مراجعة رواية كحل وحبهان: خواطر تخيلية متعددة النكهات

كحل وحبهان
3

عليك أن تثق يا عزيزي بأنك ستخرج من موضوعاتي بكلمة حلوة تقرأها في النهاية، فقد اعتدت على مشاركة قراء أراجيك بما تحمله جعبتي من مؤلفات أعجبتني وأثرت بي، فعيناي خُلقت لترى الجمال لأكتب عنه، واختارت نفسي أن تتغافل عن نقاط الضعف لتدعم الكلمة الحلوة دائمًا وأبدًا.

فلست هنا لتقديم مراجعة نقدية، فهناك من هم أقدر مني على ذلك بكل تأكيد، ولكنني أتيتُ لأقدم رأيًا وانطباعًا شخصيًا هدفه الأول والأخير هو تشجيع قارئ فقد شغفه على العودة لمقاعد القراء، أو ترشيح عمل جديد لقارئ متلهف يبحث عن نص جيد يصاحبه في الأمسيات الهادئة.

ولكن الأمر اليوم مختلف، فبالرغم من وجود الكلمة الحلوة التي أثرت بي ودفعتني للكتابة عن “كحل وحبهان” إلا أن نقاط ضعف العمل جاءت أكبر من قدرتي على التغافل، لذا فنحن اليوم سنتأرجح ما بين قمة الكلمة الحلوة واللمحة المؤثرة لنصل إلى قاع نقاط الضعف العديدة التي طعنت قلب العمل بقوة وفي الصميم.

عن سحر مديحة كامل المفقود

مع غلاف يحمل صورة الجميلة مديحة كامل، نتوقع أن يتناولها العمل ولو بقدرٍ يسير، لذا تجري أعيننا بحثًا عنها بين الكلمات ونتساءل مع كل كلمة مرت بلا أثر واضح لها “أين مديحة كامل؟”، ثم نحاول توقع ظهورها مع الكلمات الباقية، ونبدأ في وضع التصورات المختلفة، هل سيقابلها البطل، أم ستشبه حبيبته، أو ربما سيشاهد البطل أحد أفلامها فتتغير حياته وتبدأ الحكاية.

يضع كل قارئ تصوراته الخاصة التي تصاحبه طوال رحلة القراءة، إلى أن ينتهي النص ونكتشف خطأ كل تلك التصورات، حيث لا وجود مؤثر لمديحة كامل بين صفحات كحل وحبهان، مما يدفع بي نحو تفسير واحد لا غير: ظهور مديحة كامل على الغلاف لا غرض منه إلا البيع، وهو أمر مقبول فالجميع يبحث عن الربح، ولكن دعنا نربح معك يا عزيزي، إنثر لنا مع الكلمات ولو القليل من سحر مديحة كامل، أعطنا لمحة مؤثرة، ذكرى حلوة، أعطنا أي شيء وسأقبل به!

رواية؟ لا أظن ذلك

سبق وأخبرتك يا عزيزي أني لست بناقدة تمتلك المعايير والمقومات التي تحدد درجة نجاح النصوص الأدبية، ولكني قارئة يمكنها تصنيف النصوص حين تقرأها، لذا عليك أن تصدقني حين أخبرك أن كحل وحبهان لا تصلح أبدًا كرواية، ولا أدري ما السبب الذي دفع كاتبها لوضعها تحت ذلك التصنيف غير المناسب لها، فالنص أقرب للخواطر، ولكنها خواطر تفتقد لشخصية تنتمي لها، فهي خواطر شخصية خيالية، خواطر عبد الله بطل النص، لذا فقد قررت أن أسمح لنفسي بتصنيف العمل كخواطر تخيلية دون أن أعرف إن كان هناك تصنيف كذلك أم أنني اخترعته للتو!

قبل أن تسألني عن السبب الذي منعني من تصنيف “كحل وحبهان” كرواية، سأخبرك أنا عما ينتظره القارئ من كاتب الرواية. يحتاج قارئ الرواية المخضرم لبداية سلسة تمهده لعقدة وذروة يتفاعل معها ويحبس أنفاسه مع أحداثها المشوقة إلى أن يصل لبر النهاية بسلام، وهذا غير موجود هنا على الإطلاق.

