وجود الإنسان من الميثولوجيا حتى هوكينغ

أصل الكون و تاريخ الوجود الانساني
1

لعل سكان المعمورة قاطبةً يعرفون ما هي سومر، أو على الأقل سمعوا بها؛ فأي إنسان حديث عاقل على أقل اطلاع بتاريخ البشرية سيعرف أن سومر قدمت للبشرية أساس المعرفة وتداولها، إنها الكتابة.

نعم، التاريخ يبدأ من سومر.

سومر، بداية تاريخ الوجود الانساني

ويخطئ من يظن أن السومريين كانوا أقوامًا بدائية، فإلى جانب الكتابة كان السومريون أول من قدم للبشرية أسطورةً تجيب عن تساؤلات البشر في الخلق والتكوين. وبعدها تسللت مكونات هذه الأسطورة إلى كافة الأسفار أو معظمها والتي تروي حكايا التكوين.

لقد انطلق السومريون في قصة تكوينهم من مقدمات منطقية وحقائق مشاهدة ليقدموا للبشرية رقمًا عديدة اكتُشف كثير منها، وبقي الآخر مدفون في أرض سومر، أو منتشر في المتاحف في أصقاع العالم.

يمكن أن نلخص أسطورة التكوين السومرية بالتالي:1

  • في البدء لم يكن موجودًا سوى المياه التي صدر عنها كل شيء، وكل حياة.
  • في وسط هذه الحياة الأولى ظهرت جزيرة يابسة على هيئة جبل قبته هي السماء وقاعدته هي الأرض، ومن لقاء القبة بالقاعدة ظهر الهواء، العنصر المادي الثالث بعد المياه والتراب.
  • من الصفات الأساسية لهذا العنصر الجديد التمدد، وبتمدد هذه المادة الغازية، تباعدت السماء عن الأرض.
  • لم يكن القمر السابح في الهواء إلّا نتاجًا للهواء وابنًا له، وربما كان من نفس العنصر أيضًأ. أما الشمس فهي الابن الذي فاق أباه القمر قوةً وخلفه على عرش السماء فيما بعد.
  • بعد أن ابتعدت السماء عن الأرض، وغمرت أشعة الشمس الدافئة وجه البسيطة، تهيأت الشروط اللازمة للحياة فظهرت النباتات والحيوانات ثم خُلق الإنسان.

بعد أن تنهي الآلهة تدبير كل شيء تخلق الإنسان، بالطبع الإنسان العبد للآلهة والذي يقوم على خدمتها.

يكمن النضج عند السومريين في إدراكهم أن ظهور الإنسان على هذه الأرض لم يكن ليتم لولا توفر ظروف دقيقة، تحفظ وجوده وتساعده على التطور.

لم تكن الأسطورة السومرية وحيدة، فلكل شعب روايته الخاصة عن الوجود؛ إذ تروي الحكاية الصينية عن الوجود التي سادت المعتقدات الصينية إبان فترة حكم سلالة شيا (2205-1782) ق.م حول تشكل الأرض والأجرام السماوية أن بيئتنا الكونية تغيرت على نحوٍ مفاجئ. فظهرت الشموس في السماء، وأصبح الناس على الأرض يعانون الحر الشديد، لذا أمر الإمبراطور  رامي سهام شهير بأن يصيب الشموس الزائدة بسهامه.2

كوفئ رامي السهام بحبة كانت لها القدرة على جعله خالدًا، لكن زوجته سرقت هذه الحبة منه، وبالتالي عُوقبت على ما اقترفت بأن أصبحت قمرًا.

محيط يدعم وجودنا

لقد كان الصينيون على حق باعتقادهم أن نظامًا شمسيًّا بعشر شموس هو ليس بذلك النظام الصديق لحياة الإنسان. واليوم ومع علمنا بأن مثل هذا النظام سيؤمن فرص تسمير هائلة، لكننا على يقين بأنه لن يفسح المجال أبدًا لنشوء الحياة وتطورها. والأسباب ليست ببساطة تلك التي تخص الخواص الحارقة للشموس فحسب والتي تخيلتها الأسطورة الصينية. وفي الحقيقة يمكن أن يعرف كوكبٌ يدور حول نجومٍ متعددة وفرةً جيدة في درجات الحرارة، على الأقل ستدوم هذه الجودة لفترة من الزمن. لكن التسخين المنتظم على مدى فترات طويلة وهو الأمر الذي قد يبدو جيدًا، سيكون أمرًا بغيضًا.

