كيف انعكست ثماني سنوات من الحرب على الأدب السوري؟

0

ثماني أعوام مرت على بداية الاشتباكات الدائرة حالياً فى سوريا الحبيبة ، باختلاف مُسمياتها إذا كانت ثورة، أم حرب، أم حِراك شعبي أدى إلى حرب أهلية .. بعيداً عن عالم السياسة المُتشعب والخطير نخطو بهدوء إلى عالمنا، عالم الأدب .. ونتساءل كيف أثرت مجريات الأحداث فى هذه السنوات على الأدب السوري ..

بداية بدأت الأحداث فى سوريا بتاريخ 15 مارس عام 2011، كصدى لثورتي مصر والتى أندلعت فى 25 يناير فى نفس العام، وتونس الخضراء فى 4 يناير من نفس العام .. ورغم تحقيق ثورة مصر وتونس أهدافها الأولية فى بداية الثورة إلا أن الثورة فى سوريا أخذت مُنحني مختلف سياسياً، ومن هنا ننعطف فوراً إلى حارة الأدب بعيداً عن شوارع السياسة المُتعبة ..

لم يظهر أى علامة أدبية واضحة أكدت تأثير الثورة السورية على الأدب السوري فى الأعوام الثلاثة الأولي، ربما لضبابية المشهد السياسي، وربما لأن معظم الكُتاب بدأوا فى أخذ مقاعدهم فى المسرح السياسي، ما بين مؤيد للحراك والثورة، وما بين معارض ومختلف ومتضامن مع النظام السياسي، ما بين من يشجب العنف، وأخرون ربما شجعوا العنف بعض الشئ كوسيلة للتطهير .. وبعض الكتاب خرجوا سريعاً من سوريا إلى بعض الدول العربية ودول المهجر لينظروا إلى المشهد من بعيد ..

المرحلة الأولى: انتقاد الماضي

ربما نستطيع أن نؤكد هنا أن أول عمل أدبى أثرت فيه الثورة السورية كانت رواية “لا سكاكين فى مطابخ هذه المدينة” للكاتب خالد خليفة عام 2013 ، والتى اختزلت الحالة السورية بكل شفافية ، وحالة العالم العربي بشكل عام بعد عدة ثورات صدمت عالمنا العربي سواء فى مصر،  أو تونس، أو اليمن، أو سوريا  ..

خاف البعض من هذه الرواية، وصُدم البعض الأخر من أحداثها والتى تدور حول عائلة سورية دهستها الأحداث المؤسفة والانحلال فى بعض ثنايا المجتمعات والتى نخاف أن نتطرق إليها قائلين “دعنا لا نركز على السلبيات، فالسلبيات لا تصنع المجتمعات” ..

الرواية لا تتحدث بشكل مباشر عن الثورة السورية، ولكنها عكست عن طريق سردها لأحداث فى التسعينات من القرن الماضي واختصار لحالة بعض الشعوب فى مرحلة دولة “القائد” .. دولة “القائد” كما تصفها بعض المذاهب الفلسفية تهتم بتدمير الرأى المعارض دون النظر إلى سلبيات الواقع والحاضر ..

كذلك أري أن هذه الرواية هى إنعكاس لضبابية المشهد السياسي .. فالعمل الأدبي يحتاج إلى سنوات طويلة لكى يتناول أمر كالثورة السورية، ولكن هذه الرواية كانطلاقة بدأت فى انتقاد الوضع السوري الماضي، كخطوة أولى وبداية لانتقاد الحاضر وبناء المستقبل .. ربما رواية مريرة، مؤلمة، مُفجعة ولكنها كبداية أدبية لوصف الوضع لا غير ..

المرحلة الثانية: المهجر هو الحل

رواية “ألماس ونساء” هى التجسيد الواقعي لهذه المرحلة والتى كتبتها لينا هويان الحسن، وبالرغم من أن لينا لم تسافر خارج سوريا ولكنها جسدت فى هذا العمل دور السوريين بشكل أدق فى دول المهجر فى الفترة ما بين السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، أثناء بداية دولة القائد فى سوريا .. لتشكل انعكاس ما على الدولة التى كان يجب أن تكون عليها سوريا لو استفادت بشكل ما من جواهرها فى دول المهجر ..

المرحلة الثانية للأدب السوري بعد الثورة كانت بعنوان “المهجر”، فالجميع رأى فى المعارض السورية فى الخارج الحل الأكيد لنزع السلاح فى الداخل ووقف العنف .. رأى البعض منا الحل فى تغيير علم النظام الحاكم، والاعتماد على علم تجديد ، ربما يحمل عبق المقاومة، وربما يحمل عبق المهجر ..

 

المرحلة الثالثة: الهروب من الواقع

 

وهنا تأتى المرحلة الثالثة من الثورة السورية ، وهى مرحلة الهروب من الواقع الأليم .. هذه المرحلة ربما بدأت فى عام 2014 مع تأزم الوضع فى سوريا مقارنة بباقى بلدان الربيع العربي، وسط تمسك النظام بالحكم، وتغلغل الأسلحة، والقوات الأجنبية فى أرض سوريا .. بدأ الأدب السوري فى إيجاد نفق للهروب، ربما يفسر لنا علم النفس هذه المرحلة أكثر، فالإنسان منا يصاب ربما فى المشاكل الكبيرة بصدمة نفسية، تجعله يفضل الهرب، ليس بسبب عجزه وإنما بسبب عدم قدرته على تحليل المواقف والأمور بشكل واضح ..

