الحرب الباردة القادمة: هل تكون بين الصين والولايات المتحدة؟

الحرب الباردة الجديدة
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

مع بداية هذا العام، حققت الصين أحد أهم الإنجازات العلمية بهبوط المركبة الفضائية Chang’e-4 على سطح القمر في يناير الماضي. الإنجاز ليس في الهبوط وإنما في موقع الهبوط، حيث تمكنت المركبة الفضائية من الهبوط على الجانب البعيد وغير المواجه للأرض، وهذا لم يحدث من قبل.

تمكن البشر من غزو الجانب المواجه للأرض من القمر منذ عشرات السننين، لكن الهبوط على الجانب البعيد منه بقي بعيداً عن مغامراتنا الفضائية حيث لم يحدث من قبل إلا مع انطلاقة هذا العام. كما أعلنت الحكومة الهندية والحكومة الإسرائيلية محاولتها الهبوط هناك هذا العام، كما أعلنت العديد من الشركات الأمريكية جهودها لتحقيق هذا العام القادم 2020.

لم يكن الهبوط الأخير على سطح القمر إلا رسالة من الحكومة الصينية للعالم أجمع، حيث دأبت الصين على بناء قدرتها وسخرت كل التكنولوجيا المناسبة لتحقيق هذا الإنجاز غير المسبوق. حيث دفعت الآمال الضخمة الصين لزيادة الإنفاق في مجالات البحث والتطوير، ليتضاعف 10 مرات ما بين عامي 2000 وعام 2016. فإلى ماذا تسعى الصين؟

يبدو أن الصين وضعت أمامها أهدافاً كثيرة لتحققها الهدف تلو الآخر، وأكدت هذا وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية. ما بين علوم الفضاء، وعلوم الجينات، وبناء أكبر تلسكوب لاسلكي، وبناء أكبر أسطول سفن، وتطوير البحث في مجال المناخ، وخاصة في القطب الشمالي والجنوبي، وبناء أكبر مسرع جسيمات في العالم. ما هو هدف الصين حقاً؟

الحرب الباردة القادمة

تذكرنا هذه التطورات بأجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وبالأخص سباق الفضاء حينما تصارع القطبان على تحقيق أكبر سبق علمي خلال سنوات الصراع بينهما. وبالطبع انتهت نتيجة الصراع لصالح أمريكا حيث قدمت سنوات ذهبية للعلم، بدايةً من عام 1957 واستثمارات الحكومة الأمريكية لا تنقطع، لإثبات مدى قوتها وهيمنتها على العالم وخاصة المجتمع العلمي.

حققت الحكومة الأمريكية حينها إنجازات عديدة بدايةً من اكتشاف الكواركات إلى الاستنساخ، وتحقيق سلسلة لا تنتهي من جوائز نوبل في مختلف العلوم وجوانب الحياة وبالطبع فعلامة أمريكا المميزة إلى اليوم هي أول هبوط بشري على سطح القمر. لكن الهيمنة الأمريكية التي نتحدث عنها الآن ربما تكون في خطر.

خلال السنوات الأربعين الأخيرة كانت أمريكا –وإلى حد أقل أوروبا– تحقق إنجازات لم تحدث من قبل، وفتحت مجالات جديدة كاملة من المعرفة مثل فيزياء الفلك، والبيولوجيا الجزيئية، كما استفادت من ألمع الأجيال على الإطلاق، وكرس هذا مفهوم التفوق الأمريكي في مختلف العلوم، وسطوة الولايات المتحدة على العالم بأثره، سواء من الناحية الاقتصادية، أو العلمية.

نعود إلى الصين، فمع أن الحكومة الصينية لم تصبح مفتوحة على العالم، كما أمريكا (فما زالت الصين تلك الحكومة التى يرأسها الحزب الشيوعي)، فتمويلها كبير والمشكلة الحقيقة التي تواجه الصين الآن هي كيف تستثمر كل هذه الإنجازات؟ وبالطبع وجدت الصين أمراً في منتهى الصعوبة أمامها.

تمتلك الصين أكبر تلسكوب في العالم، لكنها لا تمتلك المؤهلات والعلماء القادرين على إدارة تلك المنظومة المتقدمة بشكل مناسب، لذلك ستضطر الحكومة الشيوعية في الصين إلى توظيف عالم أجنبي مؤهل لإدارة هذه المنشآت العلمية. وهذا ما يخالف طبيعية الحكومة الشيوعية المُنغلقة، ولكن العلم لم يعد حكراً على حكومات معينة، وسباق التسلح في عصر التكنولوجيا يعطي الأفضلية دائماً لأصحاب رؤوس الأموال المغامرة التي تحقق الكثير من الفوائد الاقتصادية.

