الكون ليس على ما يرام، والحال لا ينبغي أن يكون كذلك!

الكون ليس على ما يرام
2

ربما سير الأحداث في حياتي وحياتك اليومية يدفعنا لقول هذه العبارة على نحوٍ مجازي، لكن وللأسف هذه المرة لا شأن لاستعاراتنا بالموضوع.

الكون ليس على ما يرام
تبين هذه الصورة التي التقطها تلسكوب هابل الفضائي كوازار بصورة مضاعفة، وتصوير الكوازارات صور مضاعفة هو تقنية جديدة تُستخدم لقياس ثابت هابل. يمكن لتقنية التصوير هذه المستخدمة في قياس ثابت هابل أن تُساعد العلماء على فهمٍ أفضل للكيفية التي يختلف فيها معدل توسع الكون مع الزمن. 

يمكن القول أن أمور الكون ليست على ما يرام، على الأقل وفقًا لمعرفة كل الفيزيائيين حتى الآن؛ النجوم والمجرات والثقوب السوداء وكل الأجرام السماوية الأخرى تجري مبتعدة عن بعضها البعض بشكل متسارع مع مرور الوقت. لقد كشفت القياسات الأخيرة التي جرت في كوننا الحالي أن الكون ينفجر متوسعًا بسرعةٍ لم يسبق لها مثيل منذ بدايته. والحال لا ينبغي أن يكون كذلك، كما يقول أفضل العلماء الذين وصفوا الكون.

أمر ما يجري

إن كان قياسهم لما يُسمى ثابت هابل صحيحًا، سيعني ذلك افتقار النموذج الحالي لفيزياء جديدة بالغة الأهمية، كفيزياء غير معلومةٍ بعد تتعلق بالجسيمات الأساسية، أو أن أمرًا غريبًا تمر به المادة الغامضة المعروفة بالطاقة المظلمة.

الآن، وفي دراسةٍ جديدة نُشرت مؤخرًا في دورية Monthly Notices of the Royal Astronomical Society، قام العلماء بقياس ثابت هابل بطريقةٍ مختلفةٍ كليًّا، أكدّت أن الكون يتوسع الآن بسرعةٍ أكبر من توسعه في بدايته.

ولتفسير كيف انتقل الكون من كونه بقعة حساءٍ كثيفة من البلازما إلى المتوسع الذي نراه اليوم، اقترح العلماء ما يُعرف بنموذج مادة لامدا المظلمة الباردة LCDM. يفرض هذا النموذج قيودًا على خصائص المادة المظلمة، وهي نوع من المادة تطبق جذبًا ثقاليًا لكنها لا تصدر أي ضوء، كما تصدر طاقة مظلمة والتي يبدو أنها المقابل المضاد للجاذبية. LCDM كنموذج يمكنه أن يعيد إنتاج بنية المجرات وإشعاع الخلفية الكونية الميكروي بنجاح -وهو الضوء الأول الذي عرفه الكون- إضافةً إلى كميات الهيدروجين والهيليوم الموجودتين في الكون. لكن هذا النموذج لا يمكنه أن يفسر سبب توسع الكون الآن بشكل أسرع عن بداياته.

هذا يعني إما أن نموذج LCDM هو نموذج خاطئ، أو أن قياسات معدل التوسع هي كذلك.

ترمي الطريقة الجديدة المتبعة إلى وضع حد للجدل القائم بشأن معدل التوسع، وحتى الآن تؤكد القياسات المستقلة هذا التناقض، ما يشير إلى حاجة محتملة لفيزياء جديدة.

ولوضع قيمة نهائية لثابت هابل، استخدم العلماء مسبقًا طرق عدة؛ فبعضهم استخدم المستعرات العظمى الموجودة في الكون اليوم، والسفيدات (وهي نجوم لها دورة توهج متغيرة بشكلٍ دوري، ويرتبط تردد هذه الدورة بلمعان النجم)، أو نمط النجوم النابضة التي تومض وتتوهج بانتظام. وما زال هناك من يدرس استخدام إشعاع الخلفية الكونية.

في البحث الجديد، التقنية المستخدمة تتضمن كوازارات -وهي مجرات شديدة التوهج تستمد طاقتها من ثقب أسود- وذلك سعيًا لحل هذه العقدة.

