كيف تتحدى شعوب العالم ظروفها؟ التجربة الهولندية

وصف هولندا
1

ما الذي يخطر ببالك عندما أقول: هولندا؟ قد تكون أزهار التوليب، الدراجات الهوائية التي تغزو العاصمة أمستردام، أو ربّما هي المقاهي المُرخّصة ببيع عدّة أنواع من المخدّرات، متحف فان جوغ، منطقة الأضواء الحمراء الإباحية، أم المنازل بسقفها الفريد المُدرَّج؟

ربّما لن يخطر أيٌ ممّا سبق ذكره إلا على المهتمّين بالقراءة أو بالسفر.. لكنّ الأكيد هو أنّكم جميعًا قد رأيتم من قبل صورة لواحدة من طواحين هولندا المجيدة التي مازالت تتراقص مَراوِحها بوقار مع نسمات الهواء إلى اليوم.

الطاحونة الهولندية

الطواحين الهولندية عجائزٌ يتجاوز عمرها خمسة قرون.. رأينا كثيرًا من مثيلاتها في الرسوم المتحرّكة القديمة، ونعرف أنّها تحوّل الطاقة الهوائية إلى طاقة حركية تُستخدم لضخّ الماء من الأراضي الغارقة تحت مستوى سطح البحر إلى الأنهار القريبة، ليتمكّن السكان من استغلال الأرض للفلاحة والسكن.

الطاحونة الهولندية أنقذت هولندا وأهلها من الغرق لوقتٍ طويل، وتستحقّ بجدارة مكانها في لائحة اليونسكو للتراث العالمي الذي مُنِح لها سنة 1997م.

أمّا اليوم، هذه الطاحونة متقاعدة.. فمن يقوم بمهامّها يا تُرى؟

أبطال هولندا الخارقون

القنوات المائية

يجب أن تعرف أنّ أكثر من ربع مساحة هولندا تمتدّ تحت مستوى سطح البحر!  

ولكي يتمكّن الهولنديون من التعايش مع كلّ تلك المياه، قاموا في حدود القرن السابع عشر بإنشاء قنوات مائية يستعملونها للتنقل بالقوارب، السقي، إدارة المياه، وكذلك لأغراض دفاعية.

فمثلا، العاصمة أمستردام تُكنّى بـ”فينيسا الشمال”، وتحتوي على أكثر من 165 قناة مائية تلتفّ حول المدينة في حلقات متتالية تشق النسيج العمراني. يُطلق على مجموع هذه القنوات اسم “Grachtengordel” أو “The Canal Ring” نسبة إلى شكلها الحَلقي، وقد تمّ ضمّها إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي سنة 2010م.

القنوات المائية في هولندا تُعتبر اليوم جزءً مهمّا من ثقافة البلد ومن الحياة اليومية للسكان.. وكما أنّها تشكّل حلاً دائمًا يمنع غرق البنايات، فهي بالمقابل تمثّل خطرًا على كلّ الناس المارّين بقربها، فإمكانية الوقوع فيها ليست أمرًا مُستبعدًا، وقد حدث ذلك بالفعل!

ولتفادي أخطار الغرق في القنوات المائية، فإنّ لدى الهولنديين دروسٌ خاصة بالسباحة يتلقّاها الأطفال ابتداءً من عمر السادسة، ويتعلّمون فيها كيفية السباحة بملابسهم وأحذيتهم لكي يتمكّنوا من تجاوز الخطر في حالة الوقوع في قناة مائية. بعد الانتهاء من سلسلة الدروس، يُمتحن الأطفال وتقدّم “شهادة السباحة” للذين تمكّنوا من اجتياز الاختبار بنجاح!

إن كانت تبدو لك الحياة في هولندا مثيرة للأدرينالين، فماذا لو علمت أنّ الاحتباس الحراري المُزمن الذي تعاني منه الأرض يؤدّي إلى ارتفاع دائم في مستوى سطح البحر في كلّ مكان، وأنّ الطواحين والقنوات المائية حلولٌ قديمة لم تعد تكفي..تخيّلت الوضع؟ والآن، هل تتساءل كيف لم تغرق هولندا؟

محرّك الرّمل

سنة 2011م، شهد جنوب هولندا إطلاق واحدة من أضخم التجارب العلمية المتعلّقة بحماية السواحل، وهي: “The Sand Motor – محرّك الرّمل”.

المشروع جاء لمعالجة مشكل انجراف رمال الشاطئ بسبب الأمواج،كما أنّه مصمّم ليلعب دور كاسر أمواج لحماية الساحل من خطر الفيضان في حالة ارتفاع مستوى سطح البحر.

ومحرّك الرّمل عبارة عن جزيرة اصطناعية عقفاءُ الشكل طولها كيلومتران (2 كم) وعرضها كيلومتر واحد، مصنوعة من الرّمل، والهدف منها هو تعزيز الشاطئ بكميات إضافية من الرمل اعتمادًا على قوى الطبيعة؛ حيث تقوم التيارات المائية (الأمواج) والهوائية (الرياح) بدفع الرّمل المشكِّل للجزيرة الاصطناعية نحو الشاطئ.

لمدّة خمس سنوات، قام المشرفون على هذا المشروع بمراقبة تطوّر الشاطئ، قاع البحر، التيارات، الكثبان الرملية، نمو وتكيّف الحيوانات والنباتات في الظروف الجديدة، والنشاطات الترفيهية والرياضية الممارسة على الشاطئ، وسنة 2016م، أعلنوا عن النتائج التي توصّلوا إليها، وقد كانت إيجابيةً في مُجملها، خاصة أنّ التيارات قد دفعت رمال المحرّك نحو الشاطئ ولم تجرفها بعيدًا عنه.