هذه المرحلة كانت واضحة فى رواية “الروايات” للكاتبة مها حسن والتى لم تتحدث عن الثورة وسوريا، وإنما تحدثت عن عالمها هى، عالمها الخاص ككاتبة وما تشعر به … تحدثت فيها عن اختلاط عالم الكاتبة بعالم البطلة بشكل فلسفي جميل .. عمل هادئ وسط أمواج عاتية من الاضطرابات التى كانت تضرب سوريا فى ذلك الحين ..

المرحلة الرابعة: الواقع المرير

 

فى نهاية المرحلة الثالثة وحينما نعجز عن الهروب من الواقع، نعود إليه ونري ماذا حدث .. فى ذلك الحين ندرك ما تم تدميره حقاً، نري الدمار كما يجب أن نراه، ونري فداحة ما وصل به واقعنا المرير .. فى هذه المرحلة وبالتحديد عام 2016 وتفشي مشكلة داعش، والجماعات الإسلامية فى سوريا الثورة، وظهور دولة إسلامية على أرض دولتنا الشامخة سوريا ..

ربما يتذكر البعض منا بداية تدمير الآثار سواء فى سوريا أو العراق باسم الدين .. وهنا تأثر الكاتب تيسير خلف وخرج برائعته الادبية “مدينة الفلاسفة” والتى أرخ فيها اللحظات الاخيرة من المدينة التاريخية تدمر، والتى أشتهرت بأنها كابوس الدولة الإسلامية لما بها من آثار – على حد قولهم – ضد الدين ويجب أن يتم تدميرها ..

تدور أحداث الرواية على لسان حكيم مدينة تدمر “زنوبيا”  ومشروع المدينة الفاضلة فى تلك المدينة التاريخية، والتى بدأ بالفعل فى وضع الأحجار الاولي لهذا المشروع الكبير، ولكن لا يكتمل بسبب غزو الإمبراطور الروماني أورليانوس بمساعدة بعض القبائل العربية الهمجية والتى كانت تعارض هذا التمدن ، وهذا المشروع العريق ..

“مدينة الفلاسفة” كان هو العمل الأكثر إيلاماً، والوتر الموجع فى مشوار الأدب السوري على خُطى الثورة هناك، تألمنا فيها لسقوط الأسوار والمدن والحضارة أكثر مما تألمنا لسقوط البشر والأرواح .. فالحضارات هى نتيجة عمل متواصل للكثير من الأرواح والتى ربما تكون قد ضحت بنفسها من أجل الحضارة .. فالحضارات أسمى وأهم من الأرواح والبشر ..

سقطت مدينة الفلاسفة على غرار سقوط دمشق، وحلب، والعديد من المدن السورية ..

المرحلة الخامسة: مرحلة النضج

المرحل الأخيرة دائماً هى مرحلة النضج، تعريف النضج فى اللغة العربية هى جُملة التغييرات التى تطرأ نتيجة مرور الشخص بالعديد من المراحل والتطورات .. وهنا تأتى المرحلة الأخيرة فى رحلتنا أثناء الثورة السورية وهى مرحلة النضج وفهم بعض الأمور.

سياسياً فى هذه المرحلة فشلت المقاومة الخارجية فى إيجاد الحل، وظل النظام قائم كما هو، وتألم العالم بسبب ظهور الجماعات المتطرفة وخافت الدول الغربية بسبب ظهور هذه الجماعات .. الأمر الذى أدى إلى التدخل العسكري فى سوريا بشكل مباشر وواضح وصريح، وبالتالى الساحة السياسية أصبحت أكثر ووضوحاً ، وهذا أعطى الضوء الأخضر لمرحلة النضج الأدبى فى الأدب السوري المعاصر ..

ظهر هذا النضج فى غزارة الأعمال الأدبية والتى كان من أبرزها “نزوح مريم” للروائي محمود حسن الجاسم والذى يتحدث عن بطلة الرواية والتى تعمل مدرسة للغة الإنجليزية والتى تتزوج المهندس الشاب وينجب منها مريم (محور الرواية)، وتعيش الأسرة فى مدينة الرّقة والتى تجتاحها الجماعات السلفية الجهادية ، ولا تجد والدة مريم (المسيحية) والتى تزوجت بالمهندس المسلم الشاب إلا أن تهرب سريعاً من براثن هذه الجماعة لتهرب إلى مسقط رأسها، وتجد أن جماعات الشبيحة (جماعة مسلحة تابعة للنظام) تسيطر على المدينة .. تحمل سارة ابنتها مريم إلى المجهول وتحاول الهرب بها إلى خارج سوريا لتسقط فى يد جماعات التهريب والتى لا ترحم ، وتدون أثناء ذلك آلام النزوح والهرب .. وتدون معها آلام سوريا الجريحة.

0

شاركنا رأيك حول "كيف انعكست ثماني سنوات من الحرب على الأدب السوري؟"

أضف تعليقًا