“مهما كانت دقة التجربة، يمكن دومًا أن توجد بعض التأثيرات الناجمة عن انواع الأدوات المستخدمة في القياس. لذا حين تخرج مجموعةٍ بمثل هذه النتائج وتستخدم معدات مختلفة تمامًا.. لتحصل على الإجابة نفسها، حينها ستخلص وبسهولة إلى أن هذه النتيجة ليست متأثرة بخلل في التقنيات المستخدمة، وأعتقد أن يقيننا بخطبٍ ما آخذ بالتزايد”.
أدام ريس Adam Riess، باحث في معهد علوم تلسكوب الفضاء في جامعة جون هوبكنز، وحاصل على جائزة نوبل.

آلية عمل التقنية

حين يمر الضوء القادم من الكوازارات بمجرة بينية، تسبب جاذبية المجرة انحناء الضوء ثقاليًا، قبل اصطدامه بالأرض. وتسلك المجرة سلوك عدسات تحرف ضوء الكوازارات لتصنع منه نسخًا عديدة، وأكثرها شيوعًا هو اثنان أو أربعة تبعًا لانتظام الكوازارات بالنسبة إلى المجرة. وتشق كل من هذه النسخ طريقًا مختلفًا قليلًا حول المجرة.

ولا تتوهج الكوازارات باستقرار كالعديد من النجوم، إذ يتراوج لمعانها من عدة ساعات وحتى ملايين السنين، وذلك وفقًا لكمية المواد المتساقطة في ثقوبها السوداء المركزية، لذا وعندما يتم تعديس صورة كوازار إلى نسخٍ متعددة مع مسارات ضوئيةٍ غير متكافئة، سينتج عن أي اختلاف في توهج الكوازار تذبذب ضئيل بين النسختين، كما سيستغرق ضوء إحدى النسختين زمنًا أطول بقليل ليصل الأرض.

انطلاقًا من هذه الفارق، تمكن العلماء من تحديد المسافة التي تفصلنا عن الكوازار والمجرة الوسيطة بدقة. ولحساب ثابت هابل، قارن العلماء المسافة بالانزياح نحو الأحمر، أو انحراف الأطوال الموجية نحو النهاية الحمراء من ألوان الطيف (والذي يظهر مقدار تمدد الضوء الصادر عن الجسم نتيجة لتوسع الكوني).

لقد تمت دراسة الضوء من الأنظمة التي تخلق أربع صور، أو نسخ، من الكوازارات. لكن الأطروحة الجديدة بينت بنجاح أنه من الممكن قياس ثابت هابل من الأنظمة التي ينتج عنها نسختين فقط عن الكوازار. وسيزيد ذلك عدد الأنظمة التي يمكن دراستها، ما يتيح قياس ثابت هابل بدقةٍ أكبر، فالكوازارت التي ينتج عنها نسختين تبلغ خمسة أضعاف تلك التي ينتج عنها أربع.

وتبلغ قيمة ثابت هابل المحسوبة من التعديس المزدوج، إلى جانب ثلاثًا من المقاسة مسبقًا بأنظمة التعديس الرباعي، 72.5 كيلومتر في الثانية لكل ميغابارسيك، ويتفق ذلك مع قياسات كونية حالية، ولكنها تبقى أعلى بمقدار 8% عما كانت عليه في الكون المبكر. وبتطبيق التقنية الجديدة على أنظمةٍ أكثر، سيكون بمقدور الباحثين تحديد الفرق الدقيق بين القيمتين.

ومعرفة هذا الفارق هامة جدًا في معرفة ما يجري تمامًا. فمعرفة ثابت هابل بدقة لا تساعد العلماء على معرفة السرعة التي تتباعد فيها أجزاء الكون عن بعضها البعض، إذ أن القيمة أيضًا أمر ملح في تحديد عمر الكون والقياس الحقيقي للمجرات البعيدة. كما قد يقدم دلائل عن كمية المادة المظلمة في الكون والطاقة المظلمة الموجودتين فيه.

2

شاركنا رأيك حول "الكون ليس على ما يرام، والحال لا ينبغي أن يكون كذلك!"