التجنيد العسكري: خدمة وطن أم تضحية بالفقراء؟

الخدمة العسكرية
0

مؤخرًا، أصبحت كلمة شهيد مثيرة للألم والسخرية في نفس الوقت. إذ أنّها غيّرت معناها المُتعارف عليه، لتشمل مَجالات أخرى ومعانٍ لم تكن قد طرقت أبوابها مُسبقًا.

فُلان ماتَ وهو يسرق الكهرباء، دعوه وشأنه فهذا شهيد. فُلان آخر مات دفاعًا عن وطنه، اتركوه هذا شهيدنا المغوار. فلان مات وهو يدافع عن نفس وطن الشهيد السابق، إلا أن السابق يعتبره عدوًا، دعوه هذا وشأنه أيضًا فهو شهيد.

فلان مات من الفقر، شهيد. فلان مات من الجوع شهيد. فلان ضحكَ عليه رجل دين وأقنعه بتفجير نفسه في سبيل جنة عدن جنسية يحلم بها، دعوه فهذا شهيد الأفخاذ التي حلمَ بها. وتطول القائمة وتطول.

بعيدًا عن كل حالات الشهادة السابقة التي يصر جميع مُرتاديها أنهم شهداء، سنعطي هنا للشهادة معنى آخر لم تكن تعرفه مُسبقًا، التعريف الذي سنقترحه هنا هو الاستغلال! فلنستبدل إذًا كل هذه الشهادات ها هنا، ولنضع مكانها مُرادفة الاستغلال.

عندما تسمع كلمة شهيد، اعلم مُباشرةً أن هناك شخص ما قد استغل ساذجًا بسيطًا ليجعله يضحي بنفسه ويموت. لا سيما إن كان موضوع الشهادة البطولي الذي يُضحك على الناس به، بالإمكان تجنبه ببضعة اتصالات عالية المستوى بين الأوغاد الذين يحكمون العالم.

لا يوجد شيء يسمى شهيد، يوجد إنسان بسيط فقير تم استغلاله بنجاح من قبل رجل سياسة أو دين أو أي وغد آخر من هؤلاء.

الشهيد كلمة مُستطيلة ويمكن أن تضع بها أي إنسان تُحبه مات مؤخرًا فقط لكي تقنع نفسك النرجسية أنه لم يمت سُدى. سامحنا أيها القارئ العزيز، لكن جميع الشهداء قد ماتوا سُدى وضُحك عليهم. ألا ترى أن هذه الكلمة يستخدمها أي فريق ليصف حادثة موت جماعتهم دون سواهم؟ لماذا الذين يدفعونك لتصبح شهيدًا لا يستشهدون هم بأنفسهم طالما أنه شرف عظيم؟

إجابة هذه الأسئلة تتطلب الولوج إلى واحدة من أبرز معضلات الشهادة في الوطن العربي خاصةً والعالم عامةً ألا وهي الخدمة العسكرية وتجنيدها الإجباري في الكثير من بقاع العالم.

هناك العديد من الفرضيات التي لا تزال تتصارع إلى الآن لتفسّر موضوع التجنيد وواجبه ونتائجه، ولا بد هنا أن نعرض بعضًا منها كما هي، ولنترك للقارئ بعدها حكم التقرير في هذا الموضوع.

الفرضية الأولى: الوطن يا أيها الخائن!

الفرضية الرسمية والحكومية لكل بلد. وهي أن الشباب عامةً والذكور خاصةً يجب أن يدفعوا سنين من عمرهم في سبيل خدمة الوطن الغالي الذي قدّم لهم الأمن والأمان والاطمئنان. حتى وإن لم يقدّم لهم أي شيء حتى، فالتجنيد إجباريٌ للجميع، أي أنك في كلتا الحالتين يجب أن تدفع الثمن وتخدمه، شئت ذلك أم أبيت.

النظرة العامة على الذي يتسرّب من خدمة العلم في الجو العام لهذه البلاد أنه ذكر ضعيف بلا شخصية، أو أنّ أباه مليونيرًا استطاع أن يحجز له طائرة نحو بلاد جديدة لا تتشدّق كثيرًا بفكرة بالوطن بل تخدمه فعليًا وليس بالإعلانات. أيًا كان الأمر المهم أنه خرجَ من وطنه نحو وطن آخر بديل.

مهما كانت تلك الصفات، ومهما كان الوصف بضعف الوطنية أو الذكورية المتدنية وما شابهها، يبقى وصف متسربي خدمة العلم فقط محدود ضمن أصحاب هذه الفرضية الوطنية، الوطنيون الذي يؤمنون أن لكل شاب في هذه الأرض ضريبة يجب عليه أن يدفعها كونه وُلد في حدود جغرافيته الضيقة.

الفرضية الثانية: المضحوك عليهم..