ولكن دعني أخبرك بسر صغير، أنا لا أحتاج لكل تلك الأمور لأعطي العمل تصنيف رواية، يكفيني تخليد اللحظة، وقصص الموقف الواحد لأطلق على النص رواية، في حال كان هناك وصف تفصيلي للأماكن يطلق لخيالي العنان ويدخلني في سياق ما يحدث، وتعريف كافٍ للشخصيات بأبعادها النفسية وصراعاتها الخفية والمعلنة، ولكن للأسف هذا أيضًا غير موجود بالدرجة التي تسمح لي بتصنيف النص كرواية.

الموجود هنا هو خواطر رائعة، مست قلوبنا وذكرياتنا ومشاعرنا وشعر كل قارئ في لحظة ما أن ما يقرأه الآن سبق وحدث له في الماضي، إلا أنها ليست رواية، بل لمحات طيبة من زمن يغادرنا بينما نحن متعلقون بأذيال ثوبه لعله يبقى معنا قليلًا.

نوستالجيا فيسبوكية بلا صور

قبل أي شيء دعنا نتفق أن النص موجه لمواليد السبعينات والثمانينات، المفعمين بالحنين إلى الماضي، لذا فالنوستالجيا هنا ورقة رابحة بكل تأكيد، ولكن عن أي نوستالجيا نتحدث، عن القلم الأزرق الفرنساوي الذي دوّن به عبد الله كلماته، وبسكويت البيمبو الذي تناوله في فسحة المدرسة، وزجاجات الكراش الموجودة في عيد ميلاد صديقه وغيرها الكثير من ماركات وأنواع منتجات كانت مستخدمة بكثرة في فترة الثمانينات!

كلها أمور لا تليق إلا بمنشورات صفحات الفيسبوك مع صورة قديمة تعيد لنا إبتسامة زمن ولى، ولكن هل تليق بقارئ النصوص الأدبية؟ لا أظن ذلك، ويشعر ذكائي بالإهانة عندما يقدم لي الكاتب كلمات كتلك معتقدًا أني سأقبلها وأسعد بها. قدّر ذكائي أرجوك وقدم لي الماضي بطريقة تليق بي وبه وبك يا عزيزي.

من الطعام ما قتل

كلنا نعرف أن من الحب ما قتل، ولكن بعد أن تقرأ كحل وحبهان ستجد أن هناك من الطعام ما قتل أيضًا. قبل أن تعطيك كلماتي انطباعًا خاطئًا عني دعني أوضح لك أني أحب الطعام وأعشق الطبخ، أستمتع بمشاهدة برامج الطبخ والقراءة عنه وممارسة فنه والتعرف على ثقافته أيضًا، ومع كل هذا أجد أن ما قُدم في “كحل وحبهان” مبالغة شديدة تقتل أي متعة، أن تقدم وجبة طعام رسالة، حيث يُخبرنا المحشي أننا أخوة والملوخية أننا سنظل معًا للأبد هو أمر شبه فانتازي بالنسبة لي!

هناك متعة كبيرة تتحقق عند القراءة عن الطعام، بحيث تبقى معها الكلمات باقية في أذهاننا لفترات طويلة، ولكن لا بد وأن يقدم بطريقة لائقة كما سبق وقدم في العديد من المؤلفات الشهيرة، أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، رواية الكاتبة إليف شافاك لقيطة اسطنبول، ورواية كالماء للشكولاتة لـلكاتبة لاورا إسكيبيل، والمقدمة التمهيدية الرائعة لرواية أرض النفاق للكاتب الكبير يوسف السباعي.

في النهاية، أود أن أوضح أنني أحببت النص وتأثرت بعلاقة عبد الله ووالده، بل وبكيت في بعض الفقرات، إلا أن المبالغة في كل شيء تقريبًا شوهت جمال النص وشوشت على مشاعري المتدفقة مع الكلمات، لذا فأنا أرجو من الكاتب عمر طاهر صاحب الكلمة الحلوة والأفكار الجيدة أن يقدم لنا المزيد من تلك النصوص الجميلة، ولكن دون مبالغة غير مبررة تفسد لي متعة القراءة ويضيع معها الجهد الواضح المبذول بالعمل.

3

شاركنا رأيك حول "مراجعة رواية كحل وحبهان: خواطر تخيلية متعددة النكهات"