ممتازة!

“الطرد الأسبوعي”

الانترنت في كوبا

بسبب الحصار الأمريكي، شبكة الأنترنت محدودة جغرافيا وبطيئة جدًا، وغالية التكلفة بحيث تتعدّى حدود القدرة الشرائية للمواطن العادي.

لتجاوز هذه المشكلة، أطلق أحد الشباب الكوبيين “Elio Héctor López” مشروعا حرا باسم “El Paquete” أو “الطرد” وهو عبارة عن قرص صلب يحتوي حوالي 1 تيرا بايت من المحتوى السمعي البصري: وثائقيات، أفلام، مسلسلات، برامج، موسيقى وأغاني، تطبيقات، وبرامج الحاسوب.. وكل ما تم تطويره وإخراجه طوال أسبوع.

هذا الشخص صرّح بأنّ له أقارب يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية ويُرسلون له المحتوى الأسبوعي في القرص الصلب، وهو بدوره يقوم ببيع هذا المحتوى للمهتمّين.

في كل بداية أسبوع، يرسل “Elio Héctor López” الملقّب بالرسول المحتوى الأسبوعي الجديد مع موظّفين يركبون القطارات أو الحافلات ليتمكّنوا من إيصال “الطرد” لكلّ أرجاء كوبا.. ودائمًا ما يجدون في استقبالهم الكثير من المُنتظِرين من كل الأعمار، كلّ منهم يريد استكمال ما بدأه الأسبوع الماضي..

وأنتم أيضا، سيكون لكم مع هذا الحديث لقاء قادم.. فانتظرونا!

7