ولفهم سبب ذلك، لننظر إلى أبسط أشكال الأنظمة متعددة النجوم، نظام له شمسان، وهو يدعى بالنظام النجمي الثنائي.  وللعلم، نصف النجوم التي نشاهدها في سمائنا هي أفراد أنظمةٍ نجمية ثنائية. لكن حتى الأنظمة النجمية الثنائية البسيطة يمكنها أن تحافظ على أشكال معينة من المدارات المستقرة، وفي كل مدار من هذه المدارات غالبًا ما ستكون هنالك فترة زمنية سيكون فيها الكوكب إما شديد الحرارة أو البرودة، بحيث لن يتمكن من دعم استدامة الحياة على الكوكب. وسيكون الوضع أسوأ من ذلك في التجمعات التي تضم شموسًا عديدة.

نظام نجمي ثنائي

ولنظامنا الشمسي مزايا أخرى تجعله محظوظًا، والتي لم يكن لأشكال الحياةٍ المتطورة أن تنشأ وتتطور بدونها. فعلى سبيل المثال، تتيح قوانين نيوتن للمدارات الكوكبية أن تكون إمّا دائرية أو على شكل قطوع ناقصة، وللتذكير؛ القطع الناقص هو عبارة عن دائرةٍ مضغوطة لها قطر أعظمي وقطر أصغري، أما الدرجة التي يُضغط فيها هذا القطع فتسمى باللاتمركزية  أو التباعد المركزي، وهو رقم يتراوح بين الصفر والواحدـ  وحين يقترب التباعد المركزي من الصفر، يعني ذلك اقتراب الشكل من الدائرة، أما إذا اقترب الرقم من الواحد فهذا دليل على تفلطح أكبر للشكل.

لقد أزعجت الفكرة القائلة بأن الكواكب لا تدور حول الشمس بمدارٍ دائري كامل كبلر، لكن التباعد المركزي للأرض يبلغ 2% فقط، ما يعني أن هذا المدار دائري تقريبًا. وكما نعلم، إن هذا بضربة الحظ الموفقة جدًا.

تعاقب الفصول هو من أشد العوامل أهمية لحياة الإنسان على سطح الأرض، وكما نعلم تتحدد أنماط الطقس الموسمية (الفصلية) على الأرض بانحراف محور دوران الأرض بالنسبة لمستوي دورانها حول الشمس. ففي شتاء نصف الكرة الشمالي، يبتعد القطب الشمالي عن الشمس. وحقيقة أن الأرض في أقرب نقطة لها من الشمس آنذاك – إذ تبلغ المسافة بينهما 91.5 مليون ميل مقارنةً ب94.5 ميل أوائل تموز/ يوليو-  لها تأثير مهمل على درجات الحرارة مقارنةً بانحراف محور الدوران.

لكن في الكواكب التي لها تباعد مركزي أكبر، يلعب اختلاف المسافات عن الشمس دورًا أكبر. فعطارد الي يبلغ تباعد مداره المركزي 20%، ترتفع درجة الحرارة بمقدار 200 درجة فهرنهايت حين يكون في نقطة حضيضه الشمسي (النقطة الأقرب من الشمس) عما عليها في نقطة أوجه (النقطة الأبعد عن الشمس). وعمليًّا، لو كان تباعد مدار الأرض المركزي قريبًا من الواحد، لتبخرت محيطاتنا حين نصل إلى أقرب نقطة من الشمس، ولتجمدت عند النقطة الأبعد منها، ما سيجعل من الإجازات الشتوية والصيفية أمرًا لا يُطاق البتة.

إن التباعدات المركزية الكبيرة  تقوض دعائم نشوء الحياة واستمرارها، لذا نحن محظوظون لأننا أصحاب كوكب له تباعد مركزي يقترب من الصفر.

كما أننا محظوظون بالنسبة بين كتلة شمسنا والمسافة التي تفصلنا عنها، فكتلة النجم هي التي تحدد مقدار الطاقة الصادرة عنه. وتبلغ كتلة أكبر النجوم  100 ضعف كتلة شمسنا، في حين أن كتلة أصغر النجوم  أصغر بـ 100 مرة من كتلة شمسنا. ومع ذلك، وببقاء المسافة التي تفصلنا عن الشمس هي نفسها، لو كانت كتلة الشمس أقل ب20%  أو أكبر، لكانت الأرض أبرد من المريخ في وقتنا الراهن أو أشد حرارة من كوكب الزهرة.

وعادة، يحدد العلماء المنطقة الصالحة للحياة بالنسبة لنجم بأنها تلك المنطقة الضيقة التي تسمح درجات الحرارة فيها بوجود المااء السائل، وتسمى المنطقة الصالحة للسكن أحيانًا بالمنطقة المعتدلة، ولحسن حظنا نحن الكائنات الذكية الحية تقع الأرض ضمن المنطقة الصالحة للسكن في نظامنا الشمسي.

