ما لم تكتبه بوتشي إمتشيتا عن متع الأمومة

متع الأمومة
0

الأمومة هي الحلم الذي تحلم به الفتيات منذ الصغر، وهي الصراع الذي تخوضه المرأة طوال حياتها بعد ذلك. صراع ناعم وشاق لكنه سيظل الحدث الأعظم في حياة كل امرأة.

من النادر أن نجد رواية تخلو من دور الأم، فهي شخصية أساسية في كل عمل أدبي، وفي بعض الأعمال تكون الأمومة هي محور العمل الذي تقوم عليه الأحداث. مثل الرواية التي سنتناولها اليوم، (متع الأمومة) للكاتبة النيجيرية البريطانية (بوتي امتشيتا) التي صاغت في روايتها القائمة في الأساس على ثقافتها الأم كل المعاناة والتضحيات التي تقدمها الأنثى في المجتمع النيجيري منذ ولادتها حتى تصبح أماً، ليتحول الأمر مع أمومتها إلى صراع حقيقي من أجل الحياة.

العنوان جاء متناقضاً تماماً مع أحداث الرواية المليئة بالمعاناة، لكنها تصل بالقارئ في النهاية أن الأمومة سواء كانت مع البطلة أو مع نساء أخريات سترتبط دوماً بالمعاناة سواء كانت في نيجيريا أو بريطانيا أو في أي بلد آخر، لكن تلك المعاناة والألم والتضحية تنساها الأم –أي أم- وهي ترى صغارها يكبرون في أمان محاطين بالحب ليتحول الأمر إلى نوع مختلف من المتع لا تدركه إلا الأمهات.

من هي (بوتشي إمتشيتا):

بوتشي إمتشيتا

ولدت (بوتشي إمتشيتا) في نيجيريا عام 1944، لأب وأم من قبائل (أيجبو) النيجرية. ومنذ طفولتها عانت (إمتشيتا) من العادات القبلية التي كانت تقضي بأن يذهب الأولاد إلى المدرسة في حين تبقى البنات في المنزل. لكنها بعد العديد من المحاولات من قبل أمها لأقناع والدها التحقت للتعليم في المدرسة المحلية. وعندما أتمت (إمتشيتا) عامها التاسع توفي أبوها. بعدها بعام واحد حصلت على منحة في (مدرسة البنات الميثودية) التابعة للكنيسة. حيث بقت فيها إلى أن بلغت الـ 16.

بعد تخرجها من المدرسة الثانوية بعام تزوجت من (سلفستر أونوردي) خطيبها منذ كانت في الحادية عشر حسب تقاليد قبيلتهم. بعد إنجابها طفلتها الأولى وابنها الأصغر انتقلت إلى لندن مع زوجها ليلتحق هو بالجامعة. أنجبت (إمتشيتا) خمسة أطفال في ست سنوات!

زواج عنيف وغير سعيد أبداً:

قضت (إمتشيتا) سنوات زواجها في تعاسة تامة بجسد أرهقه الحمل والإنجاب. كانت تقضي وقت فراغها في الكتابة التي كان زوجها يرتاب في أمرها لدرجة أنه مزق نص أول عمل روائي لها (ثمن العروس). تركت زوجها واضطرت للعمل من أجل أطفالها الخمسة. وخلال ذلك حصلت على منحة لدراسة علم الاجتماع في جامعة لندن.

(إمتشيتا) هي كل بطلاتها:

بعد ذلك احترفت (إمتشيتا) الكتابة. كتبت عن خبراتها جميعاً كبريطانية سوداء وكأم منتهكة الحقوق غارقة في الواجبات. في كل كتابتها تتحدث عن حقوق الأطفال في التعليم والحياة، وعن حرية المرأة واستقلالها. كتبت الكثير من الكتب للأطفال وعدة روايات نسوية أبرزها (ثمن العروس) و (متع الأمومة) و (عبودية البنات).

في كل روايتها تسقط (إمتشيتا) الأحداث على نفسها وطفولتها وتجربة زواجها. لكنها تنسج العمل في إطار متكامل وتمعن في وصف تفاصيل المكان والمشاعر ليتوحد القارئ مع بطلاتها بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم.

“متع الأمومة” حقيقة لا تغفلها الكاتبة:

تحكي الرواية عن (أبادي) زعيم القبيلة الثري النبيل، الذي يقع في حب (أونا) التي تعني الجوهرة في اللغة المحلية. على الرغم من تعدد زوجاته يفضلها هي ويتنقل معها من مكان لآخر مخالفاً بذلك كل التقاليد والعادات. يصاب (أبادي) في رحلة صيد ويموت متأثراً بجرحه. تاركاً (أونا) حاملاً بطفلته (نن أيجو) بطلة الرواية. التي تولد بعلامة سوداء على جبهتها، كالتي كانت تطبع على جبهة العبيد، وكأنها ترمز إلى ما ينتظرها في المستقبل من قيود لا حصر لها.

تواجه (نن إيجو) الحياة بعد موت أمها وحيدة. فتتزوج ويتركها زوجها لأنها على حد قولهم غير جديرة بإنجاب الأطفال خالية من الخصوبة، موصومة منذ ميلادها. تتزوج مرة أخرى وتنتقل من قريتها إلى (لاجوس) لتختبر كل ما يمكن أن تمر به الأنثى من مشاعر الانتهاك والفقد والعجز. فتلد لتفقد صغيرها، وتتعرض لخيانة زوجها وللعنف الزوجي، وتلد تسعة أطفال أصحاء وبعد موت شقيق زوجها يرث زوجها زوجات شقيقه الأربع، لتبدأ معهن نوعاً آخر من المعاناة، وتعمل بكد لإطعام أطفالها وتفرح بانتصارات صغيرة مثل تعليم أبنائها وبلوغهم. وتنجح في تعليم ابنها الأكبر ويسافر إلى الخارج وكذلك أبنها الثاني.. تعود إلى قريتها مع اثنين مع ابنتيها المتزمتين وبتم التعامل معها كامرأة ناجحة.. ولكنها تموت وحيدة.. ليعود ولديها من الخارج ليقيما لها جنازة مهيبة ضخمة ينفقون عليها الكثير من الأموال التي لم تراها (نن إيجو) في حياتها!

حياة (نن إيجو) طوال الرواية سلسلة من المعاناة والخنوع ولكن إصراراها الوحيد للحياة كان من أجل أطفالها. تقدم الرواية تضاداً مريعاً بين العنوان والأحداث ولكنها تنتهي بمثال عظيم للتضحية والإيثار. ليعلم البعض أن هناك من يولد ليعاني دون أن يعرف معنى للشكوى، وأن الحياة كما تعطي الكثير تأخذ في المقابل الكثير.

0

شاركنا رأيك حول "ما لم تكتبه بوتشي إمتشيتا عن متع الأمومة"