أليس مونرو تستحق “الكثير من السعادة”

الكثير من السعادة
1

عندما تكتب المرأة عن المرأة..

الحديث عن الكاتبات يختلف عن الحديث عن الكتاب، ليس لأن كل الكاتبات يستحققن لقب (فيمنست) فيهاجمن الجنس الآخر (الرجال أقصد)، ويزخر أدبهن بالحديث عن مشاكل المرأة التي سببها الرجل والمجتمع. فلا يوجد ما هو أجمل من امرأة تتحدث بسلاسة عن نفس الأنثى، عن حبها، عن أملها، عن وجعها، عن جرأتها وتمردها. تتحدث عن الأنثى كأنثى فقط، وليس عن كائن معقد يلقي باللوم على الجميع. الغريب أني أرى وأقتنع تماماً أن هذا ما فعله الكثير من الكتاب، ولكن -وأصر على ذلك- يكون الأمر مختلفاً تماماً عندما تقرأه بقلم امرأة.

بطلات لا تنسى بأقلام نسائية

لم أقرأ من قبل شخصية لبطلة توازي جموح “كاثرين إيرنشو” بطلة “مرتفعات ويذرينج”. شخصية قتلها الحب الذي تخلت عنه بإرادتها الحرة لأنها مثل أي امرأة في العالم الواقعي تخشى على صورتها أمام المجتمع.

ماذا عن “إيزابيلا سوان” بطلة مجموعة “الشفق”. أنثى حقيقية بلا عقد اختارت وأصرت على اختيارها بغض النظر عن عواقبه. على الرغم من أن موضوع “الشفق” بدى لي طفولياً قليلاً بكل ما فيه من مذؤوبين ومصاصي دماء، إلا أنني انجذبت إلى الروايات تماماً بسبب شخصية البطلة.

رسمت “ستيفاني ماير” -الكاتبة- الشخصية ببراعة، فلم تكتف فقط بوصف مشاعرها الجامحة تجاه البطل. لكنها لم تهمل أن تذكر في كل مناسبة أن “بيلا” وإن كانت بشرية هشة واهية القوة مقارنةً بكل ما تزدحم بهم الروايات من خوارق، قادرة على أن تواجه الخطر. وتعتد برأيها، وتواجه عواقب اختياراتها، وبالفعل كانت تتجاوز الخطر في كل مرة وتنجح في كل اختبار بدون أن تكون خارقة القوة أو الجمال.

أليس مونرو وبطلات قصصها القصيرة

أما “أليس مونرو” فتختلف كثيراً لأنها تكتب عن النساء العاديات، ولكن من خلال قصص قصيرة. والمثير أنها تفعل في 30 صفحة ما يحاول أن يفعله كاتب آخر في 300 صفحة أو أكثر.

“أليس مونرو” كاتبة كندية ولدت سنة 1931 وحصلت على جائزة نوبل في الأدب في أكتوبر 2013، حيث اعتبرت اللجنة المحكمة أن القصص القصيرة التي تكتبها من أفضل القصص القصيرة في العالم. وعلى الرغم من أن أغلب قصص مونرو تبدو وكأنها مستوحاة من الأخبار اليومية إلا أنها تحلل جميع شخصيات أعمالها حتى أكثر الشخصيات فرعية، وتمنح كل شخصية أعماقاً وأبعاداً إنسانية تمس كل قارئ في اتجاه ما.

وفي كل أعمالها تحاول مونرو التركيز على جميع نقاط قوة وضعف المرأة، بل وتُظهر أنه أحياناً كل ما يبدو ضعفاً من الممكن أن يتحول إلى قوة وكل فشل من الممكن أن يتحول إلى نجاح وكل نهاية ما هي إلا بداية جديدة.

مجموعة قصص “كثير من السعادة”

في مجموعتها “كثير من السعادة”، كتبت مونرو عشر قصص تتباين أفكارها كما تتباين عناوينها. حيث كل شخصية تعاني من شيء ما وتواجه تحدياً من نوع مختلف. تحديات هائلة في الواقع كالطلاق، الزنا، العنف الأسرى، الاكتئاب، والحوادث المروعة. والموضوع الذي يربط بين قصص هذه المجموعة هو قوة بطلاتها وقدرتهم على الاستمرار والمواجهة.

