المكتبة الغريبة: عندما كتب هاروكي موراكامي قصة أطفال فانتازية، ليست كذلك

المكتبة الغريبة
1

في الحقيقة، لا يمكنني نسيان أن بداية تعارفي على الأدب الياباني كانت عبر رواية كافكا على الشاطئ لـ هاروكي موراكامي. المضحك أنني لحظتها تخيلت أنه يقصد بـ كافكا الكاتب التشيكي الشهير فرانز كافكا، طبعا بعد أن قرأت الرواية أدركت مدى سطحيتي في الحكم على الكتب من عناوينها أو وضع بعض التصورات المسبقة لموضوعاتها. لكنني ظللت مدينة لهذه السطحية باكتشاف كاتب مهم مثل (هاروكي موراكامي).

هاروكي موراكامي هو كاتب ياباني شهير. ما يميزه كثيرًا بالنسبة لي هو تأثره الواضح بالثقافة الغربية، فهو مختلف كثيرًا عن كتاب يابانيين تغرق كتاباتهم في المحلية من خلال الإغراق في تفاصيل الثقافة والعادات والطقوس اليابانية التي أحيانًا قد لا تهم القارئ أو على أقل تقدير قد تؤثر على مدى تفاعله مع أحداث الرواية.

مع هاروكي يجد القارئ نفسه في عالم آخر مختلف. أحيانًا تبدو كتاباته غارقة في الماورائيات والسريالية فكأننا عندما نقرأ له نشاهد لوحة بتوقيع سلفادور دالي، مع الكثير من التفاصيل المختلفة المتداخلة في تركيبة واحدة تجذب النظر نحاول من خلالها بذل بعض الجهد الممتع لإيجاد الرابط الفعلي بين كل عناصر الرواية. بالمقابل تبدو روايات أخرى له كابوسية الأجواء ولكنها في النهاية ترمز إلى الحاضر والواقع العالمي بشكل أو بآخر.

قصةالمكتبة الغريبة” قصة قصيرة لموراكامي نشرها لأول مرة في مجلة يابانية في ثمانينات القرن الماضي ربما. لا تتجاوز صفحاتها الثلاثين صفحة. أكثر ما جذب انتباهي لها هو أجواءها القريبة بالفعل من أجواء كتابات فرانز كافكا وهكذا تحققت رؤيتي لهاروكي منذ بداية تعرفي عليهاختلف الكثيرون في تصنيف القصة بين الأدب الفنتازي أو أدب الرمز أو أدب الأطفالواختلف المترجمون أيضًا في ترجمة اسم القصة. فاسم العمل باليابانية هو “المكتبة الرائعة” وترجمه البعض المكتبة المخيفة أو السرية ولكن الغالبية اتفقوا على المكتبة الغريبة.

تخيلت أن القصة قد تبدو رائعة إذا تحولت إلى رسوم متحركة يستمتع الأطفال بمشاهدتها دون محاولة فك شفرتها. القصة باختصار تحكي عن طفل صغير يذهب إلى مكتبة عامة لقراءة كتب تساعده فى بحث عن عملية جمع الضرائب في الدولة العثمانية. ويطلب مشرف المكتبة أو الموظف بها من الطفل النزول إلى الطابق السفلي من المكتبة للبحث عن الكتب المطلوبة، حيث يتم اختطافه من قبل عجوز شرير.

ليتحول جو القصة مباشرة إلى عالم آخر كأنما تتصل تلك المكتبة بعالم آخر تظهر فيه شخصيات مختلفة وغريبة، منها شخصية راعي الخراف التي يتكرر ظهورها فى روايات هاروكي موراكامي بكثرة. ويحاول الراعي مساعدة الطفل في الإجابة على بعض أسئلة العجوز الصعبة حول ماهية القراءة وهواجس القراء. كما يصنع معه في مشهد لطيف بعض الحلوى.

تظهر أيضًا شخصية الفتاة البكماء التى يعجز الطفل عن التواصل معها. إلى هنا والقصة تبدو تمامًا قصة أطفال يأخذ عليها فقط أنها قد تسبب خوف لبعض الأطفال من الذهاب إلى المكتبات بصفة عامةولكن على غرار رحلات جليفر لـ جوناثان سويفت، يمكننا أن نقول أن الكاتب يصنع عالمًا كاملًا من الرموز ليصف الصراع الدائم من أجل المعرفة.

فالمكتبة قد ترمز إلى العلم والطفل إلى طالب العلم البسيط البريء. العجوز قد يرمز إلى القوى العظمى التى تحاول دائمًا أن تحتكر المعارف لفئة معينة، بينما الراعي إلى المقاومة والرغبة في التغيير والمساعدة. الفتاة البكماء قد ترمز إلى الإنسانية المجردة غير القادرة على التعبير عن نفسها ومخاوفها وتكتفي بقص حكاياتها من خلال حركات يدها.

تنتهي أحداث القصة فجأة، ليظل القارىء فى حيرة عما يقصدة الكاتب بالفعل. هل الأمر مجرد حلم؟ أم أنها مجرد قصة أطفال أخرى غارقة فى التخيلات اللامنطقية؟ أم أن هناك رسالة خفية يرغب هاروكي في نقلها كما فعل سويفت فى رحلات جليفر. لكن من الجدير بالذكر أن أغلب أعمال هاروكي تضع القارئ في ذات الحيرة لأن هناك ما يشعره دائمًا أن ثمة رسالة خفية من الكاتب.

تجربة القراءة لـ هاروكي موراكامي تظل من أكثر الاختيارات الممتعة، لأنه يضع القارئ في عالم خاص ويدفعة بشكل أو بآخر للتأمل ويترك داخله أثرًا لا يمكن تجاهله. وتظل عبارته الافتتاحية لقصة المكتبة الغريبة: “إذا أردت أن تعرف عن شيء ما فعليك أن تذهب إلى المكتبة”. من أفضل ما يمكن أن تنصح به الأطفال لتشجيعهم على القراءة.

1

شاركنا رأيك حول "المكتبة الغريبة: عندما كتب هاروكي موراكامي قصة أطفال فانتازية، ليست كذلك"

أضف تعليقًا