بالطبع لم يعتقد نيوتن بأن نظامنا الشمسي الصالح للحياة قد نشأ فجأة من الفوضى وعبر قوانين الطبيعة فحسب، لكنه اعتبر أن الكون قد خلقه إله في البداية وحافظ عليه على الشكل نفسه وبالظروف عينها حتى يومنا الحالي.

بالطبع من السهل أن نتفهم لم قد يؤمن أحدهم بذلك؛ فسلسلة الأحداث بعيدة الاحتمال التي مكنت وجودنا وتصميم عالمنا الداعم لحياة، ستكون حقًّا لغزًا محيرًا لو كان نظامنا الشمسي هو الوحيد في الكون. لكن أول عمليات الرصد التي أكدت وجود كوكب آخر يدور حول نجم آخر غير شمسنا أتت عام 1992. واليوم نحن نعلم بوجود مئات من هذه الكواكب، ولا تخامرنا أدنى شكوك بوجود أعداد لا تعد ولاتحصى منها عبر كوننا الشاسع.

يجعل ذلك من مصادفات ظروفنا الكوكبية المتمثلة بشمس وحيدة والتوليفة المحظوظة من المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس والكتلة الشمسية شأنًا ليس بذي بال، وهي كذلك ليست بالدليل المرضي على أن الأرض اختيرت بعناية لتدخل البهجة على قلوب جنسنا البشري؛ فالكواكب من جميع الأصناف موجودة، وبعضها أو على الأقل أحدها يدعم الحياة. وعلى ما يبدو، حين تبدأ كائنات تقطن أحد الكواكب باستكشاف عالمها الذي يحيط بها، ستعمد على الفور إلى اكتشاف أن البيئة تلبي متطلبات الشروط المطلوبة لوجودها.

ومن السهل تحويل العبارة الأخيرة إلى مبدأ علمي يقول: “يفرض وجودنا المؤكد قواعد محددَّة من “أين” و”متى” نتمكن من رصد كوننا، فحقيقة وجودنا تقيد خصائص نوع البيئة التي نجد أنفسنا ضمنها”. ويُدعى هذا المبدأ بمبدأ الإنتروبية الضعيفة، والعبارة الأفضل من هذه العبارة هي عبارة “مبدأ الانتقاء”، لأن المبدأ يشير إلى كيفية فرض إدراكنا لوجودنا قواعد مختارة من ضمن كل البيئات الممكنة، البيئات ذات الخواص التي تدعم أشكال الحياة فحسب.

وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو فلسفيًّا، لكن مبدأ الإنتروبي هذا يمكن استخدامه للحصول على تنبؤات علمية. وعلى سبيل المثال،كم يبلغ عمر الكون؟ وكما سنرى في الحال، يتطلب وجودنا أن يضم الكون عناصر كالكربون، والذي نتج عن طهي العناصر الأخف داخل النجوم.

ومن ثم على الكربون أن ينتشر في أصقاع الكون كلها عبر انفجار مستعر أعظم، ليتكاثف في نهاية المطاف كجزء من كوكب في عهد جديد لنظام شمسي. وفي عام 1961، أيد الفيزيائي روبرت ديك فكرة أن هذه العملية تستغرق حوالي 10 ملايين عام، وبالتالي ما يعنيه وجودنا حاليا هو أن عمر الكون يبلغ 10 مليارات عام كأقل تقدير. ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن يتجاوز عمر الكون العشرة مليار عام، ما دام وقود النجوم سينفذ في المستقبل البعيد، ونحن بحاجة نجوم حارة لاستدامة وجودنا . وبالتالي ينبغي أن يبلغ عمر الكون 10 مليارات عام، وبالطبع ليس هذا بالتنبؤ الدقيق للغاية، إذ تشير للبيانات الحالية إلى حدوث الانفجار الأعظم منذ 13.7 مليار عام.

وكما هو الحال بالنسبة لعمر الكون، نجد أن تنبؤات الأنتروبي  تعطي مجالاً من القيم لبارامتر فيزيائي معين، عوضًا عن تحديد دقيق له. ويعود ذلك لأن وجودنا؛ والذي ربما لا يتطلب قيمة بعينها لبارامتر فيزيائي، يعتمد على الأغلب على بارامترات  لا تختلف كثيرا عن حيث وجدناها فعلا، ناهيك عن أننا نتوقع أن الظروف الفعلية في عالمنا نموذجية  ضمن المجال المسموح به أنتروبيا. ولو كانت التباعدات المركزية، والواقعة ضمن الصفر والـ0.5 ستسمح بنشوء الحياة؛ فعلى انحراف مقداره 0.1 ألّا يفاجئنا، ففي هذا الكون الواسع لا بد وأن نسبة من الكواكب التي تدور حول نجومها لها تباعدات مركزية بهذا القدر. لكن لو تبين بأن الأرض بمدار شبه دائري، بتباعد مركزي يقدر ب 0.00000000001  فذلك سيجعل الأرض مكانا غاية في التميز، وسيحثنا على البحث عن تفسير وجودنا على مثل هذا الكوكب الغريب. وتسمى هذه الفكرة أحيانا بمبدأ التوسط أو الاعتدال.

