عن تخمة المدربين والاستشاريين والمنظرين في العالم العربي

2

أنا مصاب بتخمة حقيقية، لا ليست تخمة من الطعام والشراب، لكنها تخمة من التدريب والمدربين. تخمة من الدورات والاستشارات التي لا يمكن أن تهرب منها مهما حاولت. فهي في صفحات الفيسبوك وفي حسابات تويتر بالطبع قنوات اليوتيوب.

لقد صرت أغلق بابي كي لا أصطدم بهؤلاء. أفتح النافذة يدخل عشرة منهم، وأفتح صنبور المياه لينزل خمسة آخرون. وعندما أهرب من فيسبوك إلى تويتر، أجد هناك المزيد من التغريدات والحسابات عن الاستشاريين والمدربين والدورات التدربيبة والشهادات المعتمدة (من المريخ). وبالطبع عروض الحقائب التدريبية “3 بـ 1” وكأنه إعلان شامبو. لكن حتى الشامبو له فائدة أكبر، فهو على الأقل ينظف ويزيل القشرة من الشعر، ولكن ماذا عن قشرة  الغباء التي لا تزيلها مليون دورة تدريبية؟

خلطبيطة التدريب بصلصة السوشيال ميديا

التدريب ليس جديداً بالطبع، ولم يعد مصطلح التنمية البشرية دخيلاً كما كان في البداية. بل أننا تبنيناه في بلادنا وعملنا ولم نعد نطيق التخلي عنه حتى. وفي كل يوم يُخرّج لنا عشرات من المدربين الجدد.

وحتى بعد أن توقفت الدول التي صدّرت لنا هذا الأمر عن تداوله بكثافة ووضعته ضمن الإطار الذي يناسب حجمه، لا يزال البعض يهدف لأن يكون مدرّب تنمية بشرية. ولك أن تضع أي عنوان أو فكرة تحت هذا الاسم أو التوصيف حيث أنه مطاط تماماً ولا يتضمن أي معنى أصلي.

لكن قد لا يحتاج الأمر إلى حضور هذه الدورات ودفع تكاليفها الباهظة أصلاً. بل يكفي أن يقوم المرء بإنشاء صفحة باسم المدرب الفلاني. ومع هاتف له كاميرا جيدة يمكنه أن يبدأ تصوير بعض الفيديوهات التي يقول فيها كلاماً لا يسمن ولا يغني من جوع، يحكي قصة ربما قرأها في كتاب ما، أو يتحدث في موضوع قرأ عنه بضع مقالات أو كتاباً ربما، ثم يملك الجرأة ليتحدث عنه ويفتي رأيه الخارق به.

اكتب كلمة (المدرب) في خانة البحث في فيسبوك وانظر إلى عدد النتائج المهول الذي سيظهر لك. كل واحد منهم سيسرد لك في صفحات مطولة عن عدد الدورات التي حضرها والخبرات التي حصل عليها والشهادات التي يعلقها على حائطه وهو لا يزال دون الثلاثين من عمره.

سلطة الشهادات المعتمدة

لا يمكن أن ننكر أننا كعرب نعاني من “عقدة الخواجة”. وأي شيء قادم من الدول الأجنبية أو مصنوع فيها ولو كان مجرد ولاعة يعد ثميناً. حتى بعد أن نكتشف عبارة (Made In China) عليه. حتى البضائع الصينية لديهم نخب أول وعندنا نخب عاشر وهي حقيقة لا يمكن أن ننكرها في ظل تردي الصناعات العربية وانخفاض الجودة فيها، وطبعاً هذا ينطبق على التعليم.

فمن يحمل شهادة مكتوبة باللغة الإنجليزية أو تحمل ختماً لجامعة أجنبية من دولة أوروبية ما أو ربما جامعة في بلدة أمريكية منزوية غير معروفة لسكان منطقتها يمتلك أهمية أكبر. ومهما كان مصدر تلك الشهادة فحاملها يُعامل بطريقة مختلفة ويُمنح ميزات في العمل وأولوية في المجالس والاجتماعات. فهو العالِم الخبير الذي جاء يحمل لنا خبرات العالم المتقدم ويمنحها لنا. وكأنه أعاد اكتشاف النار وجاء يتكرم علينا بإعطائنا قبساً منها.