الجانب المظلم من قمر الصين

كانت السطور الماضية هي الحديث عن الجانب المضيء من القمر بالنسبة للحكومة الصينية، دعنا الآن نتحدث عن الجانب المظلم. فقد ثارت في عام 2018 الكثير من الأخبار حول العالم الصيني الشهير جيانكوي كنموذج للعالم الصيني العصامي والذي بدأ تعليمه في الصين، ثم أكمل تعليمه الجامعي في أمريكا سراً، وعاد بعد ذلك إلى الصين ضمن حملة “آلاف المواهب” التي أطلقتها الحكومة الصينية.

تخصص هذا العالم في إحداث تغييرات في جينوم الإنسان، ورغم رفض الكثيرين التجارب التى تحدث في هذا المجال، إلا أن العالم الصيني أكمل مشواره العلمي والبحثي بعيداً عن الأضواء وتحت حماية الحكومة الصينية، وهذا ما أزعج الكثيرين، بينما أعتبره آخرون غير أخلاقي ويسبب الكثير من الإزعاج. وقد يفسر البعض رغبة العالم الصيني إلى دفع مجتمعه إلى القمة وسط النخبة العلمية عن طريق تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق.

مع ذلك يجب أن ينظر إلى النمو المذهل لعدد الأبحاث العلمية من قبل الباحثين الصينيين باحترام شديد، حيث تفوقت الصين على أمريكا في عام 2016 في عدد الأعمال العلمية. كذلك تمكنت الصين في نشر 731 ورقة بحث في الربع الأول من عام 2018 متفوقة على أمريكا وأوروبا مجتمعة، مما دفع الكثيرين إلى اتهام الصين بتمرير أوراق علمية مزيفة لتحقيق أرقام غير مسبوقة.

تدرك الحكومة الصينية مخاطر السمعة السيئة للأبحاث المزورة وحتى عمليات الاحتيال العلمي. وطالب العديد من العلماء قيام الأكاديمية الصينية للعلوم بوضع معايير عالية تتطابق مع المعايير العلمية الدولية والمواصفات العالمية في البحث العلمي.

عودة السلاحف البحرية

في عام 1978 تم تشجيع الطبقة العليا من الطلاب الصينيين للذهاب إلى الخارج لإنهاء الدراسات العليا، وعاد كثيرون منهم لتحقيق تلك الطفرة التي تحمل الصين إلى مقدمة الأمم في البحث العلمي والتطور التكنولوجي. وكما ذكرنا من قبل، أطلقت الحكومة الصينية برنامج “آلاف المواهب” لدعوة العلماء الصينيين للعودة إلى بلادهم لمواصلة البحث، ولكي تحصد الصين ثمار ما زرعته منذ سنوات.

تم تسمية عودة العلماء الصينيين عن طريق ذلك البرنامج “عودة السلاحف البحرية”، والتي تعود إلى شاطئ الولادة لوضع بيضها من جديد، حيث قامت الحكومة الصينية بالفعل بحصر عدد العلماء الصينيين في الخارج ودعوتهم للعودة إلى بلادهم من جديد، مع وعود كبيرة باستثمار كل المبالغ التي يحتاجون إليها لاستكمال أعمالهم وتحقيق تلك الإنجازات ولكن ضمن بلدهم الأم: الصين.

مع ذلك لم تفز الصين إلا بجائزة نوبل واحدة فقط خلال السنوات الأخيرة، وهي جائزة نوبل في الطب والتي فازت بها مكتشفة مادة الأرتيميسينين (هو عقار جديد مضاد للملاريا)، العالمة الصينية Tu Youyou عام 2015، ولم تحقق الحكومة الصينية أي إنجاز يُذكر مقارنة بما تحقق الدول الأخرى، لكن التوقعات المستقبلية عالية جداً بالطبع.

تطمح الصين إلى تطوير علوم الفيزياء والفلك وخاصة الشق العسكري منهما، وذلك عن طريق إرسال الكثير من الأقمار الصناعية العسكرية والتي تساهم بشكل كبير في خلق الأمان العسكري للبلاد، سواء ضد تحركات البلدان الأخرى، أو حتى ضد التغييرات المناخية المرتقبة السنوات القادمة. كما أنها تطمح لبناء أكبر مسرع للجزئيات على الإطلاق خلال السنوات القادمة لكي تهزم مسرع الجزيئيات الأوروبي الذي لا يزال الأكبر في العالم اليوم.

لن تتوقف طموحات الصين أبداً، فالصين كما تطمح في كل دورة ألعاب أولمبية لهزيمة دول العالم وخاصة أمريكا، فهي تسعى كذلك للتفوق على كل دول العالم في العلوم، والتكنولوجيا، وعلوم الفلك والفيزياء والفضاء، وكذلك العلوم الاقتصادية، والعسكرية. فهل تنجح الصين في هزيمة أمريكا في الحرب الباردة القادمة؟ أم أن مكانة الولايات المتحدة ستصمد أمام الصين كما فعلت أمام السوفييت سابقاً؟

1

شاركنا رأيك حول "الحرب الباردة القادمة: هل تكون بين الصين والولايات المتحدة؟"

أضف تعليقًا