وتدعى المصادفات السعيدة المتعلقة بأشكال مدارات الكواكب وكتلة الشمس وغيرها بالبيئية أو المحيطية، لأنها حصيلة المصادفة الحاصلة في محيطنا، وليست ضرية حظ منشؤها قوانين أساسية في الطبيعة. ويعد عمر الكون عاملا بيئيا أيضا، طالما هناك وقت سابق ولاحق في تاريخ الكون، لكن ينبغي أن نعيش في هذا العصر لأنه العصر الوحيد الداعم للحياة. ومن السهل فهم المصادفات البيئية لأن موطننا هو أحد المواطن الكثيرة في هذا الكون، وكما هو واضح؛ ينبغي وجودنا في موطن يدعم الحياة.

ولا يعد مبدأ الإنتروبي الضعيفة بالمثير للجدل، لكن هناك صيغة أقوى علينا مساندتها هنا، رغم مقابلة بعض الفيزيائين لها بالازدراء. وينص مبدأ الإنتروبي القوية على أن حقيقة وجودنا تفرض قيودًا ليس على البيئة وحسب، بل وعلى الصيغ الممكنة لقوانين الطبيعة نفسها وما تحتويه. وقد ظهرت هذه الفكرة لأن خصائص النظام الشمسي الغريبة الداعمة لنشوء حياة الإنسان وتطورها ليس وحدها الملائمة للحياة فحسب؛ لكنها خصائص كوننا بأكمله، وهذا من الصعب شرحه قليلا.

مكونات النجوم، مكوناتنا

أما الحكاية التي تروي نشوء الكون وتطوره من كونٍ مؤلف من الهيدروجين والهيليوم وبعض الليثيوم إلى كونٍ يحوي عالمًا عاقلًا واحدًا مثلنا هي حكايةٌ مؤلفةٌ من فصولٍ عديدة. وكما ذكرنا سابقًا، على قوى الطبيعة أن تكون هي تلك القوى التي يمكنها أن تنتج العناصر الأثفل كالكربون، وأن يبقى هذا العنصر مستقرًا لمليارات السنين.

لقد تشكلت هذه العناصر الثقيلة ضمن أفران ندعوها بالنجوم، وبالتالي على القوى أن تسمح في البداية بتشكل النجوم والمجرات. لقد تشكلت هذه العناصر الثقيلة من بذور صغيرة غير متجانسة في الكون المبكر، يغلب عليها الانتظام التام ولكنها ولحسن الحظ كانت تحوي فروقات في الكثافة تبلغ واحدًا من 100000. ومع ذلك وجود هذه النجوم ووجود العناصر التي تشكلنا داخل هذه النجوم لم يكن كافيًا، وعلى ديناميكية هذه النجوم أن تنص على أن بعضها ينبغي انفجاره، وعلى وجه الدقة؛ أن تنفجر بطريقةٍ تضمن توزيع العناصر الأثقل في الفضاء، كما كان على قوانين الطبيعة أن تسمح بتكاثف هذه البقايا ثانيةً لتشكل جيلًا جديدً من النجوم، وأن تكون الأخيرة محاطة بالكواكب المندمجة مع العناصر الثقيلة المتشكلة حديثًا.

وكما هو الحال بالنسبة لضرورة حدوث أحداثٍ بعينها في عمر الأرض المبكر لإتاحة الفرصة لنا بالظهور والتطور، كذلك كانت كل حلقةٍ من هذه السلسة ضرورية. وفي حالة الأحداث الناتجة عن تطور الكون، كانت مثل هذه التطورات محكومة بالتوازن بين قوى الطبيعة الأساسية، والتي ينبغي لتفاعلها أن يكون بالترتيب الصحيح حتى يُتاح وجودنا.

كان هويل أول من أشار إلى ضرورة أن ينطوي ذلك على قدرٍ من المصادفة في خمسينيات القرن الماضي. لقد اعتقد هويل  أن كل العناصر الكيميائية قد تشكلت أصلًا من الهيدروجين، والذي يقول بأنه المادة الابتدائية الحقيقية.