وبهذا يكون قد توصّل فريق البحث المشرف على محرّك الرمل إلى حلّ فعّال و”صديق للطبيعة” يمكن تطبيقه في عدّة مناطق ساحلية أخرى في هولندا وحول العالم.

أعمال دلتا – Delta Works

دلتا هولندا

تقع في الجنوب الغربي لأراضي هولندا، وهي سلسلة تتضمّن 13 مشروعًا بنائيًا (سدود، حواجز..الخ) هدفها إنشاء حاجز فاصل بين بحر الشمال وأنهار الراين، الميز وشخيلت، وذلك لحماية الأراضي المجاورة للأنهار من الفياضانات الكارثية كتلك التي حدثت سنة 1953م في جنوب البلد، وأدّت إلى هلاك حوالي ألف شخص، مئتي ألف رأس من الماشية، وخراب شامل للممتلكات.

أبرز ما يميّز سلسلة “أعمال دلتا” هو حاجز شخليت الشرقي الذي كثيرًا ما يصنّف ضمن عجائب الدّنيا الحديثة، والذي تمّ بناؤه سنة 1986م، وهو حاجز عملاق طوله أكثر من 3 كم، مكوّنٌ من 65 عمودًا ضخمًا من الإسمنت، ومزوّدٌ بأبواب منزلقة (sliding doors) تُغلق أثناء العواصف وعند ارتفاع مستوى سطح البحر بفعل المدّ، أمّا في حالة عدم وجود أخطار، تبقى الأبواب مفتوحة للحفاظ على مُلُوحَة المحمية الطبيعية في شخليت الشرقي.

سلسلة “أعمال دلتا” مازالت إلى اليوم أضخم سد مضادّ للعواصف في العالم.

قاعدة “فلتأخذ المياه مجاريها”

 

حين ظنّت هولندا أنّها تمكّنت من النجاة من الماء، جاء التغير المناخي وقَلَب الطاولة.

الكثير من “الأراضي المُستصلحة من البحر والأنهار” (المسمّاة: “Polders”) كانت تمتدّ دون مستوى سطح البحر بهدوء تحت حماية السدود والحواجز التي تحيط بها وتدفع عنها شرّ الأنهار.

اليوم، مع ارتفاع مستوى سطح البحر والأنهار، لم تعد الحواجز تكفي لمنع الماء من الاندفاع إلى الأرض، والحلّ الوحيد هو زيادة ارتفاع هذه الحواجز.

المفاجأة كانت كبرى حين قرّرت السلطات التخفيض من ارتفاع الحواجز، وذلك كي تغمر المياه الأراضي المنخفضة، ضمن مخطّط هدفه أن تأخذ المياه مجراها، وأن تعود الأنهار لتستقر في حدود المساحات التي كانت ملكها أصلًا، وأن تتوقّف هولندا عن معاملة الماء كعدو، وأن تبدأ محاولة عقد السلام معه.

إعادة الأراضي للأنهار ليس أمرًا سهلاً، فلكلّ أرض سكانها الذين توارثوها جيلًا عن جيل، والكثير منهم يعتبرها جزءً من الإرث العائلي الذي لا يقدّر بثمن.

بدأ المتحدّثون باسم مشروع “Room for the River ” بالنقاش مع أهل هذه الأراضي منذ أكثر من عقد من الزمن، وقد انتهت جلّ المحادثات بالوصول إلى خيارين: إمّا أن يبقى مالك الأرض في منزله، وأن تساعده الدولة في تحصينه من الماء بنقله فوق تلّة اصطناعية، أو أن تُباع الأرض للدولة بسعر السوق وأن ينتقل المالك إلى مكانٍ أكثر أمانًا.

إعادة المياه إلى مجاريها يسمح بحماية ملايين الأشخاص في مناطق بعيدة عن أراضي الـ”Polders”، ويسمح كذلك للطبيعة بأن تستعيد شكلها البرّي، الأمر الذي يستقطب الكثير من السياح.

وفي ذات سياق مبدإ “العمل مع الطبيعة”، قامت العديد من المدن الهولندية بإعادة تصميم بعض أجزائها، وذلك ببناء مساحات عمومية (ساحات، ملاعب.. الخ) منخفضة عن مستوى الأرض العادي، لتهييئها للعمل كأحواض مائية تستقبل مياه الأمطار التي تُساق إليها من المناطق المجاورة، وبهذا يكون لهذه المساحات استعمال مزدوج: مكان عمومي فعّال عند الصّحو، وحوض مائي عند سقوط الأمطار بغزارة.

حلول إبداعية

في سبيل التكيّف مع الماء، قام عدد من المهندسين المعماريين بتصميم منازل عائمة “Floating Houses” بدأ تسويقها بالفعل، وقد لاقت إعجاب واستحسان الكثير من الأشخاص داخل وخارج هولندا.

الهولنديون قاموا أيضًا بإحياء “الحدائق المعلّقة”، بجعل أسطح المنازل حدائق مزدهرة هدفها زيادة المساحات الخضراء وتعديل مناخ المدن.

وأنتم، هل تعرفون حلولًا أخرى استُعمِلت في هولندا لحماية السكان من الفيضانات؟

شاركونا إيّاها في التعليقات

1