طبعاً لا يمكن لأي شخص مثلي ومثلك أن يعرف كل الجامعات والمعاهد الأجنبية المعترف فيها والموثوقة علمياً. لذا استغل كثير من الأشخاص هذه النقطة وقاموا بإنشاء أسماء في دول أجنبية، وإصدار شهادات منها بدعوى أنها جامعة أو مؤسسة معتمدة في التنمية البشرية.

وطبعاً شهادة من مؤسسة أجنبية تعني مبالغ كبيرة تدفع ككلفة للدورة التدريبية والأهم للشهادة. والملام  هذا هو المتدرب الذي يسعى للحصول على أي شهادة ذات طابع أجنبي، وبالطبع المؤسسة التي ترعى التدريب والتي غالباً ما تتفق مع المدرب نفسه للحصول على نسبة من المبالغ المدفوعة. وكما يقال: “رزق الهبل على المجانين”.

حساء المدربين

التطور الطبيعي لهذه الظاهرة هي الاستشاريون الذين يخرجون لنا من كل مكان ليتحدثوا بكل شيء. بداية من الاستشارات النفسية ووصولاً إلى الحياة الزوجية والعمل الإداري وكل ما يخطر بالبال من تخصصات لا علاقة لهم بها من قريب أو بعيد.

حيث من الشائع أن تجد من يقول عن نفسه أنه “استشاري نفسي” يقوم ببسطة يهدم دراسة طبيب لـ 6 سنوات ثم تخصصه في الطب النفسي وتدربه على يد طبيب آخر ومشاهدة عشرات بل مئات الحالات. وبالطبع ينصب نفسه مكان الطبيب بل يعتبر نفسه أفقه منه لأن الطبيب لن يفعل شيئاً سوى أنه يصف الدواء. وكأن وصف الدواء لمن يحتاجه أمر بسيط يقدر عليه أي شخص.

لو جربت وطلبت من أحد المدربين الذين يتحدثون عن الإدارة والتعامل مع الموظفين أن يستلم منصباً ما في شركة، فالأرجح أنه لن يقبل، ولا أقصد التعميم هنا لكن للأسف نحن أمة تجيد الكلام ولا تعرف العمل. أو أنها تجد أن العمل أصعب من أن تواظب عليه وأقل مردوداً مادياً فتلجأ لطرح النظريات وإرشاد الناس لما يجب عليهم أن يقوموا به.

بالطبع فالتنظير عادة ما يكون أسهل من التنفيذ للمدربين، والسبب هنا ليس التعب بالعمل مثلاً، بل كون التنظير يعطي إعفاءً تلقائياً من المسؤولية. ففي حال كنت المسؤول المباشر في العمل فأنت تتحمل تبعات قراراتك وتوجيهاتك. لكن عندما تكون مجرد مدرب يرمي الكلام فقط يمكنك دائماً التهرب من الأمر نقل اللوم إلى الإدارة التي لم تحسن تنفيذ توصياتك العظيمة.

بالمحصلة، حتى كاتب هذا المقال يجلس وراء حاسوبه ويتحدث عن مشكلات فقط وينظر على القراء. لكن هل يعني هذا أن نتوقف عن الحديث؟ أو أننا لا نحتاج استشاريين أو مدربين؟

بالطبع لا. لكننا نحتاج لمفكرين وفلاسفة ومدربين واستشاريين بمستوى معين، وليس كل من حضر دورات تدريبية ليتحول إلى مدرب خلال أيام.

كم ورشة تدريبية تتحدث عن إدارة المشاريع الصغيرة؟ وفي النهاية يخرج المتدربون من هذه الورشات ليعطوا دورات في إدارة المشاريع الصغيرة مجدداً ضمن حلقة لا نهائية. ويستمر الأمر مع المزيد والمزيد من المدربي الذين أصبحوا أكثر من حاجة سوق العمل بمراحل. فمهما كانت الحاجة إلى التدريب شديدة، لا يعقل أن يتحول نصف الشعب إلى مدربين وبالطبع مع أدنى حد ممكن من المعرفة والخبرة.

2

شاركنا رأيك حول "عن تخمة المدربين والاستشاريين والمنظرين في العالم العربي"