للهيدروجين أبسط نواةٍ ذرية، وهي تتألف فقط من بروتون قد يكون وحيدًا أو بصحبة بروتون أو اثنان. وتدعى أشكال الهيدروجين المختلفة التي لها عدد البروتونات ذاته ولكنها تختلف بعدد النترونات بالنظائر. ونحن نعلم اليوم أن الهيليوم والليثيوم قد تشكلا أيضًا في الحالة الابتدائية من عمر الكون، وذلك حين كان عمر الكون 200 ثانية فقط.

لكن الحياة من جهةٍ أخرى تعتمد على عناصر أكثر تعقيدًا، وأهم هذه العناصر هو الكربون، وهو أساس كامل الكيمياء العضوية. وقد يتخيل المرء أن الكائنات الحية كالحواسيب الذكية، ناتجة عن عناصر أخرى كالسيليكون، لكن تطور الحياة ونشوؤها تلقائيًا بغياب الكربون هو موضع شك، والأسباب الكامنة وراء ذلك هي أسباب تقنية لكنها فاعلة من خلال الطريقة الفريدة من نوعها التي يرتبط بها الكربون بالعناصر الأخرى.

على سبيل المثال، يكون يكون ثاني أكسيد الكربون مركبًا غازيًّا في درجة حرارة الغرفة، وهو أمرٌ مفيد بيولوجيًّا. وبما أن السيليكون هو العنصر الذي يلي الكربون في الجدول الدوري؛ فله الخواص الكيميائية ذاتها. لكنّ ثلاني أكسيد السيليكون- الكوارتز- هو مفيد أكثر في التراكيب الصخرية منه في رئات الكائنات الحية.

لكن ربما تطورت اشكالٌ للحياة بالاعتماد على وليمة السيليكون هذه، بالإضافة إلى سباحتها في بحيرات من الأمونيا السائلة.

حتى هذا النمط من الحياة الغريبة لا يمكن أن يتطور من عناصر ابتدائية فحسب، فالعناصر الابتدائية يمكنها تشكيل هيدريد الليثيوم فحسب، والذي هو بلورات صلبة عديمة اللون، وغاز الهيدروجين، وهذان ليسا بالمركبين اللذين يمكن أن ينتج عنهما شيء، لتبقى حقيقة أننا أشكال حياةٍ مؤلفة من الكربون قائمة.

الكربون، لبنة الحياة الأساسية

يسير بنا هذا مباشرةً إلى التساؤل عن كيفية تشكل الكربون (ذو النواة التي تضم ستة بروتونات) والعناصر الأثقل.

حدثت  الخطوة الأولى حين بدأت النجوم الأقدم بتجميع الهيليوم الناتج عن تصادم نواتي هيدروجين واندماجهما، هذا الاندماج المسؤول عن توليد النجوم للطاقة التي تدفئنا. وبإمكان ذرتي هيليوم أن تتصادما بدورهما لتشكلا البيريليوم، وهي ذرةٌ بنواة تضم أربعة بروتونات. ومن حيث المبدأ، يمكن للبيريليوم المتشكل أن يندمج مع نواة هيليوم ثالثة ليشكل الكربون.

لكن ليس هذا ما يحدث، لأن نظير البيريليوم المتشكل سرعان ما يتحلل ليعطي نواة هيليوم ثانيةً.

يتغير الوضع حين يبدأ هيدروجين نجمٍ ما بالنفاذ، وحين يحدث هذا تتداعى نواة النجم لتصل درجة حرارتها حتى100 مليون كلفن. وفي ظل هذه الظروف، تلتقي النوى مع بعضها البعض، وغالبًا ما تحظى بعض نوى البيريليوم بفرصة الاصطدام بنواة هيليوم قبل أن تتحلل. بعد ذلك يمكن أن يندمج البيريليوم مع الهيليوم ليشكل نواة مستقرة لنظير كربون.

لكن هذا الكربون ما زال بعيدًأ عن تشكيل حياةٍ عاقلة؛ إذ لتوجد كائنات مثل البشر، ينبغي أن ينتقل الكربون من داخل النجم إلى جوارٍ ودي. وهذا يتم في نهاية دورة حياة النجم، حيث ينفجر كمستعرٍ أعظم قاذفًا الكربون وغيره من العناصر الثقيلة الأخرى التي ستتكاثف مشكلةً كوكبًا.