فنرى في قصة (أبعاد) أول قصص المجموعة معاناة أم قتل زوجها أطفالهما الثلاثة ببشاعة أثناء نومهم. وهربها بعد ذلك ومحاولاتها المستميتة للبحث عن عمل وأمل. تصف تنقلها من عمل إلى اّخر وسكنها في أماكن مختلفة دون أن تحاول أن تشرح مكنوناتها لأي شخص، كل ذلك وهي تحاول أن تكتشف أبعاد مختلفة لحياتها وللحادث.

وفي قصة (حافة وينلوك) تتبع حياة طالبة لندنية وعلاقاتها بأمها وأقاربها ورفيقتها في الغرفة (نينا). ثم تبدأ في وصف شخصية نينا وكيف أنها شخصية فضولية مضطربة تحاول أن تستخدم الراوية للترفيه عن نفسها وتحقيق مصالحها. خدعت (نينا) بطلة القصة أثناء كلامها عن موعد عشاء مع صديقها وهو رجل مسن السيد (بروفيس). حتى حضرت بالفعل معهما هذا العشاء وعندما واجهته أثناء العشاء سألها عن رأيها في قراءة الشعر له ذات ليلة وهي عارية!

وفي قصة (لعبة أطفال) تقدم قصة مظلمة عن قسوة الأطفال في بعض الأحيان، مارلين وشارلين صديقتان في معسكر صيفي فتحكي مارلين كيف أغرقت (فيرونا) الفتاة الضعيفة معدومة الحيلة. يتلاعب الراوي بالقارئ كثيراً حتى يشعر الأخير ببشاعة الحادث.

أما في قصة (كثير من السعادة) فنحن نقف أمام عنوانها الرائع والمضلل في نفس الوقت، فبعيد عن الفلسفة، عندما يقترب القارئ من قصص هذه المجموعة بالتحديد سيصاب بصدمة من كم العنف والأحباط والفشل والمرض الذي تزدحم به قصصها. واقع المجموعة نفسها بعيد جداً عن السعادة كما هو واقعنا. حتى أن القارئ سيظن أنها تتحدث عن الكثير من السعادة المختفية عن الواقع!

تفضح حقيقة الأنسان البعيدة جداً عن الكمال، عن الوعظ، وعن الحكمة في واحدة من قصصها فتقول (فكرت أن كل إنسان في هذا العالم كان عارياً، بمعنى من المعاني. السيد (بروفيس) كان عاريا على الرغم من أنه كان يرتدى ثيابه كاملة. كنا جميعاً مخلوقات حزينة عارية).

تتناول قصتها (كثير من السعادة) وقائع حياة شخصية تاريخية هي (صوفيا كوفالسكي) الروائية الموهوبة ذات القدرات الحسابية المدهشة. ومعاناتها مع زوجها الأول عالم الحفريات (فلاديمير كوفالسكي) على الرغم من تفرده في فك طلاسم الأحجار ومعرفته للعديد من اللغات إلا أنه لم يكن قادراً على التواصل معها بأي شكل من الأشكال، فيفرض عليها قوانينه وقيوده التي ترفضها هي حتى ينتهى الأمر بانتحاره، وانتقالها هي إلى ستوكهولم حيث تقابل حبها بعيد المنال الذي تعرفته في إحدى المناسبات أثناء زواجها الأول (ماكسيم) أستاذ القانون، حيث تبحث معه عن الكثير من السعادة.

أليس مونرو تحكي دائماً عن السعادة سواء تحققت أم لم تتحقق، ولديها من الخبرة والحب ما يكفي لتمنح القارئ دوما شعور بالرضا والاكتفاء. لا تحكي عن نساء خياليات من عالم الروايات، بل عن نساء يجلسن في البيوت ويغرقن في الأفكار المتفرقة عن الاستمرار والحب والحياة.

1

شاركنا رأيك حول "أليس مونرو تستحق “الكثير من السعادة”"

أضف تعليقًا