أصحاب الفرضية المعاكسة للفرضية الأولى تمامًا. يؤمن هؤلاء أن الوطن مجرد كذبة كبيرة يتداولها أصحاب السلطات لكي يقنعوا المغفلين الفقراء بالتضحية بأنفسهم. فأي وطن هذا تريد أن تدافع عنه؟ وطن محدود بتقسيمات اتفاقية سايكس بيكو التي لم يمر عليها مئة عام بعد؟

وطن يدعس عليك كل يوم فيه في الصباح والمساء؟ وطن أرقى مهامه هو طحن فرصة أي شخص يُريد أن يحدث أملًا للإصلاح في أي مجالٍ كان؟

لا نريد أن نخدم وطنًا وهميًا، وطنًا يضحي بكَ بأرخص الأثمان، لا سيما أن كثير من التضحيات والشهداء الذين يُتشدق بهم هنا وهناك كان بالإمكان تجنب وفياتهم من خلال اتصالات سياسية أو تحركات جديدة ومصالحات، لكن الأوغاد لا يعقلون، ولأن المغفلين الفقراء البسطاء هو الوحيدون الذي يقدمون نفسهم قرابين فداءً لأفكار لا يعلمون شيئًا عنها.

هذا كله من ناحية الوطن العام المعروف لدى الجميع في كل دولة.

الآن ننتقل إلى أوغاد الوطن الأكبر الذي يضعون الدين كغاية أسمى من الوطن. ولتعلم عزيزي القارئ أن معظم أصحاب الحركات الثورية اليسارية ستجدهم هم نفسهم أوغاد الأديان، والتفسير في ذلك بسيط جدًا فهل سألت نفسك لماذا؟

لأن مفهوم الوطن لديهم هو الدين، وأن جميع الحكومات كافرة والعياذ بالله، وأن الحكم كله لله. بالتالي لا يكون منهم إلا أن يجيّشون البسطاء المغفلين ويقنعوهم بالصبر والشهادة، وأن هناك فخوذ عارية ستنتظرهم في جنةٍ عرضها السماوات والأرض. ولا شيء أسهل في هذه الدنيا من ركوب الحمقى المكبوتين جنسيًا. ومن ثم تندهش لتجد أحدهم يفجر نفسه هنا وآخر هناك!

أوغاد الوطن الأوّل يؤمنون بالحكومة، أوغاد الوطن الثاني يؤمنون بالدين. وكلاهما أفشل من بعضهما.

مُضحكين جدًا هؤلاء الذين يرون أن الوطنية مفهوم قذر وأن الدين يجب أن يكون أعلى من الوطنية ليشمل ثقافات مختلفة من هنا وهناك. وهم أنفسهم على أمور بسيطة يمتلكون 10 مذاهب و1000 رأي! وكل فرقة تدعي بالويل والثبور على الأخرى! ومن ثم تُريد هؤلاء أن يقودوا وطن! يا عزيزي هؤلاء غير قادرين إلا على قيادة قطيع من الأبقار البشرية.

الفرضية الثالثة: الوطن حداثيًا

بعيدًا عن مؤيدي الحكومات والوطنيون جدًا لسبب أنهم ولدوا في أوطان لم يختاروها، أصحاب الفرضية الأولى المؤيدة. وبعيدًا عن أوغاد الثورية الهائجة وأوغاد الدين الذين لا يلبثون أن يصبحوا أوغادًا بشهادات عُليا فور استلامهم. فإن الفرضية الثالثة تملك الجانب الأكثر هدوءًا واتزانًا من فهم موضوع الخدمة العسكرية وإلزامية التجنيد.

الفرضية الحديثة تقول أن المؤسسة العسكرية تساهم في تحديد ذكورية الشباب واندفاعهم الحماسي ضمن نطاق مفيد يستغله الصالح العام في سبيل تهذيب هذا الفرد من جهة وفي سبيل استغلال قدرات الشباب المتاحة في هذه الفترة من أخرى. لا سيما عند تلك الدول التي تكون خدمتها العسكرية إلزامية إلا أنها قصرة مقتضبة كروسيا وتركيا مثلًا. اذ تفرض الخدمة هنا سنة كاملة إجباريًا على كل الذكور.

يبدو هذا الرأي أكثر اتزانًا مما سبقه، إذ أن الوطن على الرغم من هشاشة فكرته لمن يتفكر بها إلا أنه أمر مهم لا يستطيع الإنسان العيش بدونه. خصوصًا أنه يساهم في صهر الشباب ضمن جماعات كُبرى يحشدها ما هو أكبر من المنافع الشخصية والتوزيعات الجغرافية والعرقية والدينية.

فالآن يمكننا أن نطرح السؤال من جديد محاولين الإجابة عليه.

لماذا نخدم الوطن؟ لربما نحن لا نخدم الوطن بقدر ما نخدم أنفسنا عندما ننضوي تحت إطار جامع لعدّة فرق وجماعات من صفات وخلفيات وأديان وأعراق مختلفة تحت مظلة واحدة تجمع الجميع وتربط بينهم.

ولربما هذا هو المصطلح تحديدًا هو الوطن. ولربما هذا هو الذي يجب أن يخدمه الناس.

أخدم الوطن؟ لا، الوطن هو أنا، أنا أخدم نفسي من خلال التعامل مع الجميع بالرغم من اختلافهم. عدا ذلك أنت مخدوع دون أن تدري.

0

شاركنا رأيك حول "التجنيد العسكري: خدمة وطن أم تضحية بالفقراء؟"