تدعى عملية تشكيل الكربون هذه بعملية ألفا الثلاثية، لأن جسيم ألفا هو اسم آخر لنواة نظير الهيليوم المشارك في العملية. ولأن العملية تحتاج ثلاثة جسيمات منها لتندمج في النهاية. وتتنبأ الفيزياء التقليدية بأن معدل إنتاج الكربون عبر عملية ألفا الثلاثية ينبغي أن يكون صغيرًا جدًا. وبأخذ ذلك بعين الاعتبار، توقع هويل عام 1959 بأن يكون مجموع المقادير الطاقية لنوى البيريليوم ونوى الهيليوم مساويًا تقريبًا لحالة كمومية محددة لنظير الكربون المتشكل، الحالة التي ندعوها بالطنين، وهي تزيد بشكلٍ كبير من معدل التفاعل النووي. وآنذاك لم تُعرف مثل هذه المستويات الطاقية، لكن وبناءً على اقتراحات هويل، بحث ويليام فاولر من كالتيك عنها ووجدها، مقدّمًا دعما هامًا لوجهة نظر هويل في نشوء النوى الثقيلة. وبملاءمة قوانين الفيزياء الحديثة لتعاقب النتائج ضمن هذه النوى.

لكن وأثناء تحري مبدأ الإنتروبي القوية، بدأ الفيزيائيون في الآونة الأخيرة التساؤل التالي: “كيف كان سيبدو الكون لو اختلفت قوانين الطبيعة؟”

يمكننا اليوم إنشاء محاكاةٍ حاسوبية تخبرنا كيف سيعتمد معدل تفاعل ألفا الثلاثي على قوة القوى الأساسية في الطبيعة، وقد أظهرت مثل هذه الحسابات أن تغيرًا بالغ الصغر بمقدار 0.5% في شدة القوى النووية القوية أو 4% في القوى الكهربائية، سيدمر تقريبًا إما كامل الكربون أو كامل الأوكسجين في كل نجم، ومعهما أي إمكانيةٍ للحياة. وفي جميع النماذج الحاسوبية، إن تغيرت إحدى الثوابت بمقدارٍ ضئيل جدًا، لاختلف الكون كميًّا. وعلى سبيل المثال، لو كانت القوى النووية الضعيفة أضعف من ذلك في الكون المبكر، سيتحول الهيدروجين الموجود في الكون إلى هيليوم وبالتالي لن تكون هناك نجوم طبيعية، ولو كانت أكثر قوة، فلن تلفظ السوبرنوفا المتفجرة غلافها الخارجي، وستخفق في ذر العناصر الثقيلة في الفضاء بين النجمي، وهي العناصر التي تحتاجها الكواكب لنشوء الحياة على سطحها. ولو كانت البروتونات أثقل بنسبة 0.2% فستتحلل إلى نيترونات ما سيزعزع استقرار الذرات، ولو تغير مجموع الكواركات (مكونات البروتونات بجميع أصنافها) بنسبة 10 %، سيكون مقدار النوى المستقرة أقل بكثير.

كون متعدد الأبعاد

ولو افترض أحدهم أن بضعة ملايين من السنين في مدارٍ مستقر ضرورية لنشوء الحياة التي نعرفها، سيكون عدد أبعاد الفضاء محكوم بوجودنا، فوفقًا للجاذبية، تكون المدارات الإهليليجية المستقرة ممكنةٌ فقط في ثلاثة أبعاد. وتكون المدارات الدائرية ممكنةٌ في أبعاد أخرى. لكنها وكما خشي نيوتن، لن تكون مستقرة، ففي أية أبعادٌ ثلاثة، أي اضطرابٍ صغير كالناتج من جذب الكواكب الأخرى، سيبعد الكوكب عن مداره الدائري، ليدور إما مبتعدًا عن الشمس أو مقتربًا منها، فإما سنحترق أو نتجمد.

كذلك وفي أبعادٍ تفوق الثلاثة، ستتناقص القوى الجذبوية بين جسمين بسرعةٍ أكبر من تناقصها في حالة الأبعاد الثلاثة. ففي الأبعاد الثلاثة ومع مضاعفة المسافة، تنخفض القوى الجذبوية إلى ربع قيمتها، وفي أربعة أبعاد تصبح 1/8   وفي خمسة أبعاد تصبح 1/16 وهكذا.

وكنتيجةٍ لذلك، في أكثر من ثلاثة أبعاد لن تكون الشمس قادرةً على التواجد في حالة مستقرة بضغطها الداخلي المتوازن مع سحب الجاذبية فهي إما ستتمزف إربًا أو تتداعى لتشكل ثقبًا أسودًا، وكلاهما سيدمران حياتنا اليومية. وعلى المستوى الذري، ستسلك القوى الكهربائية سلوك القوى الثقالية. ويعني ذلك أن الإلكترونات في الذرات إما ستهرب من الذرات أو تدور ضمن النواة. وفي كلتا الحالتين، يستحيل وجود النوى كما نعرفها.

إن ظهور البنى المعقدة المتوافق مع دعم الراصدين الأذكياء يبدو هشًّا.

انضباط القوانين الفيزيائية

تؤلف قوى الطبيعة نظامًا مضبوطًا بشدة، وقلة من القوانين الفيزيائية يمكنها أن تتغير دون تدمير إمكانية تطور الحياة بالشكل الذي نعرفه، ولولا هذه المصادفات المذهلة في القوانين الفيزيائية لما كان للحياة البشرية وأشكال الحياة التي تشبهها وجود.

وتنطوى أكثر المصادفات المضبوطة بدقة إثارةً للإعجاب على ما يُسمى بالثابت الكوني في معادلات أينشتاين في النسبية العامة، وكما أسلفنا، في عام 1915 وحين صاغ النظرية، اعتقد أينشتاين أن الكون كان ساكنًأ، فلا هو يتمدد ولا يتقلص. وبما أن جميع المواد في الكون تجذب بعضها بعضًا، طرح في نظريته قوة مضادة للجاذبية لتتوافق مع ميل الكون للتداعي على نفسه. وهذه القوة وخلافًا للقوى الأخرى، لم تأتِ من مصدرٍ بعينه، لكنها نشأت في صميم نسيج الزمكان، ويصف الثابت الكوني مقدار شدة هذه القوة. ولدى اكتشافه بأن الكون لم يكن ساكنًا، أبعد أينشتاين الثابت الكوني من نظريته، ودعا ذلك بأكبر أخطاء حياته.

وفي عام 1988، كشفت عمليات الرصد لأقرب المستعرات العظمى أن الكون في حالة تمدد بمعدل متسارع، وهو تأثير ليس ممكنًا دون نوع من القوى النابذة الفاعلة عبر الكون. وأُعيد بعث الثابت الكون.

وما دمنا نعرف الآن أن قيمته ليست صفرًا، يبقى السؤال المطروح هو مالسبب وراء حصوله على قيمته بعينها؟

خاض الفيزيائيون جدالات عديدة تفسر كيف يمكن ظهوره وفقًا لتأثيرات ميكانيكا الكم، ولكن القيمة التي قاموا بحسابها أعلى ب10120 من القيمة الفعلية والتي تم الحصول عليها من عمليات رصد السوبرنوفا. ويعني هذا إما أن المنطق الذي تم توظيفه في المعادلة كان خاطئًا، أو أن تأثيرًا آخر خارق موجود ألغاها بالكامل ليبقي على قدرٍ صغيرٍ محسوب.

وقد يكون الاعتقاد راسخًا بأنه إن كانت قيمة الثابت الكوني أكبر بكثير مما هو موجود، فسيمزق كوننا نفسه قبل أن تتشكل المجرات. ومرةً أخرى، ستكون الحياة بالوجه الذي نعرفها عليه مستحيلة.

ما الذي يمكننا الحصول عليه من هذه المصادفات؟

مصادفات مذهلة

الحظ، إنّه الحظ، والموجود منه في القوانين الفيزيائية الأساسية يختلف عن ذاك الموجود في العوامل البيئية. شرح ذلك ليس سهلًا، وله تأثيرات فيزيائية وفلسفية أعمق.

يبدو كوننا وقوانينه وكأنهما مصممان ببراعة لدعم وجودنا، ما يفسح المجال لحيزٍ صغير جدًا من التغيرات. سيفسح هذا المجال للتساؤل الطبيعي: “لم يتم هذا على ذلك النحو؟”.

يفضل كثيرون استخدامنا لهذه المصادفات كدليلٍ على عمل الإله. وقد كانت فكرة أن الكون مصممٌ ليستوعب البشر تظهر في علوم اللاهوت والأساطير القديمة وحتى وقتنا الراهن. وفي أساطير شعب المايا، تقول الآلهة: “أي شرف أو مجد سنلقاه من كل الذي خلقناه وشكلناه مالم ينيره البشر ذوي الإحساس”. وفي نص مصري قديم يرجع إلى الألف الثانية قبل الميلاد: “البشر رعاع الرب،وجدوا بشكل جيد، صنع الإله الشمس والأرض لصالحهم”. وقدم الفيلسوف التاوي الصيني لي يوك و هذه الفكرة عام 400 ق م  على لسان شخصيةٍ في قصة: “لقد خلقت السماء خمسة محاصيل لتنمو وخلقت إلى جوار ذلك الأسماك والمخلوقات ذات الريش لصالح بني الإنسان”. وفي الثقافة الغربية يضم العهد القديم فكرة التصميم ذو العناية الإلهية في سفر التكوين، لكن نظرة المسيحيين التقليدية تأثرت كثيرًا بأرسطو الذي قال: “بعالمٍ عاقل طبيعي يعمل وفقًا لتصميمٍ مدبر”.

وقد وظف عالم اللاهوت توما الإكويني في العصور الوسطى أفكار أرسطو حول النظام في الطبيعة ليدعم فكرة وجود الرب.

للعلم كلمته أيضًا

لكن في القرون التي تلت ذلك، انتفت فكرة مركزية الأرض في الكون بشكلٍ مطلق، واتضح أننا لسنا سوى نبتةٍ في حديقةٍ غناء من الكواكب. لكن الاكتشافات التي تمت مؤخرًا حول الضبط الفائق لكثير من قوانين الطبيعة قد تدفع بعضنا للعودة إلى الفكرة القديمة القائلة بأن تصميم عظيم ما هو إلا عمل مصمم أعظم. لكن ذلك ليس بالإجابة بالنسبة للعلم الحديث، وفكرة الأكوان المتعددة لم تأتٍ تلبيةً للضبط الفائق؛ إنها نتيجة للظروف غير المحدودة إضافةً إلى العديد من النظريات في علم الكونيات الحديث. لكن إن كان ذلك صحيحًا، يمكن اعتبار مبدأ الأنتروبية القوية مساوٍ للأنتروبية الضعيفة، ما يضع انضباط قوانين الفيزياء على قدم المساواة مع العوامل البيئية.

يعني هذا أنه وبنفس الطريقة التي صارت بها المصادفات التي تحيط بنا غير ذات شأن بإدراكنا وجود مليارات من هذه الأنظمة، يمكن أن يُفسَّر انضباط قوانين الطبيعة بوجود أكوان متعددة. وقد عزا كثيرون عبر العصور جمال الطبيعة وتعقيدها إلى الله في الوقت الذي لم يمتلكوا أية تفسيرات علمية. لكن وكما شرح داروين ووالاس كيف أن التصميم الإعجازي الظاهر بأشكال الحياة يمكنه الظهور دون تدخل من كائنٍ خارق، ويمكن لمبدأ الأكوان المتعددة أن يفسر الانضباط الدقيق للقوانين الفيزيائية دون الحاجىة إلى خالق ماهر سخر الكون لصالحنا.

لقد طرح أينشتاين ذات مرة سؤالًا على مساعدة إرنست شتراوس :”هل كان الله يملك خيارًا حين خلق الكون؟”

في أواخر القرن السادس عشر، كان كبلر مقتنعًا أن الله خلق الكون وفقًا لبعض القوانين الرياضية الكاملة، وقد قال نيوتن أن قوانين السموات نفسها تطبق على الأرض، وطور معادلات رياضية للتعبير عن هذه القوانين وكانت من الأناقة بحيث أوقدت حماسًا دينيًّا ضمن عددٍ من علماؤ القرن الثامن عشر الذين استخدموها عمدًأ لإظهار أن الله كان رياضيًّأ عتيدًأ.

من زمن نيوتن، وخاصةً منذ أينشتاين، كان هذف الفيزياء هو إيجاد مبادئ رياضية بسيطة من تلك التي تنبأ بها كبلر، ومعها كان الاتجاه نحو نظرية موحدة لكل شيء يمكن تطبيقها على كل تفصيل من تفاصيل المادة والقوى التي نشاهدها في الطبيعة. وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وحد ماكسويل وأينشتاين نظريات الكهربائية والمغناطيسية والضوء. وفي سبعينيات القرن الماضي، نشأ النموذج القياسي، وهو نظرية موحدة للقوى النووية الضعيفة والقوية والقوى الكهرومغناطيسية، ثم ظهرت إلى الوجود كل من نظرية الأوتار وM-Theory في محاولة لاحتواء القوة المتبقية، الجاذبية.

لم يقتصر الهدف على إيجاد نظرية وحيدة يمكنها تفسير كل القوى؛ بل كان الهدف أيضًأ هو تفسير الأعداد الأساسية التي كنا نتكلم عنها، كشدة القوى ومقادير وكتل وشحنات الجسيمات الابتدائية. وكما قال أينشتاين: “كنا نأمل أن نكون قادرين على القول أن الطبيعة متآلفة بحيث يمكن منطقيًّا تجاهل بعض القوانين المصيرية اجدًّا، لتبقى في هذه القوانين الثوابت ذات القيم العقلانية، والتي لن يفسد زوالها المعادلة.

لكن وكما هو الحال في الفيزياء وكل شيء، ما من عبارة إلّا لتقودنا لتساؤلٍ جديد، هنا سنقف عند التساؤال التالي: لماذا M-Theory؟؟؟؟؟

المراجع

  • 1 فراس السواح، التكوين السومري، من موقع: مغامرة العقل الأولى، اطّلع عليه بتاريخ 11-1-2019
  • 2 STEPHEN HAWKING، The Apparent Miracle الصفحة 189 -211، من كتاب: The Grand Design، اطّلع عليه بتاريخ 11-1-2019
1

شاركنا رأيك حول "وجود الإنسان من الميثولوجيا حتى هوكينغ"